GEM.. معجزة على أعتاب الأهرامات تنقش مصر من جديد في تاريخ العالم

المتحف المصري الكبير ..

على مشارف هضبة الجيزة، حيث تتقاطع أنفاس الماضي مع نبض الحاضر، يقف المتحف المصري الكبير شامخًا كأكبر مشروع ثقافي وأثري في العالم، يُعلن للعالم أن مصر لا تُعيد قراءة التاريخ فحسب، بل تكتبه من جديد.

 
 
ومن أمام هذا الصرح العظيم، نقول للعالم أجمع:
هنا مصر… وهنا يبدأ التاريخ من جديد.
د.  علي أبو دشيش خبير الآثار المصرية
ومدير مؤسسة زاهي حواس للآثار والتراث 
 
منذ لحظة اقترابك من واجهته المهيبة، تشعر أنك تدخل عالَمًا من السحر، تُرحّب بك فيه المسلة المعلّقة — أول مسلة في العالم تُعرض بهذا الشكل الهندسي المعماري الفريد — حيث تمرّ من أسفلها فترى خرطوشا يحمل إسم الملك رمسيس الثاني يعلو بك نحو السماء، وكأنها بوابة الزمن إلى حضارة عمرها آلاف السنين.
 
تلك المسلة التي كانت شاهدة على مجد مصر القديم أصبحت اليوم مدخلًا إلى مجدها الحديث، حيث تُهيّئ الزائر نفسيًا وروحيًا لتجربةٍ فريدة، تجمع بين العظمة المادية والرهبة الرمزية.
 
وبمجرد أن تخطو داخل البهو العظيم، يستقبلك تمثال الملك رمسيس الثاني بارتفاعه المهيب الذي يتجاوز 11 مترًا، محاطًا بقطع أثرية نادرة تمثل عصورًا مختلفة من التاريخ المصري. هذا البهو لا يُعد مجرد قاعة استقبال، بل مقدمة روحية لتجربة المتحف بأكملها، حيث تشعر أن الملوك والفراعنة يروون حكاياتهم بصمتٍ من حجر.
 
يتزين البهو بقطع ضخمة تمثل مراحل تطور الفن المصري، منها تماثيل ضخمة لملوك الدولة الحديثة وآثار للآلهة المصرية، في مشهد يجمع بين القوة والجلال.
 
أما القاعات الداخلية، فهي أشبه بصفحاتٍ حيّة من كتاب الحضارة المصرية، صُممت بأحدث أساليب العرض المتحفي في العالم.
 
تتوزع القطع الأثرية على قاعات زمنية وموضوعية تُظهر تطور الفكر المصري القديم في الدين، والفن، والعمارة، والعلوم، والحياة اليومية.
 
فهناك قاعة مخصصة للعقيدة المصرية القديمة، وأخرى للحياة اليومية من الزراعة والصناعة والطب، وثالثة للفنون والنقوش والبرديات، بينما تخصص قاعة أخرى لملوك الدولة القديمة، لتضع الزائر أمام رحلة ممتدة من فجر التاريخ حتى نهاية العصور الفرعونية.
 
الإضاءة الدقيقة، والممرات الواسعة، والشاشات التفاعلية تجعل الزائر يعيش تجربة تاريخية وإنسانية في آنٍ واحد، فيشعر كأنه يسافر عبر الزمن داخل قصة مصر ذاتها.
 
وفي قلب هذا الصرح العظيم، تأتي قاعة الملك توت عنخ آمون لتكون جوهرة المتحف وأيقونة الحضارة.
 
لأول مرة في التاريخ، تُعرض المجموعة الكاملة للملك الذهبي، التي تضم أكثر من خمسة آلاف قطعة، بينها عرشه الذهبي، وقناع الموت الأسطوري، والعربات الحربية، والأقواس الملكية، والأدوات اليومية التي استخدمها في حياته.
 
وقد صُممت القاعة بعناية لتجعل الزائر يشعر أنه يسير في طريق الملك نحو الأبدية، وسط إضاءة ذهبية خافتة تُحاكي أجواء المقبرة الملكية في وادي الملوك.
 
كل قطعة وُضعت في مكانها وفق دراسات علمية دقيقة تحاكي ترتيبها الأصلي داخل المقبرة، ما يمنح الزائر تجربة واقعية تُحاكي لحظة اكتشاف هوارد كارتر التاريخية عام 1922.
 
ولأن مصر لا تكتفي بعرض الماضي، بل تُعيد بناءه، خصص المتحف أيضًا جناحًا مذهلًا لـ متحف مركب خوفو، حيث نُقلت سفينة الشمس العظيمة — التي بُنيت قبل أكثر من 4500 عام — من موقعها الأصلي بجوار الهرم إلى المتحف في واحدة من أدق وأعقد عمليات النقل الأثري في التاريخ.
 
تُعرض المركب الآن داخل قاعة مصممة خصيصًا لتحافظ على حالتها المذهلة، وقد جُهزت بتقنيات بيئية حديثة للتحكم في الحرارة والرطوبة والإضاءة، لتُطل مباشرة على أهرامات الجيزة، في مشهدٍ يجمع بين عبقرية المصري القديم وإبداع المصري الحديث.
 
المركب الذي حمل روح الملك إلى السماء، أصبح اليوم رمزًا لرحلة مصر ذاتها نحو الخلود.
 
ويضم المتحف أيضًا مركزًا عالميًا للترميم يُعد الأكبر من نوعه في الشرق الأوسط، يضم معامل متخصصة في ترميم الأخشاب، والمومياوات، والمعادن، والنسيج، والبردي.
 
وقد استقبل المركز آلاف القطع الأثرية من أنحاء مصر كافة لإجراء عمليات الفحص والترميم قبل العرض، في منظومة علمية دقيقة تجمع بين الأثر والتكنولوجيا الحديثة.
 
ويعمل بالمركز نخبة من الخبراء المصريين الذين أصبحوا اليوم من رواد علم الترميم في العالم، ما يجعل المتحف ليس فقط دار عرض، بل أيضًا مدرسة علمية تُخرّج أجيالًا جديدة من المتخصصين.
 
كما يضم المتحف مكتبة أثرية متخصصة، ومركزًا للمؤتمرات والمعارض، وصالات عرض مؤقتة تتيح تبادل المعارض الدولية مع كبريات المتاحف حول العالم، ما يجعل منه مركز إشعاع ثقافي عالمي يربط بين الماضي والمستقبل، ويُعيد لمصر مكانتها كمركز للحضارة الإنسانية.
 
أما التصميم المعماري، فقد جاء تحفة فنية تستلهم خطوطها من الأهرامات نفسها؛ واجهة زجاجية عملاقة تُطل على منظر الأهرامات الثلاثة في مشهد لا يتكرر في أي مكان آخر على وجه الأرض.
 
تندمج الأحجار الرملية المستخدمة في البناء مع ألوان الصحراء المحيطة لتجعل المتحف جزءًا طبيعيًا من المشهد الأثري، بينما تُعبّر الزوايا الهندسية عن فكرة الامتداد الزمني للحضارة المصرية من الماضي إلى المستقبل.
 
إن المتحف المصري الكبير ليس مجرد مشروع وطني، بل رسالة خالدة إلى العالم تقول إن مصر — برغم مرور آلاف السنين — ما زالت قلب الحضارة الإنسانية النابض؛ إنه لقاء بين الماضي والمستقبل، بين رمسيس وتوت عنخ آمون، بين الأهرامات وشباب مصر الذي شيد هذا الإنجاز بسواعده وإيمانه.
 
وفي النهاية، يبقى المتحف المصري الكبير رمزًا للهوية المصرية المتجددة، ودليلًا على أن الحضارة لا تُقاس بعمرها فقط، بل بقدرتها على الإلهام والتجدد والعطاء.
 
ومن أمام هذا الصرح العظيم، نقول للعالم أجمع:
هنا مصر… وهنا يبدأ التاريخ من جديد.

Katen Doe

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

علي ابو دشيش
المستشار حسام الدين علام
محمود الحصري
محمود الحصري

المزيد من مقالات

بردية خوفو والسحرة

"إحكي يا تاريخ" سلسلة جديدة نبدأها في موقع اخبار مصر مع عدد من المتخصصين في التاريخ المصري نحكي فيها احداث...

الإعلام المستدام في زمن المنصات المتكاملة!

اصبحنا نعيش في عالمٍ يتسارع فيه تدفّق المعلومات وتتسع فيه الفضاءات المفتوحة بلا حدود وبات لا احد يملك الحقيقة بل...

كيف يكون البرلمان شريكا في التنمية واستقرار الوطن؟

تدخل الحياة النيابية في مصر مرحلة جديدة تتطلب قراءة دقيقة لدور البرلمان، لا بوصفه ساحة للمواجهة أو التنافس السياسي التقليدي،...

"المدجاي" عيون مصر الساهرة

بينما كانت حضارات العالم القديم تتخبط في صراعات بدائية، كانت أرض النيل تُرسي دعائم أول نظام شرطي وقضائي عرفته البشرية....