ذكرت مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية أن واشنطن بحاجة إلى الضغط من أجل إعادة تشكيل أوروبا كما حدث في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وأوضحت أنه في مارس 1945، وصفت صحيفة "نيويورك تايمز"، أوروبا بأنها "قارة مظلمة" في حالة "لا يستطيع أي أمريكي أو يأمل في فهمها"، فبعد أن دمرها التطرف السياسي وحرب كارثية (الحرب العالمية الثانية)، تحولت أوروبا إلى مشكلة للجميع.
وأشارت المجلة إلى أنه نتيجة لبروز الاتحاد السوفييتي كمنافس عالمي، أدى إعادة تنظيم الولايات المتحدة لأوروبا الغربية، المنهكة المليئة بالحطام في أواخر الأربعينيات من القرن الماضي، إلى نجاح اقتصادي وسياسي ومجتمعي غير مسبوق.
فمن خلال الاستفادة من قوتها الاقتصادية، سهلت واشنطن ولادة اقتصاد أوروبا الغربية من جديد، والذي تعافى بسرعة من الدمار في زمن الحرب.
ومن خلال خطة "مارشال" وغيرها من البرامج، جعلت حكومة الولايات المتحدة دعمها مشروطا بالتعاون بين الدول الأوروبية بعضها البعض، وهو ما أدى إلى إطلاق عملية التكامل الاقتصادي والسياسي، كما وصفها الراحل المؤرخ البريطاني، توني جودت، بشكل جيد في كتابه "ما بعد الحرب" العالمية.
ولفتت المجلة إلى أنه بضغط من الولايات المتحدة، وافق أعداء ألمانيا السابقون أيضا على إعادة تسليح ألمانيا الغربية واندماجها في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، الأمر الذي أبقى السوفييت تحت السيطرة وأبقى أوروبا الغربية آمنة. وقد أنتج كل ذلك فترة من السلام والازدهار لم يسبق لها مثيل في التاريخ الأوروبي الحديث، كما أرسى الأساس للتوحيد السلمي للقارة بعد انهيار الكتلة السوفييتية.
ولكن من المؤسف وفقا لفورين بوليسي- أن أوروبا تعيش حاليا على ذكرى هذا الإنجاز الملحمي، حيث على الرغم من الثروة الهائلة التي يتمتع بها الاتحاد الأوروبي وقوته المحتملة، فإنه يظل غير قادر على استيعاب وتحقيق العمل السياسي الموحد.
فبينما تحترق أوكرانيا، وتتفاقم الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط، وتلوح الصين في الأفق، يبدو أن الدول الأوروبية تعود إلى حالة الانقسام والمنافسة وانعدام الثقة التي ظلت قائمة منذ زمن بعيد.
فعلى سبيل المثال، تنقسم الحكومات الأوروبية حول كل شيء من روسيا إلى غزة إلى قانون خفض التضخم الأمريكي (وفقا للقانون الأمريكي، سيتم ضخ 370 مليار دولار في برامج أمن الطاقة وتغير المناخ، عبر تقديم إعفاءات ضريبية للشركات التي تستثمر في الطاقة النظيفة، ودعم كبير للسيارات الكهربائية والبطاريات ومشاريع الطاقة المتجددة، طالما كانت المكونات المستخدمة في هذه المشروعات مصنوعة داخل الولايات المتحدة، ولكن الاتحاد الأوروبي يشعر بالقلق من الأضرار التي قد تنتج عن انتقال الشركات من دوله طمعا بالدعم الأمريكي).
كما أن المحرك الفرنسي الألماني التقليدي للتكامل والسياسة الأوروبية، منقسم; فضلا عن أن ندرة القيادة الاستراتيجية الأوروبية تعمل على تفتيت القارة من الداخل.
فعلى سبيل المثال، أدى عجز باريس وبرلين عن "التحدث بصوت واحد" بشأن دعم جهود كييف الحربية إلى خلافات مطولة حول كيفية التعامل مع أخطر عدوان تشهده القارة منذ الحرب العالمية الثانية.
واعتبرت المجلة الأمريكية أن الحروب المستمرة في أوكرانيا والشرق الأوسط - والذعر المتزايد في أوروبا بشأن احتمال عدم وجود الولايات المتحدة إلى جانبها تبرز وجود فرصة سانحة الآن لواشنطن، كما حدث في عام 1945، لدفع أوروبا نحو الاتجاه الصحيح، اتجاه أكثر مسؤولية من الناحية الاستراتيجية.
وقد تكون النتيجة وفقا للمجلة- اتحادا أوروبيا أطلسيا يدافع عن نفسه من خلال الجمع بين موارد حلف شمال الأطلسي والقدرات العسكرية الأوروبية المتعاظمة.
وحذرت المجلة من أنه من دون المزيد من الضغوط من جانب واشنطن، فمن المرجح أن يظل الاتحاد الأوروبي شريكا خجولا ومنقسما ومرتبكا في مواجهة روسيا والصين وغيرهما من التهديدات، مما يعرض نفسه والولايات المتحدة نفسها للخطر.
ورأت "فورين بوليسي" أن هناك ثلاثة أمور متداخلة توفر لواشنطن الفرصة لإعادة تشكيل أوروبا، يتمثل الأول في الحرب المستمرة في أوكرانيا، حيث بدون الدعم العسكري الأمريكي المستمر، فإن أوكرانيا لا تفتقر إلى القدرات اللازمة لاستعادة أراضيها المحتلة فحسب، بل قد تفشل أيضا في الدفاع عن نفسها ضد الهجمات الروسية المستقبلية.
والحقيقة هي أن الاتحاد الأوروبي لا يزال غير راغب سياسيا وغير قادر عسكريا على التعويض عن التوقف الحالي في المساعدات العسكرية الأمريكية.
كما أن العقود التي تلت عام 1989، شهدت انخفاضا هائلا في الإنفاق العسكري الأوروبي، والقدرات، ومخزونات المعدات العسكرية، ولم تبدأ أغلب البلدان عملية إعادة التسلح إلا مؤخرا وعلى مضض. وحتى مع زيادة النفقات بشكل كبير، فسوف يستغرق الأمر عقودا من الزمن قبل أن يتمكن الاتحاد الأوروبي من تلبية متطلباته الدفاعية.
وتجدر هنا الإشارة إلى أن بروكسل كانت بالكاد قادرة على التوصل إلى اتفاق في فبراير الماضي بشأن حزمة مساعدات متعددة السنوات لأوكرانيا بقيمة 50 مليار يورو (54 مليار دولار)، ومن المرجح أن تتشاحن دول القارة الأوروبية لسنوات متتالية بشأن عضوية أوكرانيا المحتملة في الاتحاد. وحتى الهدف المتواضع للكتلة المتمثل في تزويد أوكرانيا بمليون طلقة من الذخيرة بحلول ربيع هذا العام سرعان ما تبين أنه بعيد المنال.
وعلى الرغم من خطابهما المتصاعد، فإن بروكسل وكييف تدركان أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في غياب واشنطن، يتمتع بميزة طويلة الأمد، ليس فقط في أوكرانيا، بل وأيضا على طول الجهة الشرقية المكشوفة للاتحاد الأوروبي. كما أنه بغض النظر عمن سيفوز في الانتخابات الرئاسية الأمريكية في نوفمبر المقبل، ينبغي للولايات المتحدة أن تستخدم التهديد بالانسحاب من حلف شمال الأطلسي وهو الأمر الذي فكر فيه الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب خلال إدارته لإعادة تشكيل المواقف الأوروبية بشكل جذري فيما يتعلق بأمنهم ودفاعهم.
لذا، وفي ضوء ما سبق، ينبغي على واشنطن أن تربط بوضوح بين استمرار الإمدادات العسكرية الأمريكية لأوكرانيا وبين زيادة الإنفاق من قبل أعضاء الناتو الأوروبيين والتمويل الكبير من الاتحاد الأوروبي للاستراتيجية الصناعية الدفاعية الأوروبية التي تم إطلاقها مؤخرا، وكذلك تسريع عضوية أوكرانيا في الاتحاد الأوروبي.
وإن هذا النوع من حملات الضغط على أوروبا يمكن أن يساعد أيضا في التغلب على رفض المشرعين الأمريكيين تقديم المزيد من المساعدات لأوكرانيا.
أما الأمر الثاني، فيتمثل في استخدام الولايات المتحدة سياسة الطاقة للضغط على أوروبا، حيث أدت محاولات الانفصال المستمر بين الاتحاد الأوروبي وإمدادات الغاز الطبيعي الروسي إلى نقاش أوسع حول كيفية تحقيق التوازن بين أهداف الاتحاد الأوروبي الصارمة بشأن انتقال الطاقة - والتي تكلف الكتلة ودولها الأعضاء عدة تريليونات يورو- مع أمن الإمدادات.
وقد زودت الولايات المتحدة ما يقرب من نصف واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز الطبيعي المسال في عام 2022، ما يجعلها مورد الطاقة والملاذ الأخير للاتحاد. ويجب على واشنطن هنا أن تشترط التزام بروكسل بتحقيق أمن الطاقة الحقيقي لدول القارة، خاصة وأن اعتماد أوروبا على الغاز الروسي كان أحد الأسباب التي جعلت بوتين يعتقد أن له مطلق الحرية في غزو أوكرانيا في عام 2014 ومرة أخرى في عام 2022.
لذا، ينبغي على واشنطن أن تضغط على أوروبا - وخاصة ألمانيا - حتى لا ترتكب هذا الخطأ مرة أخرى. ويتمثل الأمر الثالث ونقطة النفوذ بالنسبة للولايات المتحدة، في ضرورة تدخل واشنطن لسد فراغ القيادة في أوروبا، ليس لقيادة القارة، ولكن للمساعدة في صياغة المرحلة التالية من العلاقة الأمنية عبر الأطلسي.
ووفقا لفورين بوليسي، فإن العديد من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي - بما في ذلك معظم دول الشمال ودول البلطيق ووسط وشرق أوروبا - سوف ترحب بالضغط المباشر من واشنطن لربط العلاقات الأمنية عبر الأطلسي بتغييرات واضحة في السياسة الأوروبية، وعلى الأخص توسيع أكثر جدية للقدرات الدفاعية والحلول ذات المغزى المرتبطة باستقلال الطاقة عن روسيا.. وعليه يجب على واشنطن أن تضغط على أوروبا كما فعلت في عام 1945; الأمر الذي سيعود بالفائدة على كلا الجانبين.
وكالة أنباء الشرق الأوسط (أ ش أ) هي وكالة أنباء مصرية رسمية، تأسست عام 1956
قال رئيس مجلس القيادة الرئاسي باليمن الدكتور رشاد محمد العليمي، إن توحيد القرار الأمني يعزز فعالية مكافحة الإرهاب وتحسين الخدمات...
جدد وزير الخارجية الصيني وانج يي، السبت، التزام الصين بتعزيز محادثات السلام بشأن قضية أوكرانيا، مؤكدا أن لأوروبا مكانا مشروعا...
أكد رئيس الوزراء السوداني الدكتور كامل إدريس ، أن الحرب المفروضة على السودان تشنها مليشيا "الدعم السريع" ومرتزقة أجانب بدعم...
بحث عادل بن أحمد الجبير وزير الدولة للشؤون الخارجية السعودي عضو مجلس الوزراء ومبعوث شؤون المناخ، مع المدير العام السياسي...