في ذاكرة أكتوبر صور لا تُنسى؛ جندي يعبر القناة، وعلم يرتفع فوق الضفة الشرقية، وأم تتابع الأخبار وقلبها معلّق بابنها، وزوجة تحمل مسؤولية بيتها بينما زوجها على الجبهة، وطبيبة وممرضة ومتطوعة يشاركن في مواجهة آثار الحرب، وامرأة تواصل عملها وحياتها وهي تعرف أن وطنها يخوض معركة لاستعادة الأرض والكرامة. هكذا كان أكتوبر ملحمة وطنية شارك فيها المجتمع المصري بكل فئاته، وكانت المرأة حاضرة في تفاصيلها، حتى وإن لم تكن في الصفوف الأمامية للقتال.
شيرين الشافعيرئيس تحرير بقناة النيل للأخبارماجستير إدارة أعمال
عاشت المرأة المصرية الحرب من موقعها، تحمل مسؤوليات البيت والعمل، وتساند أسرتها، وتشارك في جهود الرعاية والإغاثة، وتتابع أخبار الجبهة بقلق وأمل. كانت شريكة في الصمود، وفي انتظار لحظة النصر التي غيّرت وجه الحياة وفتحت صفحة جديدة في تاريخ الوطن. ومن هنا تبدو قراءة أكتوبر بعيون النساء زاوية إنسانية تستحق التوقف أمامها، لأنها تكشف جانبًا من البطولة اليومية التي لا تظهر دائمًا في كتب التاريخ أو صور المعارك.
وحين حاولت السينما والدراما أن تحفظ تلك الذاكرة، لم تكن المرأة غائبة عن الصورة، بل ظهرت في أعمال متعددة وبأدوار متفاوتة الحضور. وهنا يبرز سؤال مهم: كيف قدم الفن المرأة المصرية في زمن الحرب؟ وهل كانت مجرد شخصية تدور حول البطل، أم استطاعت الشاشة أن تمنحها حكايتها الخاصة؟
نساء في قلب النصر
لم يكن نصر أكتوبر نتيجة لحظة عسكرية منفصلة عن المجتمع، بل جاء بعد سنوات من الاستعداد والتضحيات، وكان لكل بيت مصري نصيب من تلك الرحلة. وبينما كان الجنود يستعدون للمعركة، كانت أمهات وزوجات وشقيقات يعشن حالة من الترقب، ويحملن مسؤوليات مضاعفة، فيما واصلت العاملات والطبيبات والممرضات والمتطوعات أدوارهن في مواقع مختلفة، لتبقى الحياة مستمرة رغم أجواء الحرب.
هذه التفاصيل تمنح أكتوبر بعدًا إنسانيًا أوسع؛ فالحرب لا تتوقف آثارها عند الجبهة، وإنما تمتد إلى البيوت والمشاعر والانتظار والمسؤوليات والأحلام. ولهذا فإن حضور المرأة في الذاكرة الفنية لحرب أكتوبر لا ينبغي أن يكون مجرد خلفية للأحداث، وإنما جزءًا من الصورة الكاملة للنصر.
بطلات على الشاشة
قدمت السينما المصرية عددًا من الأعمال التي تناولت حرب أكتوبر وما سبقها وتلاها، وظهرت المرأة داخل هذه الأعمال بصور مختلفة. ويأتي فيلم "العمر لحظ" في مقدمة النماذج اللافتة؛ فقد قدمت ماجدة شخصية الصحفية "نعمت"، التي تتحول بعد خلافات حول رؤية الحرب وأوضاع البلاد إلى العمل التطوعي في أحد المستشفيات، ثم ترتبط إنسانيًا بالجنود وتسافر إلى الجبهة للمساعدة في حل مشكلاتهم. وهنا لم تكن المرأة مجرد شخصية تنتظر عودة البطل، بل كانت فاعلة في الأحداث، تحمل مهنتها ورؤيتها وموقفها الإنساني.
وفي "أبناء الصمت" ظهرت ميرفت أمين في شخصية "نبيلة"، وهي صحفية مبتدئة تواجه تعنت رئيس التحرير، بينما تجري الأحداث على خلفية حرب الاستنزاف وصولًا إلى نصر أكتوبر. ويمنح هذا الحضور المرأة مساحة مرتبطة بالصحافة ومتابعة الشأن العام، وليس فقط بالعلاقات العاطفية أو الأسرية.
أما "الرصاصة لا تزال في جيبي"، فقد قدمت نجوى إبراهيم شخصية "فاطمة"، ابنة عم البطل، في عمل يتابع رحلة الجندي المصري من آثار نكسة 1967 وصولًا إلى حرب أكتوبر، لتظهر المرأة في الجانب الإنساني والاجتماعي من رحلة البطل والوطن.
وفي "بدور"، قدمت نجلاء فتحي شخصية تحمل اسم الفيلم، وهي امرأة تبدأ رحلة مختلفة داخل المجتمع، قبل أن تتقاطع حياتها مع أجواء الحرب، وصولًا إلى أكتوبر، حيث تتقاطع حكايتها الشخصية مع مصير البطل ورفاقه. كما يقدم الفيلم صورة للمجتمع في الداخل، ودور النساء في مساندة الجبهة والحفاظ على تماسك الحياة اليومية.
وفي "الوفاء العظيم"، قدمت نجلاء فتحي شخصية "ولاء"، وتداخلت حكايتها العاطفية والأسرية مع الاستعداد للحرب ثم أحداث أكتوبر، بينما شاركت ولاء وزميلاتها في زيارة مصابي المعارك بعد تحقق النصر. هنا تظهر المرأة في مساحة تتجاوز الانتظار إلى المشاركة في الدعم والرعاية، وإن ظلت الحكاية مرتبطة بدراما العلاقات الإنسانية.
أما "حتى آخر العمر"، فيقدم زاوية مختلفة، حيث تصبح آثار الحرب والإصابة محورًا إنسانيًا في حياة الأسرة، وتظهر "منى" التي تؤكد تمسكها بزوجها بعد إصابته في الحرب، كما تشارك هي وأخريات في العمل التطوعي ضمن الهلال الأحمر لرعاية المصابين. وهي زاوية تكشف أن آثار المعركة لا تنتهي بانتهاء القتال، وإنما تمتد إلى حياة من ينتظرون ويواجهون تبعات الإصابة بعد العودة.
ولم تتوقف الأعمال الوطنية عند هذه النماذج، فقد عادت السينما والدراما في أعمال لاحقة إلى أجواء الحرب والمقاومة والصراع، ومنها "حائط البطولات"، الذي ينتمي إلى أفلام حرب أكتوبر، فضلًا عن أعمال تناولت مرحلة الصراع الأوسع مثل "دموع في عيون وقحة".
هذه الأعمال تؤكد أن الذاكرة الوطنية ظلت حاضرة على الشاشة، لكن ذلك لا يعني أن الحكاية اكتملت. فما زالت هناك مساحات واسعة يمكن للفن أن يقترب منها، خصوصًا حين تصبح المرأة صاحبة الحكاية، لا مجرد شخصية تكمّل حكاية البطل.
حكايات لم تُروَ بعد
ربما تكون الحاجة اليوم إلى أعمال جديدة عن أكتوبر، لكن ليس بهدف إعادة إنتاج الحكايات نفسها، وإنما لاكتشاف حكايات أخرى بقيت بعيدة عن الشاشة. هناك أمهات عشن سنوات الانتظار، وزوجات تحملن مسؤوليات أسرهن، وطبيبات وممرضات تعاملن مع آثار الحرب، وصحفيات وثّقن الأحداث، وعاملات وموظفات ونساء في الريف والمدن واصلن حياتهن في ظروف استثنائية.
هذه الحكايات يمكن أن تمنح الدراما الوطنية مساحة مختلفة، خصوصًا إذا قُدمت بلغة فنية معاصرة قادرة على الوصول إلى الأجيال الجديدة، مع الحفاظ على صدق الوقائع واحترام الذاكرة الوطنية. فالأجيال التي لم تعش أكتوبر تحتاج إلى أن تعرفه ليس فقط باعتباره انتصارًا عسكريًا، وإنما تجربة إنسانية عاشها المصريون جميعًا، وكانت المرأة جزءًا أصيلًا من تفاصيلها.
ذاكرة تستحق المزيد
وراء كل جندي عبر القناة، كانت هناك امرأة ترفع يديها إلى السماء وتخفي خوفها خلف الدعاء. أم تنتظر ابنها، وزوجة تحفظ مكانه في البيت، وطبيبة وممرضة تسهران إلى جوار الجرحى، وصحفية تحمل قلمها وسط أجواء الحرب، وامرأة عادية تواصل يومها وهي تعرف أن وطنها يخوض معركة لا تشبه أي معركة أخرى.
هؤلاء النساء ربما لم يحملن السلاح، لكنهن حملن جانبًا من ثقل الأيام، وعشن الحرب بكل ما فيها من خوف وانتظار وأمل. ومن هنا تأتي قيمة أن تعود الدراما إليهن، لا باعتبارهن شخصيات على هامش الحكاية، وإنما باعتبارهن جزءًا أصيلًا من ذاكرة النصر.
فما زالت هناك أسماء لم نعرفها، ووجوه لم نرها، وحكايات بقيت حبيسة البيوت والذكريات. وربما تكون أجمل تحية لنساء أكتوبر أن تمنحهن الشاشة يومًا المساحة التي يستحققنها، لتقول للأجيال الجديدة إن النصر لم يُكتب فقط على الجبهة، بل كُتب أيضًا في البيوت التي انتظرت، والقلوب التي صبرت، والأيدي التي واصلت الحياة.
ولهذا سيظل "أكتوبر بعيون نسائه" أكثر من مجرد عنوان؛ إنه دعوة لأن نرى النصر كاملًا.. أن نراه بعين الجندي الذي عبر، وبعين الأم التي انتظرت، وبعين كل امرأة عاشت أكتوبر في قلبها قبل أن تراه بعينيها.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
في ذاكرة أكتوبر صور لا تُنسى؛ جندي يعبر القناة، وعلم يرتفع فوق الضفة الشرقية، وأم تتابع الأخبار وقلبها معلّق بابنها،...
لم تعد المدرسة مجرد مكان لتلقي العلوم وحفظ المعلومات واجتياز الامتحانات، بل أصبحت إحدى أهم المؤسسات القادرة على تشكيل سلوك...
حين نضع أنفسنا تحت ضوء أقوى مما يراه الآخرون خطأ صغير... يظل معنا طويلا
إن الشجاعة الفردية ليست مجرد حماسة لحظية، وإنما هي عقيدة راسخة في نفس صاحبها تدفعه دفعا إلى مواجهة الظروف القاسية...