ممثل يقوم بالأدوار الثانية.. استضافته إحدى القنوات الفضائية، وسألته المذيعة إن كان يتطلع للخروج من عباءة دور السنيد إلي دور البطولة، فنفى طموحه إلي هذه المرحلة، ولدهشة المذيعة سألته عن موقفه إذا عرض عليه القيام بدور البطولة، فرفضها وقال إنه راض وقنوع بأدائه للدور الثاني!
تذكرت هذا الموقف للممثل القانع الرافض للتطور والطموح، وأنا أتابع مسار الحرب علي إيران التي اصطلت بها دول الخليج دون ذنب جنته سوي أنها ظنت أن أمريكا كأقوى قوة في العالم يمكنها حمايتها، وقد ظهر عدم صحة هذا الظن حتي قبل الحرب علي إيران حينما ضربت إسرائيل دولة قطر بحجة اغتيال قادة حماس، ومن ثم فهل بقي شئ من التردد في الاستجابة لنداء الرئيس السيسي ومن قبله الرئيس مبارك بضرورة وجود جيش عربي واحد لحماية الأمن القومي العربي، وهو الأمر الموجود في ميثاق الدفاع العربي المشترك كما نص عليه ميثاق الجامعة العربية نفسه، ولكن دون تفعيل حتي دعا الرئيس السيسي إلي تكوين الجيش العربي المشترك سنة 2015 واعتمدته القمة العربية في ذلك الوقت، وتم اجتماعين لرؤساء أركان الجيوش العربية لوضع بروتوكول إنشاء القوة العربية، ثم الانتهاء من تصور تشكيل القوة العسكرية المشتركة حتي يوم 29 يونيو 2015 حسبما صرح الفريق محمود حجازي رئيس أركان الجيش المصري آنذاك، وتوقف الأمر عند هذا الحد.
ويأتي العدوان الإيراني علي دول الخليج ليؤكد الحاجة إلي الجيش العربي الواحد، لأنه عنوان الاستقلال العربي، فضلا عن قيام هيئة تصنيع عربية لتوفير السلاح لهذا الجيش دون الخضوع لابتزاز الدول المصدرة للسلاح، وهو الأمر الذي تنبه له الرئيس السادات بعد حرب أكتوبر فأنشأ الهيئة العربية للتصنيع ودعا الدول العربية للمساهمة فيها دعما لاستقلال العرب واكتفائهم الذاتي في السلاح دفاعا عن أمنهم القومي، وقد لاقت دعوة السادات ترحيبا واشتركت دول عربية في تمويل هذا المشروع، ولكن بعد أن عقدت مصر معاهدة السلام سحب العرب تمويلهم ليظلوا عالة في تسليحهم علي الدول الأجنبية مقابل مليارات الدولارات.
فلماذا يصر العرب علي أن يلعبوا الدور الثاني عسكريا واقتصاديا وتكنلوجيا وسياسيا، مع أن امكانياتهم البشرية والمادية هائلة مع امتداد جغرافيتهم علي مساحة واسعة بين قارتين، واكتفوا أن يكونوا مستهلكين لإنتاج تقدم ونهضة أمريكا وأوروبا دون أن يكونوا منتجين من تقدمهم ونهضتهم.
لماذا يرفض العرب أن يقوموا بدور البطولة مكتفين بدور الكومبارس؟!، وهو الأمر الذي تنبه له أديبنا الكبير يحيي حقي سنة 1969 فكتب مقاله "كومبارس" في مجلة "المجلة" التي كان يرأس تحريرها في ذلك الوقت، فكتب في عدد يوليه من تلك السنة قائلا: "تستطيع أن تلخص تاريخ القرون الأخيرة بأنه مسرحية يقوم فيها استعمار أوروبا بدور البطل، ويقوم فيها الشرق كله بدور الكومبارس، مع أن الكومبارس هم أهل البلد، ولولاهم ما نجحت المسرحية.
لم تجرؤ إسرائيل علي إقامة دولتها إلا بعد إيمانها أشد الإيمان ومعها أوروبا وأمريكا أن المنطقة كلها هي منطقة كومبارس.
ويصل يحيي حقي إلي نتيجة مفادها:
"إن أمة ترضي بالقعود وتترك للأجنبي الكشف عن آثارها.. عن بترولها.. تترك له كتابة تاريخها، تستحق كل ما يجري عليها". أما الداعية الشيخ محمد الغزالي فقد تناول هذا الموضوع من زاوية أخري في كتابه "هموم داعية" قائلا تحت عنوان "مصارحة لابد منها":
" إن المليار مسلم الموجودين الآن فيهم أصفار كثيرة، وإحصاء الصفر واحدا.. خطأ فاحش.من أجل ذلك لابد من وضع نهاية لهذه المأساة، ولابد من مصارحة حاسمة بالحقيقة الدينية المظلومة.نعم لابد من كشف القناع عن هذا الخداع حتي نستطيع الدفاع عن بيتنا المستباح وحقوقنا المهدرة "لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ" ( الأنفال 42 ).بعض المرضي يحتاج إلي صدمات كهربائية لتصحيح وعيه، وإيقاظ ما تخدر من حسه.. والمسلمون يحتاجون إلي أمثال هذه الصدمات كي يحسنوا الخلاص مما حل بهم.. والسير علي نهج يشبه أو يقارب نهج الراشدين من أسلافهم.
إن أمتنا الآن جزء كبير من العالم الثالث.. تخلفها الحضاري لا ريب فيه.
ومظاهر التقدم المجلوب من هنا ومن هنا عارية قد تسترد.. إنها ليست إفرازا لكيانها الخاص، ولا أثرا لنشاطها الأصيل.
ما الذي أوصلنا إلي هذا الدرك ؟
إن التقدم والتأخر ليسا حظوظا عمياء..
إن ما نزل بنا هو نتائج لمقدمات طال عليها الأمد، وعلل هدت قوانا جيلا بعد جيل.
إن هذا الكيان الإسلامي تهاوي تحت ضربات المغيرين، وأصبح بين عشية وضحاياها أسيرا تدميه القيود، ويرهقه الإذلال. لقد حدث هذا، وكان لابد أن يحدث.. لأن المسلمين فقدوا أسباب التمكين في الأرض فعصفت بهم الريح الهوج.. إن الرياح مهما اشتدت لا تنقل الجبال، ولكنها تنقل كثبان الرمال.
وإذا كنا علي أبواب نهضة حقة فلندرس بدقة وبصيرة أسرار ما أصابنا، فإن العافية لا تتيسر بدواء مرتجل، والنصر لا يجئ باقتراح مرتجل. إن الأسلاف تصدروا قافلة العالم بجدارة، والأخلاف ملأوا ذيل القافلة بجدارة أيضا.
وقد تأذنت الأقدار بقيام إسرائيل علي أرض فلسطين الإسلامية.. فهل مددنا أبصارنا لنعرف كيف يحيا القوم وكيف ينصرون اليهودية ؟ !
لقد بنوا وجودهم علي إقامة مجتمع صناعي متمرس بالعلوم المادية، خبير بأسرار الكون.. يستغل الهواء والشعاع لدعم إسرائيل وتبويئها الذروة ! لماذا جهلنا أسرار الحياة، وعمينا عن قوي الكون.. ولدينا كتاب لا نظير له في لفت الأبصار إلي هذه وتلك؟ يبني اليهود دولتهم في فلسطين تحت علم إسرائيل.. فماذا يصنع المسلمون في أقطارهم الفيحاء؟!
عندما شكا رئيس وزراء مصر السابق مصطفي خليل من أن الدولة تدفع أربعة جنيهات ثمنا لعبوة أنبوبة ( البوتاجاز ) تساءلت: أين الطاقة الشمسية ولماذا استغلت في فلسطين المسروقة ولم تستغل في أراضينا الواسعة؟!
أطلب من المسلمين أن يطرحوا الأسمال العقلية والاجتماعية التي أزرت به وحطت مكانتهم، وأن ينصفوا الإسلام من أنفسهم حتي يستطيع هذا الدين الانطلاق في الأرض، وإسعاد البشرية، وتحقيق الرحمة العامة للعالمين.
أما استقبال القرن الخامس عشر ببطالة عقلية تهمل العمل والفكر وتحقر نتائجها، وتؤخر العباقرة وتقدم التافهين.
أو استقباله بعوائل همها في الحياة المتعة لا التربية، والفوضى الاجتماعية لا الأخلاق الدقيقة والتقاليد الذكية.
أو استقباله بقصور علمي في المادة وما وراء المادة.. أي في شئون الدين والدنيا جميعا.
أو استقباله بذاكرة مفقودة.. لا تستفيد من التجربة ولا تنتفع من عبر التاريخ.
أو استقباله بدعاة يتساءلون عن الصلاة مع دم البعوض في قمصانهم.. ولا يتساءلون عن مستقبل أمة أرخص دمها، حتي أصبح سفكه لا يثير جزعا ولا فزعا.
إن استقبالنا للقرن الخامس عشر علي هذا النحو هو خزي الأبد .. فإما عشنا مسلمين حقا.. وإما ممات لا قيام بعده. أما توفيق الحكيم في كتابه " يقظة الفكر " فقد حدد الشرط الأول لننهض من عبء الاعتماد علي غيرنا، عندما قال:
" آه لضعف إيماننا بأنفسنا .. هذا الداء يجب أن يستأصل من الرأس "
" إن الزمن قد تغير، ذلك الزمن الذي كنا نشعر فيه أننا ديدان، ننظر إلي ما يصدر عنا كأنه الحطة والخطأ والابتذال.. حتي مزايانا التاريخية التقليدية كنا نستهين بها، وأن الأجنبي حتي في مباذله ومفاسده التي يخجل منها كنا نحن نحترمها ونكبر من شأنها. كان يكفي أن يهبط بلادنا أفاق ذو لكنة أفرنجية لتفتح له أبواب الرزق والتقدير والتبجيل .. ما من أمة في الدهر فعلت فعلنا : وضعت باختيارها علي ظهورها البرادع ليمتطيها كل من يحمل جواز سفر أجنبيا!
الآن ونحن نريد أن نطرح من فوق ظهورنا البرادع، وأن نطهر أرضنا من الاحتلال الأجنب، وأن نظهر للعالم أن لنا شخصية وقومية.. يجب أن يصاحب الجلاء العسكري " الجلاء المعنوي " لكل احتلال روحي يريد أن يجثم علي أفكارنا وصدورنا ليمنعنا من تكوين ذاتيتنا ".
" لنا أن نرسل البعثات وأن نستقدم الخبراء وأن نتعلم من الأجانب وأن نطلع علي أحدث النظم وأن نسترشد بأكمل الوسائل، ولكن المطلوب بعد ذلك هو إفراغ كل هذا في قالب جديد هو تصميمنا، قالب نحرص في صنعه علي كل فضائل جنسنا ومزايا طبائعنا وخلاصة تجاربنا مع خير ضرورات العصر الحاضر ومستلزمات التطور العلمي والصحي والاجتماعي..
هذا القالب إذا وجد، وهذا النموذج إذا وضع، فهما كفيلان أن يملآنا اطمئنانا علي مستقبل نهضتنا كلها ".
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
في بعض العلاقات، لا يكون الصمت اختيارًا، ولا التجاهل تعمّدًا، بل حالة يصعب تفسيرها بسهولة؛ قد تقول لشخص ما: “أشعر...
هذا المقال هو أساسا محاضرة تم إعدادها من قبل خلال حرب غزة (2023 - 2025 ) لدارسي الإعلام وقد جرى...
رصد الدكتور حسين دقيل الباحث المتخصص في الآثار اليونانية والرومانية حكاية قصة حدثت في أوائل شهر أبريل عام 1155 قبل...
ممثل يقوم بالأدوار الثانية.. استضافته إحدى القنوات الفضائية، وسألته المذيعة إن كان يتطلع للخروج من عباءة دور السنيد إلي دور...