على سالم: الفكاهة وصراع الأجيال

  • الأحد، 10 اغسطس 2014 03:03 ص

من خلال رؤية التدريبات الأخيرة لعرض مسرحية مدرسة المشاغبين، كان من السهل إدراك أنه عرض مختلف عن عروض السوق. لم يكن هناك بطل أوحد يخدّم عليه بقية الممثلين، أي يمهدون له الأرض ليقوم هو وحده بصنع الضحكات، بل كانت على المسرح مجموعة من اللاعبين كل منهم قادر على إحراز أهداف، أي تفجير الضحكات في صالة المسرح. الموسيقى الحية في الصالة التي يعزفها أوركسترا محدود العدد أضفت على العرض قدرا كبيرا من البهجة وخصوصا أن الألحان كانت للعبقري سيد مكاوي. مع الفشل تأتي المتاعب صغيرة الأجل التي ينساها الناس بسرعة. ومع النجاح تأتي المتاعب والمشكلات ممتدة المفعول. أما مع النجاح الساحق الماحق المكتسح فهو عادة يصحب في ركابه أسوأ أنواع الصراعات وأكثرها ضراوة. وهذا هو بالضبط ما حدث في الأسابيع الأولى للعرض. تحولت خشبة المسرح إلى حلبة مبارزة فكاهة وحشية، صراع الأجيال في مجال نجومية الفكاهة وجد في العرض فرصة أخيرة في الإعلان عن وجوده وتحولت خشبة المسرح إلى ساحة قتال استخدمت فيها كل أسلحة الضحك حتى المحرم دوليا منها. لقد تمرد العيال على الأستاذ، العيال هم عادل وسعيد، المخ والعضلات.. في مواجهة صخرة الفكاهة العتيدة وهو الأستاذ مدبولي. المعركة كانت جديدة تماما عليه، لسنوات طويلة كان قادرا على أن يسكت أي ممثل بنظرة غاضبة من عينيه، غير أنه في هذه الحرب كان يواجه جيلا قرر الإطاحة بأساتذته لكي ينتزع منهم في هجمات خاطفة كل أرض الكوميديا في مصر، تلك الأرض التي أفنوا أعمارهم في احتلالها شبرا شبرا. بدأت التحالفات الجانبية، ولعل أكثرها وضوحا كان تحالف سعيد صالح مع يونس شلبي. ولكن سهير البابلي وأحمد زكي وهادي الجيار وبقية الممثلين لم يشتركوا في هذه المجزرة لأنهم أصلا ليسوا مهيأين لخوضها. هناك حيل كثيرة في المسرح الفكاهي للقضاء على العدو الذي هو زميلك على خشبة المسرح، ومنها أن يتفق سعيد ويونس على الخروج عن النص وتقديم ما يشبه الفقرة الفكاهية (الواد اللي ما بيجمعش) في الوقت الذي يقف فيه الأستاذ مدبولي في الكواليس وقد غلت الدماء في عروقه منتظرا اللحظة التي يسمح له فيها هذان (العيّلان) بدخول خشبة المسرح. كل كوميديان يعتقد أن كمية الضحك التي يحصل عليها زميله من جمهور الصالة، مخصومة من نصيبه هو.. من نصيبه في النجومية والمرتبة والفلوس وهو إحساس مؤلم للغاية. أريدك أن تتصور أن كاتب هذه السطور بمعجزة ما لعب في فريق كرة قدم يقوده رونالدو، وأن كاتب هذه السطور بمعجزة أخرى تمكن من إحراز سبعة أهداف في مرمى الفريق الخصم.. ترى ما هو حجم الألم والضياع اللذين يشعر بهما رونالدو في هذه اللحظات؟ ما زلت أذكر تلك اللحظات التي كان مدبولي يشكو لي ما كان يفعله به عادل وسعيد ويونس، كان جسمه يرتجف من الغضب.. وترك مدبولي العرض ليلعب حسن مصطفى دور الناظر.. على العرض أن يستمر. سؤال أنهي به حديثي عن المشاغبين ومدرستهم: لماذا لم يتم تدمير العرض بفعل الخروج الوحشي عن النص؟ فكرة المسرحية وأرضيتها (The theme) هي التمرد على السلطة الوالدية المتمثلة في الأب والناظر وعالم الكبار بوجه عام، لذلك كان الخروج عن النص من شخصيات متمردة أصلا، فيه تقوية لفكرة التمرد ذاتها.. والله أعلم. * نقلا عن صحيفة الشرق الاوسط

أخبار ذات صلة

المزيد من مقالات

الوحدة وسط الزحام: لماذا نشعر بالفراغ في أكثر الأماكن ازدحاما؟

في بعض الأيام تمتلئ البيوت بالأصوات، وتمتلئ المجالس بالأحاديث، وتمتلئ الصور بالابتسامات، ومع ذلك قد يشعر أحدنا بفراغ داخلي لا...

دور الإعلامي في صناعة الوعي الجمعي!

في زمن التحولات المتسارعة، لم يعد الإعلام مجرد ناقل للواقع، بل أصبح شريكا في صياغته. وبينما تتعاظم التحديات التي تواجه...

القانون ومكافحة المخدرات المستحدثة: وعي المرأة هو خط الدفاع الأول

لم يعد الحديث عن المخدرات المستحدثة موضوعا هامشيا، لأن هذه القضية تمس سلامة الأسرة وصحة المجتمع وقدرته على حماية شبابه...

المرأة مديرة الاقتصاد

ليست كل الاقتصادات تدار من داخل المؤسسات، ولا كل مؤشرات الاستقرار تقاس بالأرقام المعلنة. فهناك مستوى آخر أكثر عمقا وهدوءا،...