لا أدري لماذا يصر البعض على إقحام الدين في كل شأن من شئون حياتنا حتى ان أساء ذلك لقدسية الدين ومكانته في قلوب الناس؟..ان للأديان آفاقها الربانية التي ينبغي ان نحلق بها بعيدا عن شطط المغامرين
لا أدري لماذا يصر البعض على إقحام الدين في كل شأن من شئون حياتنا حتى ان أساء ذلك لقدسية الدين ومكانته في قلوب الناس؟..ان للأديان آفاقها الربانية التي ينبغي ان نحلق بها بعيدا عن شطط المغامرين ومزايدات المصالح وأوكار الفتن.. أخر صيحات هذا التدخل المغرض ما يتردد الآن حول الصكوك الإسلامية التي تنوي الحكومة إصدارها.. وبعد ان رفض مجمع البحوث الإسلامية الفكرة بدأ تشكيل لجنة من المشايخ ودار الإفتاء وكأن هناك مؤامرة للوقيعة بين الأزهر الشريف ودار الإفتاء وهذا سلوك لا يليق مما جعل فضيلة الإمام الأكبر د. أحمد الطيب يؤكد رفضه الكامل لهذا المشروع الذي يهدد أصول الدولة وممتلكات الشعب ورغم هذا بدأ الحديث مرة أخرى عن إصدار الصكوك بدون صفتها الإسلامية وهنا يجب ان نتوقف عند عدد من النقاط:
أولا: ما مبرر السرعة الشديدة رغم عدم الوضوح والشفافية في طرح فكرة الصكوك في هذا التوقيت على الأخص دون دراستها من كل جوانبها الإقتصادية والإجتماعية والدينية ايضا؟
ثانيا: ان هذه الصكوك تعيد لأذهاننا تجربة مريرة مع شركات توظيف الأموال التي تسترت بالدين ونهبت اموال الناس واغرقت الحكومات المتتالية في ازمات كثيرة.. كانت تجربة شركات توظيف الأموال واحدة من المآسي الطويلة في حياة الملايين من المصريين.. والغريب ان الصكوك تمارس نفس اللعبة من حيث الهدف والغاية والمرجعية الدينية الإسلامية.
ثالثا: قبل ثورة يناير مباشرة حاول النظام السابق الترويج لعملية مشابهة للصكوك ولكن بلا غطاء ديني حينما فكرت الحكومة في إصدار ما يشبه الصكوك للمواطنين لضمان حقهم في ملكية اصول الدولة وقيل يومها ان كل مواطن مصري سوف يحصل على ما يثبت ملكيته لمبلغ من المال يتراوح بين 300 و500 جنيه، وكان الواضح ان هذا المشروع يهدف إلى بيع ما بقي من اصول الدولة المصرية من المشروعات والمنشآت والأراضي وتوزيع جزء من حصيلة البيع على المواطنين.. وخرج الرأي العام المصري رافضا المشروع على أساس انه يهدف إلى سيطرة عدد من رجال الأعمال والمسئولين على ما بقي من اصول الدولة المصرية.. في تقديري ان عملية الصكوك الإسلامية استنساخ لشركات توظيف الأموال وصكوك الحكومة المصرية قبل الثورة لأن الهدف واحد وهو جمع مدخرات المواطنين أو بيع اصول الدولة.
رابعا: لا أحد يعرف حتى الآن ما الجهة التي تقف وراء مشروع الصكوك الإسلامية: هل هي الحكومة ولماذا لم تعلن ذلك رسميا.. ومتى تطرح المشروع على الرأي العام.. وماذا عن القانون الذي يناقشه مجلس الشورى.. وهل جاء للمجلس من الحكومة ام انه تسرب بصورة سرية لا أحد يعرف عنها شيئا؟.. مازال هناك غموض شديد حول مصدر هذا المشروع.. والأخطر من ذلك ما علاقة مجموعة المشايخ الذين يتصدرون للدفاع عن الصكوك الإسلامية بعلم الاقتصاد؟.. كل هذه الجوانب ينبغي ان تكون واضحة لنا حتى لا نعود مرة أخرى إلى دوائر الغموض وعدم الشفافية.
خامسا: هناك تعارض شديد بين الأوعية الادخارية في مؤسسات الدولة.. نحن امام صكوك لا أحد يعرف جهات إصدارها حتى الأن.. وامام شهادات استثمار تصدرها البنوك.. وامام اذون خزانة يصدرها البنك المركزي وامام سندات حكومية وامام اسهم تباع في البورصة.. فما هي العلاقة بين هذه الأوعية.. ان لكل وعاء منها مصدر معروف وضمانات واضحة وسوق تباع فيها ولكن الصكوك حتى الأن غير معروفة الهوية ولا أحد يعلم الأسواق التي ستباع فيها أو تشترى منها.. وبجانب هذا ما ضمانات حماية هذه الصكوك.. وماذا يفعل المواطن إذا اراد بيعها واسترداد قيمتها..
سادسا: ان الواضح الآن ان هذه الصكوك تضع امامها هدفا وهو اجتذاب اموال المواطنين في البنوك وجلب مدخراتهم وبدلا من ان تحمل اسم شهادة استثمار فهي تحمل اسم صك إسلامي.. وفي هذه المنطقة يجري الترويج لفكرة ان فوائد البنوك حرام وتدخل في باب الربا وان الصكوك الإسلامية هي الوسيلة الشرعية للاستثمار.. ورغم عشرات الفتاوى من علماء المسلمين بأن فوائد البنوك حلال وليس فيها شبهة الحرام إلا ان التشكيك فيها بدأ يأخذ شكلا من أشكال الهجوم على البنوك لعل ذلك يدفع المواطنين إلى الهروب بأموالهم من حرام البنوك إلى حلال الصكوك.
سابعا: لا أحد يعرف ما هي المشروعات التي ستصدر هذه الصكوك الإسلامية: هل هي مؤسسات ومشروعات قائمة سيتم الترويج لبيعها في صورة صكوك أم انها مشروعات جديدة تماما ولا علاقة لها بالأصول القديمة؟.. فإذا كانت المشروعات القديمة هي الهدف فقد عدنا إلى مشروع بيع اصول الدولة وتوزيعها على المواطنين وهو المشروع الذي رفضه الرأي العام المصري قبل الثورة؟.. وإذا كان الهدف هو تحويل مدخرات المواطنين في الجهاز المصرفي إلى مصادر أخرى فهذا إجراء خطير لا أحد يعرف نتائجه وخاصة إذا ادركنا ان الودائع في البنوك المصرية تجاوزت التريليون جنيه مصري وهي اموال الشعب الغلبان.. وهنا ينبغي ان تكون هناك ضوابط لمحاولات نقل الثروة من البنوك إلى الصكوك.
ثامنا: لا ينبغي على الإطلاق إقحام الدين في كل شيء وخاصة ان حكاية الصكوك الإسلامية تطرح سؤالا بريئا عن حق الأخوة المسيحيين في شراء هذه الصكوك.. وهل هي قاصرة على المسلمين وإذا كان ذلك صحيحا فهل نحن في حاجة إلى المزيد من الحساسيات والإنقسامات بين ابناء المجتمع الواحد؟.. ان الغطاء الديني للمشروع يحرمه من ان يكون عملا مصريا وطنيا خالصا لوجه الوطن بكل فئاته الاجتماعية والدينية.
تاسعا: إذا كان الهدف من إصدار الصكوك الإسلامية جمع بعض الأموال لتغطية العجز في الميزانية ومواجهة الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي تواجهها مصر فإن ذلك يعني ان الحكومة تتبع نفس اساليب العهد البائد في التحايل على المواطن المصري بكل الأساليب ابتداء برفع الأسعار وانتهاء بالضرائب مرورا على الصكوك وفي هذه الحالة فإن مشروع الصكوك بهذه الصورة لا يمثل مشروعا اقتصاديا انتاجيا يغطي إحتياجات ضرورية في الدولة بل سيكون وسيلة سريعة للخروج من مأزق العجز في الميزانية.
عاشرا: هناك مشروع قانون آخر يجري الحديث عنه وهو مشروع تحصيل الزكاة من المواطنين وهو ايضا مشروع غامض وقد عارضت النص عليه في الدستور قبل ان أنسحب من اللجنة التأسيسية لإعداد الدستور إلا ان الحديث عن هذا المشروع طفا على السطح مرة أخرى في سياق متزامن مع قضية الصكوك ولا أدري كيف نفكر في مشروع للزكاة وهناك قوانين للضرائب.. بكل انواعها، وهل يعني ذلك ان المواطن المصري سيدفع الزكاة.. مع الضرائب وعلى أي أساس سيكون ذلك، وما هي الجهة التي ستقوم بتحصيل الزكاة وما حدودها وكيف يمكن التنسيق بين الضرائب والزكاة.. والأخطر من ذلك ماذا عن تحصيل الزكاة من الإخوة المسيحيين وهل ستكون زكاة أم جزية؟..
< مثل هذه الأفكار التي يطرحها البعض دون دراسة أو تفكير ويلقي بها إلى الحكومة أو مجلس الشورى تحتاج إلى أكثر من وقفة لأكثر من سبب: انها تخلط بين الدين والسياسة في أشياء ينبغي ان نتركها للمتخصصين من الخبراء في شئون الاقتصاد والإستثمار والإدارة وينبغي ألا نترك مثل هذه القضايا لمشايخنا الأفاضل لأنها بعيدة تماما عن إختصاصاتهم وخاصة إذا كان الأزهر الشريف قد رفضها شكلا وموضوعا.
< لا أجد مبررا للسرعة في مثل هذه الأمور سواء في الحكومة أو مجلس الشورى لأن مثل هذه القضايا يمكن ان تترتب عليه نتائج في غاية الخطورة على المستوى الاقتصادي ومصر لا ينقصها المزيد من الأزمات.
< رغم التعديل الوزاري الأخير مازالت الحكومة بلا مجموعة إقتصادية متخصصة وهذا بكل تأكيد يترك فراغا شديدا في السياسة الإقتصادية ويفتح الأبواب امام إجتهادات كثيرة من اطراف عدة على المستوى السياسي والديني والمطلوب ان نترك القرار لأصحاب الإختصاص لأنهم الأقدر على إدارة شئون هذا الوطن.
لا داعي للعبث أو التحايل على مدخرات المواطنين.. فتكفيهم متاعب الحياة وقسوة الظروف.
.. ويبقى الشعر
ماذا تـبـقــى من ضياء الصبحفي عين الوطن؟..والشمس تـجمع ضوءها المكسوروالصبح الطريدرفات قديس يفتش عن كفنالنيل بين خرائب الزمن اللقيطيسير منكسرا علـي قدمين عاجزتينثم يطل في سأم ويسـأل عن سكنيتسول الأحلام بين الناسيسألهم وقد ضاقت به الأياممن منا تغير.. ؟وجه هذي الأرض.. أم وجه الزمنفي كل يوم يشطرون النهرفـالعينـان هاربتان في فزعوأنف النيل يسقط كالشـظاياوالفـم المسجون أطـلالوصوت الريح يعصف بالبدنقدمان خـائرتان, بطـن جائعويد مكبـلة.. وسيف أخرسباعوه يوما في المزاد بلا ثمنالنـيـل يرفع راية العصيانفي وجه الدمامة.. والتنطـع.. والعفـنماذا تـبقـي من ضيـاء الصبحفي عين الوطن؟..الآن فوق شـواطيء النـهر العريقيموت ضوء الشمستصمت أغنيات الطير.. ينـتـحر الشجرخـنقـوا ضياء الصبح في عين الصغارومزقوا وجه القمر..باعوا ثبات النـهر في سوق النـخاسةأسكتوا صوت المطـر..في كـل شبر وجه ثعبان بلـون الموتينفث سمه بين الحفر..في كـل عين وجه جلاد يطل ويختفيويعود يزأر كالقـدر..صلـبوا علي الطـرقاتأمجاد السنين الخضرباعوا كـل أوسمة الزمان البـكرعمرا.. أو تـرابا.. أو بشر..أتري رأيتم كيف يولد عندناطفل وفي فمه حجرلـم يبق شـيء للطـيورعـلـي ضفـاف النـيلغير الحزن يعصف بالجوانحزمن العصافير الجميلة قد مضيوتحكـمت في النهر أنياب جوارحزمن القراصنة الكـباريطل في حزن العيون..وفي انطفاء الحلم..في بؤس الملامح..ماذا تـبـقـي من ضياء الصبحفي عين الوطنزمن الفوارس قد مضي..قل للخيول تـمهـلي في السيرفالفرسان تسقط في الكمائنقل للنـوارس حاذري في الطيرإن الريح تعصف بالسفائنقـل للطيور بأن وجه الموت قناصيطوف الآن في كل الأماكنويـل لماء النهر حين يجيء منكسراوفي فـزع يهادنماذا تـبـقي من ضياء الصبحفي عين الوطنوالنهر مسجون وطيف الحلمبين ربوعه يجري ويصرخ في ألملم يبق شيء فوق أطـلال الشواطيءغير عصفور كـسير كان يشدو بالنغـملـم يبق بين حدائق الأطفالغير فـراشة بيضاء ماتتحين حاصرها العدملـم يبق غير كتائب الجهـل العتيقتطل في خبث.. وتـضحك في سأممن باع لليل الطـويل عيونـنـامن أخرس الكـلمات فينامن بحد السيف ينتهك القلم..ذا سيبقـي بعد موت النـهرغير شجيرة صفراء تبحث عن كفنماذا سيبقـي بعد قـتـل الفـجرغير سحابة سوداءتبكي فوق أطـلال الوطن؟ماذا سيبقـي من رفات الصبحغـير شراذم الليل القبيحتـحوم في وجه الزمن؟يا أيها اللــيل الطـويلماذا يضيرك إن تركت الصبح يلـهوفـوق أعنـاق الحدائق..ماذا يضيرك إن غرست القـمح في وطنيوحطـمت المشانق؟في كـل بيت في مدينتنا سرادقماذا يضيرك أن يعود العدل فينا شامخـاويطوف مرفوعا علـي ضوء البيارقماذا يضيرك أن يعود النورس المقـهوريصدح في السماء.. فلا تطارده البنـادق؟ماذا يضيرك أن تعود قـوافل الأحلامتسـكن في العيونماذا يضيرك أن يصير الحرف حرالا قيود.. ولا سياط.. ولا سجون؟..يا أيها النـهر الجـليلأنا من بلاطك مستقيل..أنا لن أغنـي في سجون القـهرواللـيل الطويلأنا لن أكون البلبل المسجونفي قـفص ذليلأنا لن أكون الفارس المهزوميجري خلف حـلم مستحيل..مازال دمع النيل في عينيدماء لا تجف.. ولا تسيلالآن أعلن.. أن أزمنة التنطـعأخرست صوتيوأن الخــــــيل مـــــــــــــاتتعندما اخـتنق الصهيليا أيها النهر الجـليلإن جئت يوما شامخا..ستـعود في عيني.. نيل..
قصيدة "أغنية للوطن" سنة 1996
نقلا عن جريدة الأهرام
لو خيروك بين طريقين يؤديان إلى النتيجة نفسها، أحدهما سهل والآخر شاق، فكم مرة شعرت أن الطريق الصعب أكثر قيمة؟...
ثمة مواعيد كبرى في التاريخ لا تأتينا من فراغ، بل تبنى لبنة لبنة عبر عقود من الشغف والترقب، وتنتظرها الأمم...
دراسة أثرية للدكتور على سرحان عن التعليم في مصر القديمة تؤكد أن العلم والمتعلمين احتلوا منزلة لا تساويها منزلة في...
في السنوات الأخيرة انشغل العالم بالحديث عن البيانات باعتبارها أنفط القرن الحادي والعشرين"، غير أن هذا الوصف لم يعد كافيا...