محمد السعدنى: التجربة التركية بشحمها ولحمها في القاهرة‏!!‏

  • الإثنين، 19 سبتمبر 2011 05:14 ص

علي مدي السنوات العجاف للسياسة المصرية وبينما كانت سلطة الحكم الغاشم قد استولت علي مقدرات الأمور‏,‏ كانت التجربة التركية في الحكم وتداول السلطة تداعب الخيال بعد أن أصبحت ملء السمع والبصر منذ آخر

علي مدي السنوات العجاف للسياسة المصرية وبينما كانت سلطة الحكم الغاشم قد استولت علي مقدرات الأمور‏,‏ كانت التجربة التركية في الحكم وتداول السلطة تداعب الخيال بعد أن أصبحت ملء السمع والبصر منذ آخر انقلاب عسكري في بداية ثمانينات القرن الماضي‏.‏

كانت هذه التجربة بالنسبة لكثيرين هي طوق النجاة الوحيد للخروج من هذه الحلقة المفرغة التي أرادوا لها أن تحكم الحركة السياسية المصرية التي أخذت تلف وتدور حول نفسها وبخطوة محلك سر علي مدي سنوات طوال جفت خلالها بحار السياسة علي رأي أستاذنا الكبير محمد حسنين هيكل.

وكثيرا ما كنت من الذين يرجون من الإخوان المسلمين أن يركزوا في اتجاه واحد.. إما حركة سياسية صرفة تخلع رداء الدين وتتوجه الي الناس بفكر سياسي اصلاحي تتنافس من خلاله علي مقاعد البرلمان ربما يكون لها نصيب من المشاركة في السلطة.. وإما أن تتخلي عن السياسة صراحة وتتفرغ للدعوة الإسلامية كما أراد لها مؤسسها الشيخ حسن البنا قبل أن ينجرف الي بحر السياسة الذي كان علي أيامه زاخرا بالمياه والأمواج والأساطير الي أن نادته النداهة فغرق في لعبة الاغتيالات وفشل في عقد الصفقات..

وكان الحل هو الحل في رأي ثورة 1952 كانت حركات الإسلام السياسي وفي قلبها الإخوان المسلمون قد أعطت السلطة الغاشمة في نظام الحكم السابق الحل السحري وعلي طبق من ذهب لاحتكار الحكم, واستخدامهم كفزاعة تخيف الشعب وترعبه من فكرة أن يصل أمثال هؤلاء الي الحكم فتقطع الرقاب بالسيوف ويرجم العصاة وتعود الجزية ليدفعها المصريون الأقباط عن يد وهم صاغرون.. والأخطر أن تتعطل القوانين ويلغي الدستور وتبقي الحياة السياسية في يد الإسلاميين وحدهم مدي الدهر والي أن تقوم الساعة.

وفي الأيام حالكة السواد قبل ثورة يناير كان الرأي الذي أراه صائبا دوما للخروج من هذه الأزمة أن نستدعي التجربة التركية التي بطبيعتها سوف تغري التيار الاسلامي علي الاعتراف بأن لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين. وإذا كانت ثورة 25 يناير قد فتحت الأبواب علي مصاريعها لانخراط التيار الاسلامي والإخوان المسلمين في العمل السياسي, فان الحنكة السياسية وروح الثورة المصرية يجب أن تعمل بشدة في ألا يجعل هؤلاء من أنفسهم فزاعة كتلك التي كان يستخدمها النظام الذي هوي, فيدخلون الرعب في قلوب خلق الله لمجرد تصور وتخيل أن هؤلاء يمكن أن يتولوا السلطة في البلاد وأنهم باسم الله يمكن ان يوقفوا فكرة مدنية الدولة ويحولونها الي خلافة إسلامية جديدة في عصر انتهت فيه هذه الخلافة.. تلك التجربة التي لم تستمر في التاريخ الاسلامي سوي 30 عاما فقط, وانتهي الأمر الي قيام الدولة الأموية.

إذن فقد أعادت ثورة 25 يناير الأمل في التجربة التركية أن تنجح في بلادنا, وان يتنافس المتنافسون في السياسة بعيدا عن الاستغلال المهين للعاطفة الدينية التي هي من مكونات الشخصية المصرية مسلمة أو مسيحية. التجربة التركية رغم مرارة مذاقها في أحيان كثيرة منذ عهد كمال أتاتورك, لم تمنع ظهور تيار الإسلام السياسي التركي بل وتفوقه ووصوله الي الحكم ونجاحه غير المسبوق في وضع تركيا بين مصاف الدول الكبري اقتصاديا وسياسيا وعسكريا بالطبع.. فقد تعلم الأتراك انه عند الولوج الي قصر الحكم لابد أن تكون قد خلعت رداء الدين عند الباب.. ولا بأس من التحلي بأخلاق الدين.. ولكن عليك أن تقف علي مسافة واحدة بين جميع الأديان كما قال المعلم رجب طيب اردوجان في لقائه مع قوي الأحزاب والتيارات المدنية المصرية.

كنا نتحدث عن التجربة التركية.. وها هي التجربة التركية بشحمها ولحمها تأتي إلينا مباركة لثورة الشباب ومبشرة بمستقبل أفضل.. جاءت التجربة التركية بشقيها.. شق مدنية الدولة. وشق التجربة الإسلامية في الحكم أو أن شأنا نقول: تجربة الحكم بمرجعية أخلاقية إسلامية.

التجربة التركية جاءت إلينا لتستعرض القوة وتستلهم الهمة وتعطي النموذج والمثل في قوم أحبوا وطنهم واخلصوا له العطاء فكان أن ارتفع الوطن معهم الي الآفاق الواسعة واحتل مكانه تحت الشمس.. جاء اردوجان ليقول بملء الفم أن لا مجال للحديث عن خلافة إسلامية ولا مجال لخلط الدين مع السياسة.. ولا مجال لغير الدولة المدنية التي يقف فيها الجميع علي قدم المساواة.

باختصار شديد فقد سمحت التجربة التركية لحزب العدالة والتنمية وهو الحزب الذي يستمد مبادئه من الدين الاسلامي والذي تأسس ونما تحت ظل مبادئ الدولة شديدة التمسك بالعلمانية, سمحت له بأن يصل الي الحكم ويستمر علي مدي أكثر من 10 سنوات قابلة للامتداد أكثر وأكثر طالما الحزب يعمل علي رفاهية الشعب التركي, واستقرار الوطن ودعم الديمقراطية, وزيادة الاحتياج الدولي والاقليمي الي الدور التركي وهو ما نسميه في أدبياتنا بالدور الاقليمي والمحوري للدولة... التجربة التركية لا تسمح لحزب العدالة والتنمية بأن ينفرد بالسلطة ويقصي الآخرين.. وهذا هو سر النجاح.

نقلا عن صحيفة الاهرام

أخبار ذات صلة

المزيد من مقالات

العيدية.. طبق مملوء بالدنانير الذهبية

"بين عبق التاريخ وأسرار الحضارة، يصحبكم الأستاذ الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، في رحلة...

قصر محمد علي بشبرا الخيمة

نستمر شهر رمضان المعظم 1447 2026 مع الأستاذ الدكتور محمد احمد عبد اللطيف أستاذ الآثار وعميد كلية السياحة والفنادق بجامعة...

الاحتفال بالعيد والصلاة بجامع الناصر محمد بالقلعة

"بين عبق التاريخ وأسرار الحضارة، يصحبكم الأستاذ الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، في رحلة...

قصر بشتاك

نستمر شهر رمضان المعظم 1447 2026 مع الأستاذ الدكتور محمد احمد عبد اللطيف أستاذ الآثار وعميد كلية السياحة والفنادق بجامعة...


مقالات

وماذا بعد؟!
  • الإثنين، 09 مارس 2026 01:00 م
بيت السناري
  • الإثنين، 09 مارس 2026 09:00 ص
رمضـان زمـان
  • الأحد، 08 مارس 2026 06:00 م
سواقي مجرى العيون
  • الأحد، 08 مارس 2026 09:00 ص