ياسر رزق: إشارة في الاتجاه الخاطئ!

  • الأحد، 18 سبتمبر 2011 07:06 ص

من أسخف ما سمعت، اتهام بعض المثقفين للمجلس الأعلى للقوات المسلحة بتدبير أو على الأقل بتوجيه الأحداث التي جرت في ليل جمعة "تصحيح المسار" لتصل إلى ما وصلت إليه أمام مديرية أمن الجيزة وفي مبنى

من أسخف ما سمعت، اتهام بعض المثقفين للمجلس الأعلى للقوات المسلحة بتدبير أو على الأقل بتوجيه الأحداث التي جرت في ليل جمعة "تصحيح المسار" لتصل إلى ما وصلت إليه أمام مديرية أمن الجيزة وفي مبنى السفارة الإسرائيلية، حتى يجد المبرر لإصدار قراره بالتوسع في تطبيق قانون الطوارىء بكل ما اشتمل عليه من أحكام استثنائية!

ولا يقل سخفا، دفاع البعض الآخر عن هذا القرار بصورة عمياء تذكرنا بكتيبة الدببة التي اقتادت نظام مبارك إلى حتفه!

ليس من الإنصاف ولا من مصلحة البلاد إلصاق كل النقائص بالمجلس الأعلى، أو وضع سيناريوهات افتراضية لمؤامرات مزعومة، أو التقليل من دوره البطولي المؤيد لمطالب الجماهير والمشارك في ثورة يناير أو التشكيك في نواياه الصادقة التي لا يوجد ما يقدح فيها، تجاه تسليم الحكم إلى سلطة مدنية منتخبة.

وليس من الأمانة ولا من مصلحة الشعب إضفاء هالة من القداسة على كل قرارات المجلس الأعلى فيما يتعلق بإدارة شئون البلاد، بما يجعلها غير قابلة للنقد والنقاش والمراجعة.

> > >
كان الشارع المصري يتوقع إنهاء حالة الطوارىء المطبقة دون انقطاع منذ اغتيال الرئيس الراحل أنور السادات قبل ثلاثين عاما مضت، لاسيما أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة تعهد بوقف العمل بقانون الطوارىء قبيل إجراء الانتخابات البرلمانية.

ومع ذلك لا أظن مع تزايد المخاوف من حدوث موجة عنف وبلطجة مدبرة اثناء العملية الانتخابية، وبالأخص في أيام التصويت، أنه كان يمكن لغالبية الشعب أن ترفض إضافة جريمة البلطجة إلى جريمتي الإرهاب والإتجار في المخدرات اللتين اقتصر عليهما تطبيق القانون الاستثنائي، عندما تقرر مد العمل بحالة الطوارىء لعامين آخرين اعتبارا من منتصف العام الماضي أي قبل سبعة أشهر من قيام الثورة.

غير أني لا أجد عذرا مقنعا لاستدعاء كل الجرائم التي نص عليها قانون الطوارىء، وتضفيرها معا في حزمة واحدة لتصدر في مرسوم بقانون، يحمل مظنة وجود نية لوضع البلاد تحت مقصلة قانون استثنائي يجيز اعتقال أصحاب الرأي وتعطيل الصحف ومصادرتها، بينما النوايا التي أعلمها يقينا ضد هذا الاتجاه، فضلا عن أن عصر الاعتقالات وتكميم الأفواه وقمع حرية الرأي والتعبير ولى بفعل الثورة ولن يعود بفضل الشعب.

باستثناء البلطجة كما قلت لم تكن هناك حاجة ولا ضرورة لتوسعة أحكام حالة الطوارىء بل في رأيي المتواضع، جاء التوسع في التطبيق والتجريم ليعكس حالة توجس لدى السلطة أكثر مما يعبر عن شعور بالقوة، وجاء ليثير في نفوس الناس أحاسيس قلق، أكثر مما يضفي عليها مشاعر طمأنينة.

وما يدعو إلى الاستغراب، أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة سلك منذ تولى إدارة شئون البلاد مسلكا أيدته فيه قطاعات لا يستهان بها من جماهير الثورة، وهو عدم الأخذ بتدابير استثنائية في محاكمة رأس ورموز النظام السابق وأعوانهم من الفاسدين وقتلة الثوار، توخيا لإقرار العدالة، وحرصا على عدم تشويه الثورة أو صبغها بدماء الانتقام وأيضا سعيا لاجتياز المرحلة الانتقالية بسلام نحو استقرار سياسي واجتماعي، والحد من التوابع الاقتصادية لزلزال الثورة.

وبرغم هذا.. جرى التوسع في تطبيق الأحكام الاستثنائية لقانون الطوارىء، على جرائم يسهل ردعها أو ملاحقة مرتكبيها ومعاقبتهم، إذا طبق عليها قانون العقوبات العادي.

ولست أعتقد أن هذا التوسع المفرط في تطبيق قانون الطوارىء، حتى ولو كانت التعهدات والنوايا تؤكد انه لن يطال السياسيين واصحاب الرأي، أمر يشجع على لم الشمل الوطني، وإعادة العافية للاقتصاد المصري والحد من مظاهر الانفلات الأمني والاجتماعي، بل أظنه يشتت تركيز القوى السياسية على النظر نحو المستقبل، ويزعزع جسور الثقة بينها وبين السلطة الانتقالية، ويعرقل أي جهود ترمي إلى جذب الاستثمارات والسياحة، ثم إنه يسيء دون شك إلى الانتخابات القادمة إذا أجريت في ظل حالة الطوارىء، مهما قلنا عن شفافيتها ونزاهتها.

> > >
نعرف أن الرئيس السابق مبارك كان يتباهى بأنه يحمل دكتوراه في العناد، كانت هي أهم مسوغات شهادة الوفاة التي حررها الشعب لنظامه.

وأظن أن المشير طنطاوي لا يتباهى إلا بوسام شجاعة حصل عليه في ميدان القتال، ووسام شجاعة آخر منحه له الشعب في ساحة الثورة.

واعتقادي أن المشير طنطاوي ورفاقه من القادة في المجلس الأعلى للقوات المسلحة لا يكابرون في مصلحة وطنية ولا يستكبرون على إعادة النظر في قرار لا يحقق الهدف الذي كان منشودا منه.

ولعلنا مع إعلان فتح باب الترشح لانتخابات مجلس الشعب وقبيل موعد التصويت في الجولة الاولى، نسمع بمرسوم جديد يعلن رفع حالة الطوارىء أو على الأقل الاقتصار في تطبيقها على جريمة البلطجة مع جريمتي الإرهاب والإتجار في المخدرات.

التوسع في تطبيق أحكام الطوارئ، كان إشارة في اتجاه خاطئ نحو الدوران إلى الوراء، ولا ضير من المراجعة وتصحيح الإشارات الخاطئة.

نقلا عن جريدة الأخبار

أخبار ذات صلة

المزيد من مقالات

حين تشعر أنك لا تستحق ما وصلت إليه: متلازمة المحتال

في بعض اللحظات، قد يحقق الإنسان ما كان يسعى إليه طويلًا، وظيفة جديدة، نجاحًا ملحوظًا، تقديرًا من الآخرين، أو حتى...

الفضيلة والتجارة والإدارة والحكايات مقررات التلاميذ في مصر القديمة

دراسة أثرية للدكتور على سرحان عن التعليم في مصر القديمة تؤكد أن العلم والمتعلمين احتلوا منزلة لا تساويها منزلة في...

أدمغة ذكية… حين تلتقي الإذاعة بروح المستقبل

في زمن تتسارع فيه التحولات التكنولوجية بشكل غير مسبوق، وتفرض فيه تقنيات الذكاء الاصطناعي نفسها على مختلف جوانب الحياة، تظل...

قصة الأمير المسحور

استكمالا لسلسلة إحكي يا تاريخ نورد اليكم اليوم قصة جديدة من الأدب المصري القديم ؛ سجلت القصة على بردية تسمى...