متحف سمية وامبراطورية سليم

press_center

بقلم: محمد عيسي الشرقاوي*

كان سليم يهيم بزوجته الجميلة سمية حبا وعشقا‏، وانفطر قلبه حزنا‏،‏ عندما ماتت عام‏1999، وبني متحفا جميلا اطلق عليه اسمها‏، ولعله كان يحذو حذو الإمبراطور شاه جاهان، الذي شيد في الهند‏،‏ ابان القرن السابع عشر‏.

تحفة معمارية لا مثيل لها هي تاج محل لتكون مثوي لزوجته التي كان يحبها حبا جما‏,‏ واهتم سليم‏,‏ منذ موت سمية بتذكاراتها في محراب العشق الابدي‏,‏ لكنه لم يغفل يوما عن لعبة الأرقام‏,‏ وتوسيع نطاق إمبراطورية شركاته في المكسيك‏.‏

وبرز سليم منذ أيام‏,‏ عندما صار أغني أغنياء العالم‏,‏ وذكرت مجلة فوربس أن ثروته تبلغ‏53,5‏ مليار دولار‏,‏ وأنه تفوق علي الملياردير الأمريكي بيل جيتس‏,‏ وكان جيتس قد كون ثروته بفضل براعته في ابتكارات عصر تكنولوجيا المعلومات‏,‏ وهو ما أحدث ثورة في الاقتصاد لم يشهدها العالم منذ الثورة الصناعية‏...‏

أما كارلوس سليم المكسيكي من أصل لبناني فقد تراكمت ثروته عبر أساليب تقليدية‏,‏ وكان والده قد هاجر من لبنان عام ‏1902,‏ هربا من التجنيد في الجيش العثماني‏,‏ واستقر به المقام في المكسيك‏,‏ وعمل بالتجارة‏,‏ وحقق نجاحا‏,‏ واهتم بتعليم ابنائه‏,‏ ودرس ابنه سليم الهندسة في الجامعة‏,‏ وكان قد وقع في هوي الأرقام‏,‏ وصار من رجال الأعمال‏.‏

وكان عام ‏1982‏ مشهودا بالنسبة لمشاريعه التجارية‏,‏ فقد ألمت بالمكسيك أزمة اقتصادية‏,‏ وتمكن من شراء شركات ومصانع بثمن بخس‏,‏ فلما هل زمن الخصخصة في التسعينيات من القرن العشرين‏,‏ اشتري شركة الاتصالات‏,‏ واحتكر سوق التليفونات‏,‏ وكذا الاسمنت وغيرهما‏,‏ وقفزت ثروته‏,‏ بينما كان اقتصاد المكسيك ينزف فقراء يسعون للهجرة القهرية بحثا عن فرص للحياة‏.‏

وفي الوقت الذي تم فيه تتويج سليم المكسيكي ملكا علي أغنياء العالم‏,‏ ترددت أنباء في المكسيك عن حالة تأهب لمحاولة ردع الاحتكارات‏,‏ وكبح جماح حيتانها‏,‏ الذين يتحكمون في البلاد ويهدرون حقوق العباد‏.‏

وهنا يتعين ملاحظة أن آدم سميث مؤسس الرأسمالية‏,‏ وكارل ماركس مؤسس الشيوعية ربما لم يتفقا علي شيء سوي تحذيرهما من خطورة الممارسة الاحتكارية للتجار ورجال الأعمال علي المجتمعات‏,‏ ويشاطرهما الرأي اقتصادي بارز هو تورستاين فبلن‏,‏ وكان أدم يؤكد أن الأرباح الشاذة تنتج عن الاحتكار‏.‏

أما فبلن فكانت بصيرته نافذة‏,‏ وتنبأ مبكرا بخطورة الاستهلاك الترفي الذي تروج له الرأسمالية الجامحة‏,‏ ولذلك صك عام‏1899‏ مصطلح الاستهلاك الترفي وخلص إلي أن انتشاره بين الاغنياء يلحق ضررا بالغا بالمجتمع والاقتصاد‏,‏ لأنه يفتح ثغرة واسعة لنفاد الاضطرابات الاجتماعية‏.‏

وأوضح اقتصاديان بريطانيان معاصران أن الاستهلاك الترفي يؤجج غضب الجماهير في بريطانيا علي نمط حياة رجال البنوك‏,‏ ولاعبي كرة القدم‏,‏ ورجال السياسة‏.‏

وذكرا أن نجاح الاقتصاد يتمثل في إمكان تحقيقه لسعادة الجماهير‏,‏ وليس بتكديس ثروات الاغنياء‏,‏ ويحذران من مخاطر هوس الاستهلاك الترفي‏.‏

الغريب أن سليم أغني الاغنياء‏,‏ ليس مهووسا بالاستهلاك الترفي‏,‏ فهو يحيا حياة شخصية تبدو متواضعة بالنسبة لثروته‏,‏ وربما تراوده أمنية أن يصبح الرجل الخفي‏,‏ الذي لا يحفل بثروته أحد‏!..‏ وهي أمنية مستحيلة‏,‏ وفي وقت تتحرك فيه سلطات المكسيك لمطاردة حيتان الشركات‏.‏

وأيا ما يكن من أمر مصير إمبراطورية سليم‏...‏ فإن ما قد يبقي منها في زمن قادم‏,‏ هو متحف سمية‏.‏

* نقلا عن جريدة الاهرام المصرية

 	اخبار مصر

اخبار مصر

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من مقالات

العيدية.. طبق مملوء بالدنانير الذهبية

"بين عبق التاريخ وأسرار الحضارة، يصحبكم الأستاذ الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، في رحلة...

قصر محمد علي بشبرا الخيمة

نستمر شهر رمضان المعظم 1447 2026 مع الأستاذ الدكتور محمد احمد عبد اللطيف أستاذ الآثار وعميد كلية السياحة والفنادق بجامعة...

الاحتفال بالعيد والصلاة بجامع الناصر محمد بالقلعة

"بين عبق التاريخ وأسرار الحضارة، يصحبكم الأستاذ الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، في رحلة...

قصر بشتاك

نستمر شهر رمضان المعظم 1447 2026 مع الأستاذ الدكتور محمد احمد عبد اللطيف أستاذ الآثار وعميد كلية السياحة والفنادق بجامعة...