أكد المشاركون في ندوة "التجريب واستراتيجيات بناء المتفرج المتحرر"، ضمن المحور الفكري للدورة الثالثة والثلاثين من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، برئاسة الدكتور سامح مهران، أن المسرح المعاصر يشهد تحولات جوهرية في علاقة الجمهور بالعرض، دفعت المتفرج من موقع المشاهدة والتلقي إلى موقع أكثر فاعلية في العملية المسرحية، وصولا إلى المشاركة في إنتاج المعنى وصياغة تجربته الخاصة.
أدار الندوة التي أقيمت اليوم الخميس الكاتب والمخرج الفلسطيني غنام غنام، وعقب عليها الفنان البحريني يوسف الحمدان، بمشاركة الدكتورة أمنة الربيع من سلطنة عمان، والدكتور حمادي الوهايبي من تونس، وجهاد الديناري من مصر، وفهد ردة الحارثي من السعودية، إلى جانب تعقيب للدكتور سامح مهران.
وأوضح غنام أن بناء المتلقي لا يمكن اختزاله في عرض واحد أو تجربتين، وإنما يتشكل عبر تراكم تجارب المشاهدة، سواء مع جهة مسرحية واحدة أو عبر تجارب متعددة، متسائلا عن العلاقة بين الاستراتيجية والتكتيك في بناء المتفرج: هل العرض نفسه استراتيجية أم تكتيك؟ وهل علاقة المتفرج بالعرض استراتيجية أم استجابة لحظية؟
وأشار إلى أن السؤال يتجاوز العروض التجريبية إلى أصل الفعل المسرحي، إذ إن كل عرض يحاول، بدرجات مختلفة، نقل المتلقي من المشاهدة إلى التأويل وإعادة بناء دلالات العرض وإشاراته. ووفقا للتصور الذي طرحته أمنة الربيع، فإن بناء المتفرج هو مجموعة الاستراتيجيات الإخراجية والدراماتورجية التي يعتمدها العرض لتوجيه إدراكه وتنظيم انتباهه وإعادة تشكيل علاقته بالفضاء والعلامات، بما ينتج أنماطا مختلفة من المشاركة والتأويل والتفاعل.
من جانبه، أكد المخرج والدارماتورجي والكاتب المسرحي السعودي فهد ردة الحارثي أن المسرح شهد تحولات متزامنة مع تطور النظرية المسرحية المعاصرة، أدت إلى انتقال المتفرج من المشاهدة السلبية إلى موقع الشريك في إنتاج المعنى.
وأوضح أن التجارب المسرحية سعت إلى كسر الحواجز التقليدية بين الممثل والجمهور، والاستفادة من حواس المتلقي، مثل البصر والسمع والشم والتذوق واللمس، إلى جانب حالاته النفسية ومواقف جلوسه وزوايا رؤيته وطقسية العرض وجغرافية المكان.
وأشار إلى أن المعنى لم يعد يقدم في صورة جاهزة، وإنما يتشكل من خلال التفاعل بين عناصر العرض وحضور المتفرج وثقافته وخبراته، وهو ما دفع مخرجين إلى استخدام فضاءات غير تقليدية وتقنيات أداء تدعو الجمهور إلى المشاركة، وأدى إلى تعدد قراءات العرض الواحد.
وركز الحارثي على تجربتين خليجيتين، هما مسرح الصواري في البحرين ومسرح الطائف في السعودية، باعتبارهما نموذجين للبحث في جغرافيا مسرحية مختلفة وسؤال أساسي: كيف يتفاعل المتلقي مع العرض؟ وماذا يمكن للمكان المغاير أن يضيف إلى التجربة؟
وتوقف الحارثي عند تجربة مسرح الصواري في البحرين، التي قامت منذ بداياتها على التجريب والمشاكسة والفضاءات المغايرة. ونقل عن المخرج خالد الرويعي، أحد مؤسسي المسرح، أن أي مفردة في المكان يمكن أن تدخل في العرض، حتى السلم أو عجلة السيارة، لتتحول إلى جزء من الفعل المسرحي، ويصبح السؤال هو أثر ذلك في المتلقي.
وأوضح أن اشتغال الصواري على المكان لم يكن بحثا عن فضاء مختلف فحسب، بل بحثا في التفاعل مع الجمهور، ومدى تقبله للعرض أو رفضه أو دخوله في حوار معه. وامتدت التجارب إلى ملاعب كرة القدم والصالات المفتوحة والأندية الشعبية والبحر والشجر والغرف.
وأشار إلى إسهامات عبد الله السعداوي وإبراهيم الجويعدي ويوسف الحمدان وخالد الرويعي وأجيال أخرى، مؤكدا أن التجربة لم تكن بحثا عن النخبوية، وإنما محاولة للذهاب إلى المتلقي ومشاكسته وإثارة الأسئلة داخله.
وأضاف أن السينوغرافيا اعتمدت على الاختزال الكثيف من خلال مفردات المكان نفسه؛ فالبيت الشعبي بما يحويه من شجرة أو «سدرة» ودكان وبردحة ونافذة وباب، يتحول إلى جزء من التجربة، بما يستدعي ذاكرة المتلقي وعلاقته بالمكان.
وانتقل الحارثي إلى تجربة مسرح الطائف التي امتدت لأكثر من أربعين عاما، مشيرا إلى تبادل الخبرات بينها وبين مسرح الصواري في البحث عن جغرافيا مغايرة للعرض.
وأوضح أن العرض الواحد كان يقدم على الخشبة الإيطالية، ثم ينتقل الجمهور إلى الخشبة والجلوس في أماكن الممثلين، أو ينتقل إلى صالة أخرى أو بيت شعبي، بهدف دراسة تأثير المكان والحالة النفسية للمتلقي.
وأشار إلى تجارب في معارض الفنون التشكيلية، ومسرح الشارع والمقاهي والموسيقى، حيث انتقل أحد العروض مع المخرج سامي الزهراني بين مقهى شعبي وآخر في مستوى اجتماعي مختلف، ثم إلى فنادق وأماكن راقية. واختلفت استجابة الجمهور من الاستنفار والترقب في المقهى الشعبي، إلى الصمت والتأمل في الأماكن الراقية.
كما أشار إلى توظيف الفنون الشعبية ومسرح القراءة، خاصة في الجامعات، مؤكدا أن المكان والطقس والحواس ليست إطارا للعرض، وإنما عناصر منتجة للتلقي والمعنى.
واستشهد بتجارب في الأحساء اعتمدت على الشم والتذوق، من خلال البخور والأطعمة الشعبية، إلى جانب تجربة الدكتور صالح زمانان في توظيف الحواس، ومنها رائحة العرض، مؤكدا أن دراسة المتلقي تحتاج إلى تراكم بحثي وتجريبي واسع.
من جهتها، قدمت الباحثة والناقدة المصرية جهاد الديناري تجربة "Sleep No More" نموذجا لبناء المتلقي، موضحة أن العرض بدأ في إنجلترا وانتقل إلى نيويورك عام 2011 واستمر تقديمه نحو عشرين عاما.
وأشارت إلى أن التجربة نقلت المتلقي من المشاهدة إلى المشاركة في صناعة النص، بعد انتقال العرض من خشبة المسرح إلى فندق من خمسة طوابق تجري في كل منها أحداث مختلفة في الوقت نفسه، بما يسمح للجمهور باختيار مساره.
ويستند العرض إلى "ماكبث" لشكسبير، لكنه يستغني عن الحوار تقريبا ويعتمد على الفضاء والحركة والمشاركة. وتقدم الأحداث في دورة مدتها ساعة تتكرر ثلاث مرات، فيما يختار المتلقي متابعة الساحرات أو ماكبث وليدي ماكبث أو الانتقال بين الطوابق، لينتهي الجميع في مشهد موت ماكبث.
وأكدت الديناري أن اختيارات المتلقي تؤدي وظيفة تشبه المونتاج، لأنه يصنع نصه الخاص من خلال المسار الذي يختاره. كما يشارك بحواسه المختلفة، فيفتح الأدراج ويشم العطور ويقرأ مستندات ويتناول بعض الأطعمة، ليشعر بأنه داخل العرض وليس خارجه.
ورأت أن نجاح العرض واستمراره وجوائزه تؤكد أن المسرح التجريبي يمكن أن يخاطب جمهورا واسعا، وأن "Sleep No More" يقدم نموذجا للمتلقي الذي يتحول من المشاهدة إلى المشاركة بكل حواسه.
وقدمت الناقدة والباحثة العمانية الدكتورة أمنة الربيع ورقة بعنوان "استراتيجيات بناء المتفرج: دراسة تطبيقية في العروض العمانية"، انطلقت فيها من سؤال حول كيفية بناء العرض التجريبي لمتفرجه والاستراتيجيات الجمالية والدراماتورجية التي تعيد تشكيل موقعه.
واستندت الدراسة إلى عينة قصدية من ثلاثة عروض عمانية تجريبية شاركت في مهرجان الشغف التجريبي الأول في يناير 2026، مؤكدة أن العينة لا تستهدف تعميم النتائج. واستندت إلى مشاهدتها العروض مباشرة ثم عبر التسجيلات.
وتناولت مفاهيم "أفق التوقع" لدى هانس روبرت ياوس، و"القارئ الضمني" لدى إيزر، والتمييز بين المتفرج الفرد والجمهور لدى باتريس بافيس، و"التفاعل الحي" لدى إريكا فيشر لخته، وميزت بين التلقي بوصفه دراسة لاستجابة المتفرج، وبناء المتفرج بوصفه دراسة لكيفية صنع العرض شروط هذه الاستجابة.
وحددت ثلاث استراتيجيات رئيسية: الفضاء المسرحي، وتوجيه الرؤية، وكسر أفق التوقع.
وفي عرض "أكبر" لفرقة الشغف، تأليف وإخراج وليد المغيزوي، يبدأ بناء المتفرج قبل دخول الصالة، من خلال لاعبين مقنعين صامتين أمام المسرح، بما يزعزع الحد الفاصل بين الاستقبال والأداء. ورصدت الربيع مسارا يبدأ بالمتفرج الواصل، ثم المستدرج، فمعاد التموقع، فالمشارك، وصولا إلى المنتج للمعنى، كما سجلت كحات وتعليقات وتصفيقا وتصويرا وأكثر من سبع حالات انسحاب، مؤكدة أن الانسحاب لا يعني بالضرورة موقفا سلبيا.
وفي "وجوه" لفرقة الدن، تأليف آية السيابية وإخراج أسامة زايد، قامت الاستراتيجية على توجيه الرؤية عبر الأقنعة والحركة والعلامات البصرية، وصولا إلى الدرون في المشهد الأخير، التي نقلت مركز الرؤية من الخشبة إلى فضاء العرض والصالة، وحولت المتفرج رمزيا من الرائي إلى المراقب.
أما "رماد" لفرقة الدن للثقافة والفن، تأليفا وإخراجا ودراماتورجا لمحمد خلفان، فاعتمد على كسر أفق التوقع، بدءا من إغلاق الهواتف، مرورا بفضاء شبه خال تتحول فيه الطاولة إلى سجن وغرفة تحقيق وآلة ضغط، وصولا إلى استدعاء أسماء كتاب حقيقيين من بينهم رئيسة لجنة التحكيم، بما نقل المتفرج من التخييل إلى مواجهة مباشرة مع الواقعي.
وخلصت الربيع إلى أن "أكبر" أعاد تنظيم المكان، و"وجوه" أعاد تنظيم البصر، بينما زعزع "رماد" المتوقع، مؤكدة أن هذه الاستراتيجيات ليست حصرا نهائيا، ويمكن أن تتقاطع وتتداخل، وأن بناء المتفرج عملية دراماتورجية تبدأ من تشكيل الفضاء وتستمر حتى إنتاج المعنى.
وقدم الفنان والناقد التونسي د. حمادي الوهايبي ورقة بعنوان "المتلقي في المسرح التجريبي" تناول فيها تجربتي «جويف» و"عطيل وبعد"، مؤكدا أن العملية المسرحية تقوم على قطبين أساسيين هما المبدع والمتلقي.
وأشار إلى تجارب أرتو وجروتوفسكي وأريان منوشكين، موضحا أن تجربة مسرح الشمس تجعل الجمهور جزءا من العملية منذ دخوله المكان. وأكد أن المدونة النقدية العربية لم تهتم بما يكفي بمسألة المشاهدة.
وأوضح أنه في تجاربه لا ينطلق من نص جاهز، وإنما من أفكار أو أسطورة، ثم يجمع الممثلين والمصممين حول المشروع، ليصبح هاجس التلقي مشتركا بين الجميع، واستعرض تلقي "جويف"، الذي تناول العلاقة بين اليهود والمسلمين في تونس، مشيرا إلى اختلاف ردود فعل الجمهور بين متفرجة يهودية خرجت باكية في تونس، وممثلة يهودية تونسية مقيمة في تل أبيب رفضت بعض طروحاته في أفينيون، مقابل متفرج يهودي تونسي مقيم في باريس تفاعل معها وقبلها.
وطرح سؤالا حول ما إذا كان المخرج مطالبا بإرضاء الجمهور المتنوع أم بطرح رؤيته أمامه، مشيرا أيضا إلى اختلاف شروط تقديم عرض "الرعب" من بلد إلى آخر.
وفي "عطيل وبعد"، راهن الوهايبي على معرفة المتلقي بالنص الأصلي أو دفعه إلى العودة إليه، كما قدم العرض في فضاء مفتوح بالحمامات ثم في العلبة الإيطالية، مؤكدا أن التلقي يقع في صميم تجربته، وأنه "ينطلق من الجمهور ويرجع إلى الجمهور".
وفي تعقيبه، أكد الفنان البحريني يوسف الحمدان أن التلقي مسألة واسعة تحتاج إلى اختبار متواصل، وطرح سؤال: "من يصنع هذا التلقي في العمل؟ هل هو العرض أم المتلقي؟".
وأشار إلى أن تغيير الفضاء وملاحظة ردود الجمهور لا يكفيان لبناء استراتيجية، وإنما يحتاج الأمر إلى دراسات واختبارات واستئناس برأي المتفرج. واستشهد بتجربة عبد الله السعداوي في «سكريات»، التي يبدأ فيها اختبار المتلقي منذ دخوله المسرح، كما أشار إلى مسرح الشارع بوصفه شكلا يلامس الجمهور مباشرة.
وتوقف عند أفق التوقع وإنتاج المعنى والمعنى المؤجل، مؤكدا أن المسرح لا ينبغي أن يكتفي بإنتاج الرضا، بل يمكن أن ينتج الأسئلة أيضا، مستشهدا بتجارب بيتر بروك وأريان منوشكين وإيوجينيو باربا.
ودعا الحمدان إلى مزيد من البحث في التجارب العربية، مؤكدا أن مصر والخليج والمغرب وتونس وغيرها تضم نماذج تستحق التوثيق والدراسة، ومتسائلا عن سبب الاعتماد على النظريات العالمية مع محدودية البحث في التجارب العربية التي اشتغلت فعليا على المتلقي والفضاء والتفاعل.
وشدد على ضرورة العودة إلى التجارب العربية باعتبارها مصادر يمكن أن تسهم في بناء معرفة عربية خاصة بالتلقي المسرحي، وعدم التعامل مع المتلقي باعتباره مجرد طرف نهائي في العملية، بل عنصرا أساسيا في بناء العرض وإنتاج معناه.
وكالة أنباء الشرق الأوسط (أ ش أ) هي وكالة أنباء مصرية رسمية، تأسست عام 1956
يفتح كتاب "السمك والصيد في مصر القديمة" والصادر عن المركز القومي للترجمة، نافذة مختلفة على هذا التاريخ، ليتتبع حكاية الأسماك...
تنظم مكتبة مصر الجديدة العامة فى الساعة 4 من مساء غد الجمعة، امسية فنية لعرض ومناقشة فيلم One night A...
يدعو مهرجان القاهرة السينمائي الدولي كافة الكتّاب، والنقّاد، والباحثين السينمائيين لتقديم مقالات وقراءات نقدية تتناول "أفلام الأنواع" (Genre Films) بمختلف...
أكد المشاركون في ندوة "التجريب واستراتيجيات بناء المتفرج المتحرر"، ضمن المحور الفكري للدورة الثالثة والثلاثين من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح...