هالة حشيش: مبنى الإذاعة والتلفزيون تاريخ الأمة ومدرسة الإعلام الأولى عربيا

من قلب مبنى ماسبيرو العريق، حيث تُصنع الريادة ويُكتب التاريخ بصوت وصورة لا تمحوهما السنون، نلتقي اليوم بشخصية كانت مدرسة في الأداء وفلسفة في الإدارة الإعلامية.

هي ابنة التلفزيون المصري والتى أصبحت مدرسةً يُشار إليها بالبنان في الانضباط والثقافة والمهنية العالية والتى لم تنجح خلف الميكروفون وأمام الكاميرا فحسب، بل كانت القائدة التي أدارت دفة قطاعات إعلامية حيوية بحكمة واقتدار.

ضيفتنا هي صاحبة الطلة الراقية واللغة المنضبطة، التي تدرجت في أروقة التلفزيون المصري لتضع بصمتها في كل موقع شغلته، بدءاً من برامجها التي حفرت في الذاكرة، وصولاً إلى قيادتها لقطاع القنوات المتخصصة في واحدة من أدق فتراته.

إنها الإعلامية الكبيرة هالة حشيش، التي جمعت بين سحر الحضور وقوة الإدارة ..

- بالطبع مشوار حضرتك داخل مبنى الإذاعة والتلفزيون هو عبارة عن محطات نجاح متميزة..كيف بدأ مشوار حضرتك داخل مبنى ماسبيرو؟

- الحقيقة بداية علاقتي بمبنى الإذاعة والتليفزيون كانت من خلال الإذاعة ، وكان فى هذا الوقت عمرى فقط 19 عاما فى البرنامج الأوروبى فقد كنت خريجة كلية الآداب قسم اللغة الانجليزية وتم تعيينى بالجامعة ولكن اجتزت الامتحان الذى عقدته الإذاعة للمتقدمين وكانت اللجنة تضم كبار الإعلاميين ومنهم الأستاذة صفية المهندس وهمت مصطفى بل ورئيس المجمع اللغوى أيضا ، وكان الامتحان فى ذلك الوقت يختبر لدى المتقدم مهارات الترجمة والتحرير والصوت والثقافة العامة ، وعلى أساس الدرجات يتم توزيع الناجحين على إدارات التحرير أو المذيعين أو المترجمين ، وبالفعل نجحت في امتحان المذيعين العام وكان المذيع لابد أن يكون أيضا مترجم ، وكان من المفترض أن أكون مذيعة فى البرنامج العام لأن اللجنة رأت أن مخارج الألفاظ واللغة العربية لدى سليمة ، ولكن لعملى فى الجامعة كمعيدة تعارض الأمر ، فعملت فى البداية فى البرنامج الأوروبى لأنه كان لدى رغبة قوية فى قراءة النشرة الإخبارية باللغة الانجليزية، فقد كنت استمع الى الأستاذ احمد فوزي يقرأ هذه النشرة وكنت مبهورة بأدائه ولغته وبالفعل نجحت فى ذلك بشكل كبير .

كان لدى شعور كبير بالفرحة والفخر ، لأن المذيعين فى البرنامج الأوروبى كان يتم اختيارهم بشرط أن يكون أحد الأبوين غير مصرى والمتقدم يجيد الانجليزية بطلاقة ولكنى كنت المذيعة ومقدمة النشرة لأبوين مصريين وأتحدث مثل زملائى المذيعين تماما ، مع تصورى أن إذاعة البرنامج الأوروبى والعاملين بها يمثلون الجانب الثقافى المصرى ، كما أن عملى فى تقديم النشرات الإخبارية ساعدنى أيضا فى اكتساب خبرات كثيرة فى التحرير والإعداد بل وفى اختيار الموسيقى المناسبة للمادة الإذاعية ولذلك كان المذيع لديه خبرة كبيرة بكافة مراحل عملية إنتاج البرامج الاذاعية والاخبارية.

فى أعقاب ذلك شاهدتنى الأستاذة همت مصطفى وأنا أقدم النشرة باللغة الانجليزية فى الإذاعة فطالبت بأن أقدمها أيضا على شاشة التلفزيون ، ثم تم الإعلان عن مسابقة للعاملين بالإذاعة للعمل فى قطاع التلفزيون وكانت لجنة الاختبار أيضا من عمالقة العمل الإعلامى مثل الأستاذ على جوهر وأحمد فوزى وأخرين وبالفعل اجتزت هذا الاختبار وبدأت مرحلة جديدة داخل قطاع التلفزيون.

- أثناء عمل حضرتك داخل البرنامج الأوروبى ما هو البرنامج الذى قدمتيه وحقق نجاحا ملحوظا؟

- كنت محظوظة بعملى فى البرنامج الأوروبي لأنى كنت صغيرة السن وأقدم لون مختلف ، ولكن البرنامج الذى قدمته وحقق شعبية وشهرة كبيرة كان بعنوان 

"هذا البرنامج كان يقدم أحدث الأغانى الغربية At your request"

 التى يستمع اليها الشباب بشكل خاص وعلق فى وجدانهم ، وكانت فقراته تذاع على الهواء مباشرة وكان البرنامج الوحيد فى هذه الفترة الذى يذيع أحدث الأغاني الغربية التى يطلبها الشباب .

والواقع أن نجاح هذا البرنامج كان سببا فى أن استمتع بهذا العمل وحقق لى شعبية كبيرة بين الشباب خاصة ولذلك كنت فى أحيان كثيرة أقوم بنفسى بشراء أحدث الاسطوانات استجابة لرغبات المستمعين واحتراما لرغباتهم.

هالة حشيش: عملى فى الاذاعة هواية وحب واستمتاع وهو ما كان دافعا لتحقيق النجاح والتميز.

كان عملى فى الاذاعة هواية وحب واستمتاع وهو ما كان دافعا لتحقيق النجاح والتميز فأنا اتذكر اننا فى البرنامج الأوروبى كنا نقدم مسرحيات لكبار الأدباء مثل شكسبير وكنا مع زملائنا نقوم بتمثيلها وإخراجها وحققت نجاحا كبيرا فى ذلك الوقت .

من المحطات المميزة أيضا فى عملى الاذاعى برنامج " أنتى لولو" وهو برنامج للأطفال كانت تقدمه الفنانة الكبيرة لبنى عبد العزيز وعقب سفرها إلى الخارج شرفت بتقديم هذا البرنامج لمدة 10 سنوات وحقق أيضا نجاحا هائلا .

- تنوع المحتوى الذى قدمته من سياسى وثقافى لمنوعات لبرامج للأطفال اكسبتنى خبرات كثيرة ومختلفة ساعدتنى فى مشوارى الإعلامى والتعامل مع مختلف الضيوف من خلفيات ثقافية متنوعة.

من البرامج المميزة التى قدمتها فى الاذاعة برنامج 

"والذى قدمه على شاشة التلفزيون بعد ذلك Talk Of The Town" 

الإعلامى الكبير مفيد فوزى وكان بعنوان " حديث المدينة" وحقق نجاحا لافتا . كانت فكرة هذا البرنامج فى الاذاعة تعتمد على كشف مشكلة مشكلة معينة يعانى منها المواطنون وسؤال المسئولين عن حل هذه المشكلة على أثير الاذاعة ، والحقيقة أنه من البرامج التى أعتز بتقديمها ولاقى قبولا لدى جمهور المستمعين .

- ننتقل لمحطات حضرتك داخل قطاع التلفزيون وكيف بدأت؟

- بدأ عملى داخل قطاع التلفزيون أيضا بقراءة نشرة الأخبار ثم قمت بعمل تغطيات وتقارير للأحداث السياسية ، وكان المتعارف أن يتم تقديم هذه التغطيات باللغة العربية ولكنى نجحت فى أن أكون أول مذيعة تقدم التقارير والتغطيات الإخبارية باللغة الانجليزية للأحداث المحلية والدولية الكبرى ، وكنت من ضمن الوفود التى ترافق سيادة الرئيس فى زياراته للخارج والقيام بتغطية هذه الزيارات باللغة الانجليزية.

- رئاسة حضرتك لقناة النيل الدولية محطة نجاح كبيرة ..فما هى تفاصيل هذه المرحلة؟

- بداية تعيينى فى المناصب الادارية داخل التلفزيون كان " مدير عام المنوعات بالقناة الفضائية المصرية" وكانت رئيسة القطاع فى ذلك الوقت الأستاذة سناء منصور التى تعلمت منها الكثير ، ولكنى أيضا درست علوم الإدارة ومهاراتها ودرست علوم الإعلام والاتصال فى الولايات المتحدة الأمريكية وجميعها مهارات ساعدتنى أثناء رئاستى لقناة النيل الدولية فقد نجحنا أن نكون أول قناة تقوم بعمل شريط الأخبار 

" فى مصر والعالم العربى وقبل أن يقوم التلفزيون باحضار News bar"

الجهاز الخاص بهذ التقنية الى المبنى وكان ذلك فى أواخر التسعينات ، فقد كانت لدى الرغبة فى أن يكون المشاهد على اطلاع بأحدث عناوين الأخبار بشكل مستمر دون انتظار ميعاد نشرات الأخبار ونجحت الفكرة بشكل هائل ثم انتشرت فى قطاع الأخبار ثم فى القنوات العربية ، وكانت هذه الفكرة أيضا قبل دخول عالم الانترنت إلى الإعلام بشكل كبير ولكننا كنا مستعدين لهذا الأمر ، ولذلك فأنا أؤكد أن التلفزيون المصرى دائما هو صاحب الريادة ومدرسة الإعلام الأولى فى العالم العربى وكوادر مبنى الاذاعة والتلفزيون هى التى تدير القنوات العربية والخاصة حاليا.

هالة حشيش: بدأت العمل فى قناة النيل الدولية وكانت فترة بثها 4 ساعات وتركتها وهى تعمل 24 ساعة

- بدأت العمل فى قناة النيل الدولية وكانت فترة بثها 4 ساعات وتركتها وهى تعمل 24 ساعة ، وأنا كنت أرى أن فلسفة قناة النيل الدولية ذلك الوقت هى " الحوار مع الآخر" واطلاع الغرب على الثقافة والهوية المصرية ولذلك كان محتوى القناة متنوع وهادف ونجحنا فى إنتاج العديد من الأفلام الوثائقية التى تستعرض تاريخ مصر وحضارتها ومعالمها مثل المساجد والكنائس والميادين وغيرها ، ولا أنكر جهد أبناء قناة النيل الدولية والذى كان شباب متحمس ومتعلم ولديه شغف بالعمل ويريد أن يقدم شيئا متميزا ، وكان لدى وافر الحظ أن بدأت عملى فى سن صغير وحينما أصبحت رئيسة قناة النيل الدولية كان سنى قريبا من زملائى أبناء القناة ولذلك كان من السهل التعامل معهم وفهم مفرداتهم وكانت الأجواء بها الكثير من المودة والصداقة والحرص على تقديم محتوى متميز ومختلف.

من الأمور التى حرصت عليها أيضا أثناء رئاستى لقناة النيل الدولية عرض مسلسل عربى مترجم فى فترة الظهيرة وكان من الأمور المتعارف عليها تقديم مسلسل فى الفترة المسائية ، وكان يتم اختيار هذا المحتوى الدرامى بشكل دقيق بحيث يكون معبرا عن الثقافة والعادات والتقاليد المصرية ويتضمن قيمة وهدف ورسالة .

- بعد فترة رئاسة حضرتك لقناة النيل الدولية بدأت مرحلة جديدة متميزة من خلال تولى قيادة قناة النيل للأخبار ثم قطاع النيل للقنوات المتخصصة ..نحب نعرف تفاصيل هذه المرحلة ؟

فى بداية رئاستى لقناة النيل للاخبار كنت حريصة على إحداث نقلة كبيرة فى المحتوى وبدأن بانتاج برامج كبيرة حققت نجاحا كبيرا مثل " المشهد " و"مباشر من القاهرة " وغيرها من البرامج المميزة ، وبالفعل حصلنا على العديد من الجوائز الاعلامية ، وكنت دائما أنصح زملائى من العاملين فى القناة بأنه حتى نصبح قناة إخبارية كبرى لابد أن نكون مصدر الخبر للقنوات والوسائل الإعلامية المنافسة ، وهو ما نجحنا فيه بالفعل ، وكانت القنوات الإخبارية تكتب على محتوى التلفزيون المصرى " نقلا عن قناة النيل للأخبار" ، وكنا بديلا هاما للوكالات الأجنبية فيما يتعلق بالأحداث داخل مصر وبرؤية مصرية وطنية خالصة.

دائما ما كنت أنصح أبناء النيل للأخبار بكسر كل القوالب وصنع قوالب جديد ، فالعمل فى الإعلام يتطلب التطور المستمر ورؤية متجددة مع الحفاظ على الهوية المصرية ، والحقيقة أنه حتى الآن أشاهد بمنتهى السعادة تغطيات على التلفزيون والإذاعة المصرية من أفضل ما يكون وهى لا تستهدف سوى مصلحة وخدمة الوطن فقط .

- ما هو تقييم حضرتك للمشهد الاعلامى الحالى ؟

- لدى الحقيقة بعض الملاحظات على أداء بعض المذيعات اللاتى يتعمدن تقليد اللهجة الخليجية ، وهو أمر غير مقبول فاللهجة المصرية من أجمل اللهجات العربية وأكثرها تميزا وانتشار ، ولابد أن يكون لدينا اعتزازا كبيرا بهويتنا المصرية ، كما أننى أتعجب أيضا البحث المحموم عن نسب المشاهدة وهو ليس المعيار الوحيد والحقيقى للنجاح .

لدى أيضا بعض الملاحظات على المذيعين الذين يستخدمون مفردات غير لائقة بحجة أنها قريبة من الشباب والواقع أنه من مهام المذيع الارتقاء بلغة الحوار ورفع وعى المشاهد ، ولذلك أؤكد أهمية تدريب المذيعين وحصولهم على الدورات المؤهلة للعمل الإعلامى ، ولدينا حاليا " أكاديمية ماسبيرو" ولديهم مشاريع دورات جيدة جدا من خلال متخصصين فى العمل الاعلامى .

- سأظل أؤكد أن الإذاعة والتلفزيون المصري يمثل تاريخ الأمة المصرية وجزء أصيل من قيمها وتاريخها .

 - بالنسبة لحضرتك مين كانت الشخصية الاعلامية التى تمثل المثل الأعلى والقدوة؟

- أثناء عملى بالبرنامج الأوروبى كان القدوة بالنسبة لى الأستاذ أحمد فوزى خاصة طريقة إلقائه واحترامه للمستمع وثقافته رفيعة المستوى ، ولكن أثناء عملى فى التلفزيون كنت حريصة على أن أكون مختلفة ولدى شخصيتى الخاصة ولكنى كنت أحب إلقاء الأستاذ محمود سلطان فى قراءة النشرة وأداء الاستاذة زينب سويدان، وكنت أعشق بساطة وثقافة ليلى رستم واحترامها للضيوف ، وأتذكر أثناء رئاستى لقطاع النيل للقنوات المتخصصة شرفت باستضافة الاستاذة ليلى رستم فى مكتبى – وكنا فى ذلك الوقت ننتج فيلما وثائقيا عن تاريخ التلفزيون المصرى بعنوان "تاريخ الأمة" – لتصوير فقرة داخل الفيلم عن تاريخ مبنى الاذاعة والتلفزيون ، وقالت لى: "أنا جاية المبنى بس علشانك" ، وكان لقاء يتسم بالتقدير والود والحب ، وتم تصوير اللقاء فى مكتبى.

 - من الوسط الإعلامى من هي الشخصيات التى مازالت تجمعها بحضرتك صداقة حتى الآن ؟

- بالطبع صديقتى وجارتى الإعلامية القديرة سوزان حسن ومازلت على اتصال بالأستاذ رؤوف حافظ ومروان حماد وإبراهيم الكردانى، والأستاذة 

الجميله اللي علمتنا احترام وحب الاذاعة مدام ليلي كرداني التى كانت رئيسة سابقة البرنامج الاوروبي .

إيمان كمال

إيمان كمال

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

محمود التميمي يسلط الضوء على تاريخ ماسبيرو ودوره في الإعلام المصري
الدكتورة منى زكي

المزيد من التليفزيون

إمام المسجد الأقصي: الاحتلال يشن حرباً دينية لتغيير واقع المقدسات

أكد فضيلة الشيخ عكرمة صبري إمام المسجد الأقصى، أن رفع الأعلام الإسرائيلية وتثبيت نجمة داوود على المسجد الإبراهيمي في الخليل...

رئيس مركز العرب: الاستهداف الاستخباراتى لقادة إيران لن يضعف فاعليتها

قال محمد فتحي، رئيس مركز العرب للأبحاث والدراسات إن بنيامين نتنياهو رئيس وزراء إسرائيل لا يمكنه اتخاذ أي خطوات تصعيدية...

د.سلامة: انتهاج إيران ل"استراتيجية هرمز"  يضعف الهيمنة الأمريكية

أكد الدكتور طلعت سلامة، خبير الشئون الآسيوية، أن إيران نجحت في فرض معادلة ردع جديدة عبر "استراتيجية هرمز" التي كشفت...

خبير: إغلاق مضيق هرمز يرفع تكلفة الشحن 400%

أكد الدكتور بلال شعيب، الخبير الاقتصادي، أن مجرد إعلان إيران إغلاق مضيق هرمز كافٍ لإحداث آثار اقتصادية مدمرة عالمياً، وأن...