الدماغ وظاهرة المرونة العصبية

أظهرت دراسات أن الدماغ قادر على إعادة التنظيم والتكيف، بل وإنتاج خلايا جديدة في بعض مناطقه، في ظاهرة تُعرف بالمرونة العصبية.

يأتي ذلك على خلاف التصور الطبي أن الإنسان يولد بعدد محدد من خلايا الدماغ لا يتجدد، وأن مرض ألزهايمر يرتبط في الغالب بالوراثة ولا يمكن الوقاية منه ، وبناء على ذلك، ساد الاعتقاد بأن تدهور الدماغ مع العمر أمر لا يمكن إيقافه.

تشير الدراسات إلى أن هذا التكيف لا يقتصر على التعافي من الإصابة، بل يمتد ليشمل تحسين القدرات المعرفية إذا تم تحفيز الدماغ بالعادات الصحيحة. فمع نمط حياة صحي، يمكن للدماغ أن يحافظ على كفاءته، بل ويزداد نشاطا مع مرور الوقت.

في هذا السياق، أشار تقرير نُشر في مجلة "لانسيت" إلى وجود 14 عاملا قابلا للتعديل يمكن من خلالها الوقاية من نحو 45% من حالات الخرف، عبر تغييرات في نمط الحياة.

كما تُظهر الأبحاث أن العوامل الوراثية المرتبطة بمرض ألزهايمر، مثل طفرة جين ApoE4، لا تعني بالضرورة الإصابة بالمرض. فحتى مع وجود هذه الطفرة، يمكن لعوامل مثل النشاط البدني أن تقلل من خطر التدهور المعرفي بشكل ملحوظ.

في سياق متصل، قارنت دراسة أُجريت بجامعة "سانت لويس"، مستويات بروتينات "الأميلويد" المرتبطة بألزهايمر بين أشخاص خاملين وآخرين يتمتعون بنشاط بدني مرتفع. وأظهرت النتائج أن ذوي النشاط البدني المرتفع ممن يحملون طفرة "ApoE4" كانت لديهم مستويات منخفضة من "الأميلويد" مماثلة لغير الحاملين لها.

لا يقتصر تأثير هذه التغيرات على الوقاية من الخرف فقط، بل يمتد إلى تحسين وظائف الدماغ. وبحسب خبرة سريرية وبرامج تدريبية تعتمد على أسس علمية، يمكن عبر التمارين الرياضية والنوم الجيد والتغذية السليمة وتقنيات التدريب الذهني تعزيز الذاكرة وتحسين التركيز.

في سياق متصل؛ في دراسة شملت 127 مريضا خضعوا لبرنامج تدريبي للدماغ في واشنطن، أظهر 84% منهم تحسنا في الاختبارات المعرفية خلال 12 أسبوعا فقط. كما كشفت فحوصات الرنين المغناطيسي عن زيادة في حجم الحُصين لدى أكثر من نصف المشاركين، وهي المنطقة المسؤولة عن الذاكرة.

كما أظهرت تجربة لاحقة على مرضى يعانون من آثار إصابات دماغية، تحسنا ملحوظا لدى أكثر من 80% منهم في الانتباه والمزاج والنوم والذاكرة ، وتعكس هذه النتائج قدرة الدماغ على التكيف والتغير وفقا للتجربة، وهي خاصية تُعرف بالمرونة العصبية.

تؤكد هذه المعطيات القاعدة الأساسية في علم الأعصاب: ما يُستخدم يتقوّى، وما يُهمل يضعف، ما يجعل التحفيز المستمر للدماغ عاملا مهما في الحفاظ على صحته.

بذلك يتضح أن الدماغ ليس عضوا ثابتا كما كان يُعتقد، بل نظام حيّ قادر على التغيير والتطور، وأن العادات اليومية تلعب دورا حاسما في تحديد كفاءته عبر الزمن.

خالد وهدان

خالد وهدان

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

تعدد اللغات يؤخر شيخوخة الدماغ
رعاية الأطفال تغيّر دماغ كل من يقوم بها
الإفراط في مشاهدة التلفزيون يسرّع شيخوخة الدماغ
اضطرابات النوم تهدد سلامة العقول وتغيير بنيتها
الأحلام
صداع
عضلات البطن ودورها في تنظيف جسم الانسان من الدهون
دراسة تكشف علاقة التوتر بترتيب الذكريات

المزيد من علوم وتكنولوجيا

دراسة: تقليل البروتين .. يطيل العمر ويحسن الصحة

كشفت دراسة علمية حديثة أن تقليل تناول البروتين، وليس خفض السعرات الحرارية، قد يكون وسيلة فعالة لتحسين الصحة وإطالة العمر...

"GAHAR “ تعتمد دفعة جديدة من المنشآت الصحية في 10 محافظات

أعلنت الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الصحية (GAHAR)، برئاسة الدكتور أحمد طه، صدور قرارات جديدة بمنح وتجديد الاعتماد لعدد من المنشآت...

فوز حاسبات عين شمس بالمركز الأول في هاكاثون الذكاء الاصطناعي لابتكار حلول ذكية

فاز فريق Hacktastic بكلية الحاسبات والمعلومات بجامعة عين شمس بالمركز الأول في هاكاثون الذكاء الاصطناعي لابتكار حلول ذكية في قطاع...

الإفراط الرقمي وأثره على المزاج والتوتر

توصلت دراسة علمية حديثة إلى أن الإفراط في استخدام الإنترنت قد يرتبط بارتفاع مستويات التوتر وتدهور الحالة المزاجية، إضافةً إلى...