على مدار 53 عاما منذ تحقيق معجزة النصر، مازال التاريخ العسكري يرصد ويحلل ملحمة العبور في السادس من أكتوبر حين تغلب الفكر العسكري على كل المقاييس العسكرية التقليدية، وستظل المعاهد والاكاديميات العسكرية حول العالم تأخذ العبر والدروس من بطولات جيش مصر العظيم.
ملحمة العبور ، غيرت موازين القوى في العالم بعد مرارة النكسة.. وليسجل التاريخ المعاصر أول أنتصار للعرب على الصهاينة ويدون في السجلات وفي انصع صفحات التاريخ العسكري المعاصر والتي ظلت مراكز البحوث والاكاديميات العسكرية في انحاء العالم تبحث وتدرس وتتعلم ذلك الدرس العظيم للجندي العربي الجسور والمقدام حين تتوفر له الارادة السياسية والعسكرية.
واليوم؛ ونحن نحتفل الذكرى الثالثة و الخمسين للنصر اصبح نصر أكتوبر ملهما للخبراء الباحثين عن التطوير والتحديث في أساليب القتال.
تاريخ من الفخر والكرامة
لم تكن حرب أكتوبر مجرد معركة عسكرية لتحرير الأرض فقط، بل كانت استعادة للكرامة، وبرهانًا على أن التخطيط المصري بلغ أعلى درجات الفكر العسكري العالمي، من التوجيه السياسي إلى أدق تفاصيل الخداع الاستراتيجي.
ستظل حرب أكتوبر المجيدة بكل تفاصيلها مثارا للفخر والعزة، لكل مصري وعربي، وتزداد ذكراها بريقا بمرور الزمن، باعتبارها رمزا للكرامة ومثالا لإصرار المصريين على تمسكهم بأرضهم واستعدادهم الدائم لتقديم أرواحهم فداء لمصر، وهى دليل على شجاعة وحكمة القيادة السياسية ورجال القوات المسلحة، الذين اتخذوا قرار العبور لتحرير الأرض، وأكدوا تلاحم القيادة والشعب والجيش.
الحرب العربية الإسرائيلية الرابعة
حرب أكتوبر هي الحرب العربية الإسرائيلية الرابعة التي شنتها كل من مصر وسوريا على إسرائيل عام 1973م.
بدأت الحرب في يوم السبت 6 أكتوبر 1973 الموافق ليوم 10 رمضان 1393 هـ بهجوم مفاجئ من قبل الجيش المصري والجيش السوري على القوات الإسرائيلية التي كانت مرابطة في سيناء وهضبة الجولان.
وساهم في الحرب بعض الدول العربية سواء عسكريا او اقتصاديا .
أسباب الحرب
- فرض إسرائيل سياسة الأمر الواقع على العرب وتكريس احتلالها للأراضي العربية.
-تحرير الأراضي العربية التي احتلتها إسرائيل في حرب يونيو 1967 وإزالة آثار العدوان.
- إنهاء حالة اللاحرب واللاسلم التي فُرِضَت على المنطقة في ظل سياسة الوفاق بين القوتين العظميين (أمريكا والاتحاد السوفييتي).
- ردّ كرامة الجندي المصري والعربي وتغيير النظرة للجيوش العربية بأنها لا تستطيع ولا تعرف أن تحارب.
- إنهاء حالة التفوق العسكري الإسرائيلي على العرب نتيجة لقيام الولايات المتحدة بإمداد إسرائيل بأحدث الأسلحة وفى التوقيتات التي تضمن لها التفوق الدائم .
-أصبح الموقف الأمريكي رهينة للسياسة الإسرائيلية خاصة بعد المذكرة التي قدمتها الولايات المتحدة لإسرائيل عام 1972 والتي تعهدت فيها أنها لن تتقدم بأي مبادرة سياسية في الشرق الأوسط قبل مناقشتها مع إسرائيل.
-كسر حدة التفوق الاستراتيجي العسكري الإسرائيلي الناتج عن اتخاذه حواجز طبيعية كموانع بينه وبين الجيوش العربية عقب حرب 1967، إذ احتل مرتفعات الجولان السورية شمالًا ونهر الأردن شرقًا ووصل للضفة الشرقية لقناة السويس جنوبًا.
توقيت الحرب.. لماذا السادس من أكتوبر؟
لم يكن اختيار السادس من أكتوبر من قبيل المصادفة، ولكن جاء وفقًا لحسابات وتقديرات خاصة كما يلي:
يوافق عيد «كيبور» (يوم الغفران)، وهو يوم عطلة رسمية في إسرائيل، مما له تأثير كبير غلى التعبئة، كما انه اليوم الوحيد الذي تتوقف فيه الإذاعة والتلفزيون عن البث، ما يعطّل استدعاء الاحتياط العلني السريع.
مراعاة توقيت المد والجزر في قناة السويس، وسرعة التيار واتجاهه.
كما تم اختيار عام 1973 تحديدًا لتوقّع وصول شحنات أسلحة أمريكية جديدة إلى إسرائيل في 1974، ما يجعل التأخير خطرًا وخطئًا استراتيجيًّا.
وبناء على هذه التقديرات، صدّق الرئيس السادات على الخطة في 1 أكتوبر (5 رمضان)، بعد اجتماع استمر 10 ساعات مع نحو 20 من قيادات القوات المسلحة
عنصر المفاجأة.. خطة الخداع الاستراتيجي.. مفتاح النصر
"خدعونا المصريون".. باعتراف اسرائيلي أمريكي، نجحت أكبر خطة للخداع الاستراتيجى في تاريخ البشرية.. وكانت كلمة السر لتحقيق معجزة النصر في حرب أكتوبر المجيدة.
في الساعة الثانية من ظهر يوم 6 أكتوبر الذي يوافق عيد الغفران اليهودي، هاجمت القوات السورية تحصينات وقواعد القوات الإسرائيلية في مرتفعات الجولان، بينما هاجمت القوات المصرية تحصينات إسرائيل بطول قناة السويس وفي عمق شبه جزيرة سيناء.
وقد نجحت مصر في اختراق خط بارليف خلال ست ساعات فقط من بداية المعركة، بينما دمرت القوات السورية التحصينات الكبيرة التي أقامتها إسرائيل في هضبة الجولان، وحقق الجيش السوري تقدمًا كبيرًا في الأيام الأولى للقتال واحتل قمة جبل الشيخ مما أربك الجيش الإسرائيلي.
كما قامت القوات المصرية بمنع القوات الإسرائيلية من استخدام أنابيب النابالم بخطة مدهشة، كما حطمت أسطورة الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر، في سيناء المصرية والجولان السوري، كما تم استرداد قناة السويس وجزء من سيناء في مصر، وجزء من مناطق مرتفعات الجولان ومدينة القنيطرة في سوريا.
خلفية تاريخية.. التمهيد للحرب
- حرب الاستنزاف (1967–1970)أفقدت العدو توازنه ... وفتحت أبواب النصر
حرب الاستنزاف كانت مدرسة حقيقية للقوات المسلحة المصرية، حيث تعلم فيها الجندي والضابط فنون القتال الحديث، واكتسب خبرة في مواجهة عدو متفوق تقنيًا.
* أهداف حرب الاستنزاف
- استنزاف قدرات الجيش الإسرائيلي في سيناء، وإرهاقه نفسيًا وماديًا، ومنعه من ترسيخ احتلاله، والوصول إلى غرب القناة، ولم تقم على أساس المواجهة المباشرة الشاملة.
- إعادة بناء القوات المسلحة المصرية، ورفع كفاءتها القتالية.
- استكمال بناء منظومة الدفاع الجوي المصري، وتحريك «حائط الصواريخ» إلى قرب حافة الضفة الغربية للقناة.
- تنفيذ عمليات عبور للشاطئ الشرقي، داخل عمق سيناء، لإثبات القدرة على الضرب.
- إعادة الثقة للجندي المصري، وكسر حاجز الخوف من العدو.
مهّدت هذه الحرب الطريق لنصر أكتوبر 1973، حيث كانت القواعد التي وُضعت في الاستنزاف هي نفسها التي استُخدمت في التخطيط للعبور العظيم.
* المراحل الرئيسية لحرب الاستنزاف
أولًا: مرحلة الصمود (يوليو 1967 – مارس 1968)
ركزت مصر في هذه المرحلة على:
تثبيت القوات على الضفة الغربية للقناة، ومنع العدو من العبور.قصف المواقع الإسرائيلية على الضفة الشرقية بالمدفعية الثقيلة.بدء إعادة بناء القوات المسلحة، وتدريب الأفرع المختلفة.تنفيذ عمليات كوماندوز محدودة عبر القناة، لجمع معلومات، وإرباك العدو.
ثانيًا: مرحلة المواجهة والدفاع (مارس 1968 – يوليو 1969)
في هذه المرحلة، انتقلت مصر إلى:
تكثيف القصف المدفعي، وردع أي محاولات إسرائيلية للتمدد.استكمال بناء حائط الصواريخ، وتحريكه إلى الأمام.تنفيذ عمليات عبور أكبر، مثل عملية «حجر الملائكة» (أكتوبر 1968)، حيث عبرت قوة صاعقة إلى سيناء، ودمرت أهدافًا حيوية.
ثالثًا: مرحلة الردع والحسم (يوليو 1969 – أغسطس 1970)
في هذه المرحلة، تصاعدت العمليات المصرية، وشملت:
قصف المواقع الإسرائيلية بالمدفعية والصواريخ، بمعدلات غير مسبوقة.تنفيذ عمليات عبور واسعة، مثل عملية «أبو عطوة» (يناير 1970)، حيث عبرت قوة مشاة ومدرعات، ودمرت تحصينات العدو.تكثيف الغارات الجوية على مواقع العدو في عمق سيناء.ردع إسرائيل عن أي محاولة لاختراق الضفة الغربية.
* إنجازات حرب الاستنزاف
- عسكريًا
استكمال بناء منظومة الدفاع الجوي المصري، وتحريك حائط الصواريخ إلى خط القناة، ما أنهى التفوق الجوي الإسرائيلي.
إعادة بناء القوات الجوية، وتأهيل الطيارين، واستلام طائرات جديدة من الاتحاد السوفيتي.
إعادة تنظيم وتدريب القوات المسلحة، ورفع الكفاءة القتالية.
تنفيذ أكثر من 100 عملية عبور للشاطئ الشرقي، داخل عمق سيناء، أثبتت قدرة الجيش المصري على الضرب.
- نفسيًا وسياسيًا
استعادة الثقة في النفس، وكسر حاجز الخوف من العدو.إثبات أن إسرائيل ليست قوة لا تُقهر، وأنها قابلة للاستنزاف.تهيئة المناخ النفسي والعسكري لحرب أكتوبر 1973.
- مبادرة روجرز (1970)
كانت محاولة أمريكية جادة لكسر جمود الصراع، لكنها فشلت بسبب الإصرار الإسرائيلي على الاحتلال، وعدم الجدية في تطبيق القرار 242.
أدركت مصر من هذا الفشل أن السلام لا يُبنى على حساب الأرض، وأن التحرير لا يتحقق إلا بالقوة، ما مهّد الطريق لحرب أكتوبر المجيدة.
* بنود المبادرة
وقف إطلاق النار لمدة 90 يومًا، تبدأ من تاريخ الموافقة.مفاوضات جديدة تحت رعاية المبعوث الأممي جونار يارينج، لتنفيذ القرار 242.إنشاء منطقة منزوعة السلاح على طول قناة السويس، بمراقبة دولية.انسحاب إسرائيلي من سيناء، مقابل ضمانات أمنية لمصر.استجابت مصر في 8 أغسطس 1970، إيمانًا منها بضرورة كسر جمود اللاسلم واللاحرب، وإتاحة فرصة للسلام العادل.قبلت إسرائيل وقف إطلاق النار، لكنها لم تفِ بالشق الثاني (المفاوضات الجادة لتنفيذ 242)، واستمرت في تحصين مواقعها على قناة السويس، وبناء خط بارليف.
* تمديد وقف إطلاق النار
التمديد الأول: تمديد وقف إطلاق النار لثلاثة أشهر أخرى، تنتهي في 4 فبراير 1971.
التمديد الثاني: تم تمديد قف إطلاق النار لشهر واحد إضافي، ينتهي في 7 مارس 1971.الرفض المصري: بعد 7 مارس 1971، أعلنت مصر رفضها تمديد وقف إطلاق النار مرة أخرى، مع استمرار حالة اللاسلم واللاحرب، واستئناف عمليات الاستنزاف ضد المواقع الإسرائيلية.
مقدمات حرب أكتوبر 1973: من قرار الحسم إلى التجهيز الشامل
أولًا: السياق السياسي (1970-1973)
وفاة عبد الناصر وصعود السادات
في 28 سبتمبر 1970، توفي الرئيس جمال عبدالناصر، وانتخب نائبه محمد أنور السادات رئيسًا لمصر في 15 أكتوبر 1970.
عقد السادات النية على دخول الحرب، وأعلن ذلك في عدة مناسبات، منها:
22 يونيو 1971: إعلان أن عام 1971 هو "عام الحسم".24 أكتوبر 1972: كلمته أمام المجلس الأعلى للقوات المسلحة، التي أوضح فيها وجوب تجهيز القوات المسلحة لدخول الحرب.
القرار المصري–السوري المشترك (1973)
في عام 1973، قرر الرئيسان المصري أنور السادات والسوري حافظ الأسد اللجوء إلى الحرب لاسترداد الأرض التي خسرتها الدولتان في حرب 1967.
في 10 يناير 1973: مجلس اتحاد الجمهوريات العربية يعين الفريق أول أحمد إسماعيل علي قائدًا عامًا للقوات الاتحادية..
– 28 – 29 أغسطس 1973: اجتماع السادات مع الأسد في دمشق، حيث اتفقا على أن يكون يوم 6 أكتوبر 1973 هو يوم بدء الحرب.
ثانيًا: التجهيزات والاستعدادات الشاملة للحرب
إعادة بناء القوات المسلحةالاستفادة من دروس حرب الاستنزاف (1967–1970) كحقل تدريب حيوي.بناء «حائط الصواريخ» للدفاع الجوي، وتأهيل المقاتل العربي عسكريًا ونفسيًا.إعادة تنظيم الأفرع (الجوية، البحرية، البرية، الدفاع الجوي)، ورفع الكفاءة القتالية.
تهيئة الجبهة الداخلية:
تحويل موارد الدولة لدعم المجهود الحربي.توفير مخزون استراتيجي من السلع الأساسية (غذاء، وقود، أدوية).تدريب منظمات الدفاع المدني والمقاومة الشعبية، استعدادًا لأي طوارئ.
خطة الخداع الاستراتيجي العسكري والسياسي:
نجحت القيادة العامة (بإشراف المشير أحمد إسماعيل) في إيهام أجهزة المخابرات العالمية بعدم قدرة مصر على الهجوم، من خلال:
الإعلان عن فتح باب العمرة للضباط، وتسريح دفعات جنود علنًا.شراء مضخات مياه بحجة إطفاء الحرائق، بينما كانت مخصصة لتجريف الساتر الترابي.تسريب معلومات كاذبة عن نقص الذخيرة، وضعف الجاهزية.التجهيز الهندسي والفني:
الفكرة العبقرية للواء باقي زكي يوسف، باستخدام مضخات المياه عالية الضغط (1,500 متر مكعب/ساعة) لتجريف الساتر الترابي لخط بارليف، وفتح 60 ثغرة لمرور الآليات الثقيلة. وخلال 8 ساعات، فُتح 60 ممرًا في الساتر، وأُنشئت 8 كبارٍ ثقيلة و4 خفيفة، وشُغّلت 30 معدية.
التنسيق السياسي والدبلوماسي المشترك:
قيادة موحدة على الجبهتين (المصرية والسورية)، بالتنسيق بين الرئيسين السادات والأسد.تفعيل «سلاح النفط العربي» كأداة ضغط دولية، حيث أعلنت دول عربية حظر تصدير النفط إلى الدول الداعمة لإسرائيل.
تفاصيل خطة الخداع
خطة الخداع بدأت قبل المعركة الخالدة بأكثر من عام .. قادها الجيش المصري والرئيس الأسبق محمد أنور السادات.. ووقف بجانبها الشعب المصري لدعمها.. وانتهت بمعجزة ستظل آثارها محفورة في ذاكرة مصر والعالم ..وستظل مسطورة في كتب التاريخ ليتدارسونها جيلا بعد جيل.
انها "خطة الخداع الاستراتيجي".. تلك الخطة متكاملة الأركان، ليس فقط عسكريا وسياسيا، لكن أيضا فنيا وصحيا واجتماعيا.. والتي بدأت في شهر يوليو لعام 1972، واستمرت حتى يوم الحرب في 6 أكتوبر لعام 1973م.. عندما نجحت مصر في تحقيق النصر على العدو الاسرائيلي واسترداد كل شبر من أراضيها.. وأثبتت للعالم أجمع قدرة المصريين علي إنجاز عمل جسور، يستند إلي شجاعة القرار، ودقة الإعداد والتخطيط، وبسالة الأداء والتنفيذ.
أكبر خطة خداع في التاريخ
في يوليو 1972 قام الرئيس السادات بزيارة المخابرات العامة، وبصحبته قائد الجيش ومستشار الرئيس للأمن القومى ورئيس المخابرات العسكرية، ودعا كل رؤساء الأقسام بالجهاز إلى اجتماع تاريخى، استغرق أكثر من 5 ساعات.
ووجه بوضع خطة خداع استراتيجي يسمح لمصر بالتفوق على التقدم التكنولوجي والتسليحي الإسرائيلي عن طريق إخفاء أي علامات للاستعداد للحرب وحتى لا تقوم إسرائيل بضربة إجهاضية للقوات المصرية في مرحلة الإعداد على الجبهة.
وأوضح السادات "أن التوازن العسكرى مع إسرائيل ليس فى صالحنا، والتقدم العلمى والتكنولوجى يسمح لها برصد كافة تحركاتنا سواء على الجبهة أو فى الداخل، وما لم نتمكن من تنفيذ خطة خداع استراتيجى للعدو، فإن الانتصار فى الحرب سيكون مستحيلا"..
وكلف السادات المخابرات العامة بالإشراف على وضع هذه الخطة بالتعاون مع المخابرات الحربية وكافة الجهات المعنية فى الدولة، حتى نستطيع التفوق على التقدم التكنولوجي والتسليحي الإسرائيلي عن طريق إخفاء أي علامات للاستعداد للحرب وحتى لا تقوم إسرائيل بضربة إجهاضية للقوات المصرية في مرحلة الإعداد على الجبهة.
ويوصف الخداع فى الحروب بأنه مجموعة من الإجراءات والأنشطة المنسقة والمخطط لها بعناية بالغة بغية إخفاء الحقائق التي من شأنها التأثير على مجريات الحرب، ومنعها من الوصول إلى الدول المعادية أو المتعاونة معها، وتوجيه ودعم تقديراتها وجهودها إلى اتجاهات زائفة تؤدي إلى قرارات تخدم الخطط الموضوعة.
وقد قام الرئيس الراحل السادات بأكبر عملية خداع إستراتيجي، قام بها أي رجل "سياسي – عسكري" في تاريخ البشرية.. و نجحت القيادة السياسية ممثلة فى السادات والقوات المسلحة والمخابرات العامة وأجهزة الدولة فى عملية خداع استراتيجي للداخل قبل الخارج، خاصة فى الفترة التى سبقت الحرب.
وتم اتخاذ مجموعة من الخطوات التى كانت تهدف إلى تضليل العدو الإسرائيلي، وكان أهمها؛ أن الرئيس السادات والجيش المصري، لا يفكرون في الحرب على الإطلاق، واستمرار الوضع على ما هو عليه، وهو "اللاحرب واللاسلم".
في الداخل سارت عملية الخداع بصورة مبهرة وكان لها دورا تاريخيا لمن كان يراقب ويتابع الحياة اليومية للشعب المصري وحتى يوم المعركة.
كانت الحياة تسير بصورة طبيعية واعتيادية داخل الشارع المصري. فمن كان يسعى ويراقب ويتجسس في الداخل أرسل بتقاريره بأنه من المستحيل أن تحارب مصر والناس تعاني من أزمات تموينية ومظاهرات واحتجاجات واستعدادات لشهر رمضان المبارك والتجهيز لبدء الموسم الدراسي يوم 29 سبتمبر 73 والاعلام مشغول بالرياضة وأخبار الدوري العام وتخصيص مساحات أكبر لكرة القدم وأخبار مجتمع الفن في المسارح ودور العرض وحفلات كبار الفنانين والفنانات.
الاعلام المرئي والمقروء التزم بخطة الخداع وكأن صالة تحرير واحدة تدير منظومة الاعلام المصري في الاذاعة والتليفزيون والصحف والمجلات.
صدرت التعليمات بنشر واذاعة أخبار تسريح رديف من الضباط والجنود ولقاء وزير الدفاع المشير اسماعيل أحمد علي مع نظيره الروماني يوم 8 أكتوبر بالقاهرة وزيارة قائد القوات الجوية اللواء حسني مبارك الى ليبيا عصر يوم 6 أكتوبر، وفتح باب التسجيل للجنود والضباط لأداء العمرة في رمضان.
وتسريح أحد الضباط الأطباء وتعيينه مديرا لمستشفى الدمرداش وتصريحه بانتشار أحد الأوبئة بالمستشفى لاخلاءها واخلاء عدد آخر من المستشفيات في القاهرة وباقي المحافظات بسبب انتشار الفيروس الغامض( استعدادا لاستقبال الجرحى في المعركة).
وتنشر الصحف وتفرد مساحات لفضيحة غرق محصول القمح المصري بسبب أطار الشتاء واضطرار الحكومة المصرية لاستيراد أقماح من الخارج..!
والتعليمات بنشر أخبار احتجاجات طلبة الجامعات ضد القيادة السياسية بسبب تقاعسها في اتخاذ قرار الحرب..!
اعتراف العدو بعبقرية المصريين
اعترف العدو بعبقرية المصريين في الخداع وقالت جودلدا مائير رئيسة الوزراء الاسرائيلية وقال موشيه ديان وزير الدفاع وقادته وأجهزة مخابراته أمام لجنة اجرانات للتحقيق في أسباب الهزيمة " لقد خدوعونا المصريين
يوميات الحرب:
(6 أكتوبر)
الثانية وخمس دقائق ظهرًا انطلقت أكثر من 220 طائرة لضرب أهداف محددة في سيناء، حققت أقل خسائر متوقعة، وشتّت مراكز القيادة والتشويش والرادارات والمدفعية.
في اللحظة نفسها بدأ تمهيد نيراني كثيف بمعدل 75 قذيفة في الثانية (10,500 قذيفة في الدقيقة الأولى).استخدمت فرق المشاة نحو 1,000 قارب اقتحام و1,500 سلم لتسلق الساتر الترابي (خط بارليف).
خلال 8 ساعات فُتح 60 ممرًا في الساتر، وأُنشئت 8 كبارٍ ثقيلة و4 خفيفة، وشُغّلت 30 معدية، وعادت الأعلام المصرية ترفرف على الضفة الشرقية.
(7أكتوبر)
إنشاء 5 رؤوس كباري بعمق 6–8 كم بخسائر محدودة (2.5% طائرات، 2% دبابات، 3% أفراد)، مقابل خسائر إسرائيلية كبيرة.
سيطرة الفرقة 18 على القنطرة شرق تمهيدًا لتحريرها.
معارك بحرية ضارية واستسلام عدد كبير من العدو.
اتصالات دبلوماسية أمريكية–مصرية، ورسالة مصرية واضحة.. انسحاب إ سرائيلي من كل الأراضي المحتلة أولًا، ثم مفاوضات سلام.
(8 أكتوبر)
تحرير القنطرة شرق، وأسر 30 جنديًّا، والاستيلاء على أسلحة ومعدات.
سيطرة الفرقة 19 على عيون موسى.
صد 3 فرق إسرائيلية في هجمات مضادة فاشلة.تدمير مطارات العدو في سيناء (عدا العريش)، وإسقاط 24 طائرة فانتوم وسكاي هوك.
صد هجوم إسرائيلي على بور سعيد، ودعم شعبي للمقاومة.
(9 - 10 أكتوبر)
تصفية حصون العدو (عدا حصن واحد على الساحل).انسحاب العدو إلى خط المضايق بعد سقوط خطي الدفاع الأول والثاني.عمليات مطاردة واسعة، وتدمير طائرات ودبابات ومدفعية، والاستيلاء على دبابات سليمة (إم–60، سنتوريون).
(11 - 13 أكتوبر)
تعزيز المواقع المحررة، وإنشاء 11 معبرًا على طول القناة.
(14 -17 أكتوبر)
تطور الهجوم شرقًا، وتحرير المزيد من الأرض، وتطويق 150 دبابة إسرائيلية.
دفع إسرائيل نحو 1,200 دبابة على مدى ثلاثة أيام (15–17 أكتوبر)، وتدمير جزء كبير منها.
معارك جوية واسعة أسقطت عشرات الطائرات الإسرائيلية "معركة المنصورة".
(18 – 21 أكتوبر)
استمرار معارك الدبابات، وتدمير مستودعات ذخيرة وقواعد صواريخ.
حصار القوات الإسرائيلية المتسللة غرب القناة، وتكبدها خسائر جسيمة.
صدور قرار مجلس الأمن رقم 338 (21 أكتوبر) بوقف إطلاق النار وبدء المفاوضات.
موافقة مصر، وخرق إسرائيل للقرار في 22–23 أكتوبر.
(22 – 25 أكتوبر)
معركة بحرية أمام بورسعيد وتدمير 3 قطع بحرية، وإصابة طائرتين هليكوبتر.
انفجار الموقف في الدفرسوار بعد محاولات إسرائيلية التحرك غرب القناة.
محاولات إسرائيلية قطع الطرق واقتحام مدينة السويس، وفشل ذريع أمام المقاومة الشعبية والعسكرية.
صدور قرار مجلس الأمن رقم 340 بإنشاء قوة دولية لمراقبة وقف إطلاق النار.
(28 أكتوبر) نهاية الحرب فعليًّا.
اجتماع الوفدين المصري والإسرائيلي في الـــ 1:30 ظهرًا لبدء مباحثات تثبيت وقف إطلاق النار.القضاء على أسطورة «الجيش الذي لا يُقهر» باقتحام القناة واجتياز خط بارليف، والسيطرة على الضفة الشرقية، وإدارة قتال شرس شرقًا وغربًا.
نتائج الحرب على المستوى المحلي
تخطيط علمي دقيق حقّق كسر النظرية الأمنية الإسرائيلية، وعملية عبور اكتسحت مانعًا مائيًّا ضخمًا في ساعات.قرار شجاع من الرئيس السادات في اللحظة الحاسمة.إبراز طاقة إنسانية وقدرات استثنائية للجندي المصري.
نتائج الحرب على المستوى العربي
استعادة الثقة بعد صدمة 1967.تحالف عربي واسع خلف الجبهة، وظهور «سلاح البترول» لأول مرة.دخول فكرة المفاوضات المباشرة عبر مباحثات الكيلو 101.
نتائج الحرب على المستوى الإسرائيلي
انكسار نظرية الأمن الإسرائيلية، وصدمة سياسية وعسكرية غير مسبوقة.تفكك القيادة السياسية والعسكرية، وسقوط أساطير (الجهد الذي لا يُقهر، المخابرات، جولدا مائير، موشيه ديان).تعبئة عامة أوقفت عجلة الإنتاج.
نتائج الحرب على المستوى العالمي
خلق رأي عام عالمي مناهض لداعمي إسرائيل.تدفق الامدادات العسكرية السوفيتية واليوغوسلافية (250 دبابة تي–62، لواء دبابات كامل).
المسار السياسي بعد الحرب
مباحثات الكيلو 101 (أكتوبر– نوفمبر 1973)
حيث تم الاتفاق على وقف إطلاق النار، ووصول إمدادات يومية للسويس، ومراقبة قوات الطوارئ، وتبادل الأسرى والجرحى.
اتفاقيات فض الاشتباك (يناير 1974 وسبتمبر 1975)
حيث تم تنفيذ سلسلة من الانسحابات الإسرائيلية المرحلية، واستعادة نحو 4,500 كم²، وتأكيد حل النزاع بالوسائل السلمية.
مبادرة السادات (نوفمبر 1977)
زيارة القدس، وطرح خمس أسس للسلام: إنهاء الاحتلال، حقوق الفلسطينيين، أمن جميع الدول، عدم اللجوء للقوة، إنهاء حالة الحرب.
كامب ديفيد (سبتمبر 1978) ومعاهدة السلام (مارس 1979)
إطار سلام شامل، وإطار معاهدة مصرية–إسرائيلية.انسحاب إسرائيلي كامل من سيناء، واستعادة السيادة المصرية.
عودة سيناء وطابا
25 أبريل 1982: رفع العلم على رفح وشرم الشيخ، وإكمال الانسحاب.1986–1989 : تحكيم دولي يحكم بالإجماع بأن طابا مصرية، ورفع العلم عليها في 19 مارس 1989.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
على مدار 53 عاما منذ تحقيق معجزة النصر، مازال التاريخ العسكري يرصد ويحلل ملحمة العبور في السادس من أكتوبر حين...
في إطار العلاقات الثنائية المتميزة التي تجمع بين جمهورية مصر العربية وجمهورية الصين الشعبية، والتي تمتد على مدار 70 عاما.....
تتويجا لمسيرة امتدت أكثر من 40 عاما، أصبحت محطة الضبعة النووية واقعًا على الأرض.. وحققت الدولة المصرية بقيادة الرئيس عبد...
انجازات ومشروعات واعدة تمت على أرض الواقع من أجل تنفيذ الخطة الشاملة لتطوير وتحديث عناصر منظومة النقل في عهد الرئيس...