جمعه الشوان: كان حلمى أقـابل عبد الناصر

فى سجلات المخابرات المصرية الكثير من الاسماء التى كتبت فى سطورها بحروف من نور وبطعم حب الوطن وكتبوا تاريخا مجيدا لحاضر هذه البلاد،

 ومواقفهم الوطنية كانت سببا فى انتصارات كبيرة حققتها البلاد بسبب إمدادهم ببعض المعلومات والبيانات السرية. من بين هذه الاسماء جمعة الشوان أو أحمد محمد عبد الرحمن الهوان الذى ولد فى 1937 بمدينة السويس، وعقب هزيمة يونيو 1967 اضطر إلى الهجرة منها مع أسرته إلى القاهرة، وأخذ يبحث عن عمل بالقاهرة لكنه وجد صعوبة فى الامر فسافر إلى اليونان وبتخطيط من «الموساد» الإسرائيلى تعرفت عليه جاسوسة إسرائيلية اسمها «جوجو» أغرته بحبها وطلبته للعمل بشركة والدها إلى أن قام الموساد بتجنيده مقابل 5000 جنيه إسترلينى شهريا  ولكن عند وصول «الشوان» إلى مصر طلب مقابلة الرئيس عبد الناصر، فقابله فى منزله بمنشية البكرى، حيث سلمه «الشوان» المبالغ التى حصل عليها من «الموساد»، وأرسله عبد الناصر إلى المخابرات المصرية، حيث تم تجنيده عميلا لمصر داخل إسرائيل، ونجح «الشوان» فى إمداد مصر بالعديد من المعلومات المهمة التى ساعدت فى تحقيق انتصار 1973 ومن أهم أعماله البطولية أنه استطاع الحصول لمصر على أصغر جهاز إرسال تم اختراعه فى ذلك الوقت، وتوفى «الشوان» بمستشفى وادى النيل، عن عمر ناهز 74 عاماً، بعد صراع طويل مع المرض، بعد أن قرر المشير حسين طنطاوى علاجه على نفقة الدولة..

واحتفاء منا بهذا البطل ننشر له حوارا نادرا عمره 16عاما نشر على صفحات مجلة الاذاعة والتليفزيون فى عددها رقم (3828) الصادر بتاريخ 26 يوليو 2008 اجرى الحوار الكاتب الصحفى سيد المليجى والتصوير للمصورة رانيا جمعة بعنوان (الريس زكريا ضابط المخابرات .. هو الوزير الحجوب)

فإلى نص الحوار .

تجاوز أحمد الهوان الشهير بـ جمعة الشوان صمته المعتاد عن الحديث حول الشخصيات الحقيقية لمسلسل دموع فى عيون وقحة الذى تناول قصته مع الموساد الإسرائيلي، كشف عن شخصية «الريس زكريا التى قدمها الفنان الراحل صلاح قابيل، وقال إن اللواء محمد عبد السلام المحجوب واحد من ستة وزراء كانوا ضمن الفريق الذى تعاون معه على مدار ٩ سنوات .مفاجأة أخرى فجرها عندما قال إنه تزوج سعاد حسنى لمدة ثمانية أشهر بعقد عرفى فى عام ١٩٧٠.

يقول الهوان: قررت السفر إلى اليونان بعد عدوان يونيو ١٩٦٧ بحثاً عن ألفى دولار كانت ديناً لى عند خواجة صاحب سفينة كانت تعمل بالميناء، فلوس الدين كانت سبباً، والبحث عن فرصة عمل كان السبب الأهم، أنا بمبوطى واشتغلت فى السياحة.. فرصتى فى العمل هناك وليست فى القاهرة، هناك داخل أحد مطاعم أثينا التقيت برجل بحار دمياطى تعرفت عليه.. قال لى إن اسمه زكريا وأنا أطلقت عليه اسم «الريس زكريا»، أقمنا معاً فى شقة واحدة لمدة شهر، كان يستيقظ كل يوم فى الصباح ويذهب للبحث عن عمل، لم أشك لحظة أننى أعيش مع ضابط مخابرات «محنك» هو اللواء محمد عبد السلام المحجوب.

 أقاطعه ومتى كشف لك عن شخصيته الحقيقية؟

ضحك الهوان وقال: حين عدت إلى مصر بعد عام وكنت قد بدأت أشك فى الاشخاص الذين تعاملت معهم ذهبت إلى القاهرة ومعى حقيبة بها ١٨٥ ألف دولار، لذلك قررت أن أقابل الريس جمال عبد الناصر».. وصلت  إلى مطار القاهرة فى السادسة صباحاً، أدركت صعوبة لقاء الرئيس فذهبت إلى مبنى المباحث العامة بالتحرير، وطلبت مقابلة أحد المسئولين لأمر مهم.. بعد لحظات وجدت نفسى أمام ضابط كبير قلت له أريد مقابلة الرئيس جمال عبد الناصر، فقال لى وأنا منفعش».. وشتمني. حاول معى أن يعرف ما أريد قوله للرئيس لكنه فشل احتجزنى لمدة يومين داخل المبنى، أدركت وقتها أشياء لم أكن أعرف أنها موجودة فى مصر، ظللت معلقاً من قدمى فى السقف، بعد نهاية اليومين مر أمامى رجل لابس أبيض وهذا ما جعلنى أشاهده وأنا فى هذا الوضع، أعطانى حقنة ومحاليل.. وبعدها ذهبت إلى منشية البكرى وقابلت على صبري، سكرتير الرئيس للمعلومات.. حاول أن يعرف منى سبب طلبى زيارة الرئيس وفشل.. أنا كان حلمى ألمس عبد الناصر، وفجأة وجدت نفسى أمامه.. لم أكن أتذكر وقتها سوى إحساسى بدموعه التى كانت مكتومة فى خطاب التنحي، كنت أرغب فى أن أحصل على ثأره ممن فعلوا به ذلك، حكيت له ما دار بينى وبين الأشخاص الثلاثة الذين أعطونى الفلوس وطلبوا منى فتح مقر لشركة حديد وصلب فى مصر، ابتسم لى الرئيس وأعطانى تليفونه الخاص وقال لى بس ده تكلمنى عليه فى المواضيع المهمة مش فى أى حاجة تتصل، بعدها بعثنى إلى المخابرات العامة فى القبة، وهناك التقيت بضابط وسيم و «شيك».. اندهشت حين قال لى إنت مش فاكرنى لم أعتقد أننى قابلته من قبل إلى أن فتح درج مكتبه وأخرج منه «ساعتي» التى بعتها فى اليونان للريس زكريا.. فى هذه اللحظة فقط أدركت أننى أمام الرجل الذى كان يقيم معى فى اليونان.. وقتها اطمأن قلبى وأدركت أن إحساسى كان فى محله.

استعاد الهوان ضحكة قال إنها تشبه ما حدث فى أول لقاء له مع اللواء المحجوب فى مكتبه بالمخابرات العامة... حين عرض عليه صور بعض ضباط الموساد وتعرف على اثنين منهم ويقول : دخلت فى عدة اختبارات قبل أن توافق المخابرات على سفرى مرة أخرى .

 أقاطعة لأسأل ومن هو الضابط الثانى الذى ظهر فى احداث المسلسل بصحبة الريس زكريا؟

يجيب الهوان: ضابط مخابرات وخلاص، لا تسألنى عن اسمه، يكفى أن تعرف أن الفريق الذى تعاونت معه خلال مهمتى التى استمرت 9 سنوات مع المخابرات يضم ستة وزراء منهم شخصية مهمة جدا، اللواء "المحجوب " أستطيع الآن الإفصاح عن اسمه بعد مرور 32 سنة على هذه الأحداث لكنى لا استطيع ذكر باقى الأسماء، فهذا الأمر ليس بيدى.

 نعود إلى حكايتك مع الموساد كيف سارت بعد تعاونك مع اللواء المحجوب؟

حصلت على دورة داخل المخابرات على التعامل مع المهمة الجديدة ، سافرت إلى ايطاليا  وقابلت "إبراهام " و" جاك " فى العاصمة روما، نفعتنى الدورة، ظللت أتحدث  معهما عن والدى الذى مات بسبب عبدالناصر،بعد اقتناعهما بجدارتى للمهمة المطلوبة  من الموساد ، وسافرت إلى باريس لأتلقى أول تدريب على استخدام الحبر السرى، وطبعا الفارق كبير بين ما شاهده الناس فى المسلسل وبين التدريب الحقيقى المهم .. رجعت إلى القاهرة وكنت ألتقى برجال المخابرات فى أماكن مختلفة، كانوا يطلبون منى عدم الحصول على فلوس كاش من ضباط  الموساد  ليتوصلوا إلى  الطرق التى يخبئون بها الأشياء التى يدخلونها إلى مصر.

 وهل كنت خلال هذه الفترة على اتصال بالرئيس جمال عبد الناصر؟

يقول: للأسف  رغم فرحتى بأننى حصلت على الرقم السرى للرئيس إلا أننى لم أهنا بذلك، توفى الرئيس قبل أن أجرى معه أى اتصال.

 وكيف سارت الأمور؟

استمرت المهمة وكنت أحصل على المعلومات من كل المحافظات، لكن الخطابات التى أرسلتها كان يكتبها اللواء المحجوب، ثم يمليها لى لأكتبها بخطى قبل إرسالها، كنت قد حصلت على شقة فى الفلكى كما طلبوا مني، وكان بعض المسئولين من ضباط المخابرات التقوا بى ومنهم ضابط يشغل الآن موقعاً مهماً قال لي: «يا أحمد إسرائيل عندها جهاز إرسال متطور جداً ونفسى تجيبه لنا... كان حلمى أن أحصل على هذا الجهاز ولحسن حظى أحضرت للمخابرات جهازين وليس جهازاً واحداً كما ذكر المسلسل.

 وهل الجهازان من نوع واحد؟

لا الجهاز الأول هو الذى جاء فى المسلسل والذى توقفت عنده الأحداث وقت حرب ۱۹۷۳، لكن الحقيقى أن عملی استمر حتى عام ١٩٧٦، فالجهاز الأول والذى أطلقنا عليه اسم البطة الثمينة حصلت عليه بخطة وضعتها المخابرات، ففى إحدى المرات قال لى اللواء المحجوب: تعالى علشان ترسل خطاب؟ كنت أضع رقماً على كل خطاب الأول رقم ٢ ثم بعد ذلك استخدم الأرقام الزوجية، فى هذه المرة طلب منى المحجوب أن أضع على الخطاب الأول رقم ٢٢ والثانى رقم ٥٤، وسألته فقال لى بعدين، لم يشرح لى السبب سوى وقت سفرى إلى روما، قال لى لو سألوك قل إنك أرسلت ٣٧ جواباً، حتى يعطوك جهاز إرسال.

 وهل اقتنع الموساد بهذه الحيلة بسهولة؟

لا طبعاً .. لقد تدربت على إقناعهم بموقفي، خصوصاً أن الخطابات تخرج من مصر إلى روما ومنها إلى إسرائيل. وبالفعل أعطونى الجهاز وقام بتدريبى عليه رجل عراقى اسمه مايكل.

 فى أى عام حصلت على هذا الجهاز؟

فى شهر ٦ أو ٧ من عام ۱۹۷۲ وظللت أعمل به حتى جاءت حرب أكتوبر عام ۱۹۷3، كنت أبعث بالرسائل وتصل. فى ٣٠ ثانية، أقول لهم اضربوا فى المنطقة الشمالية. يضربوا اضربوا فى العمق ينفذوا، اضربوا فى الكيلو كذا، يحدث الضرب فوراً، وبعدها يرسلون لى برقية شكر ... وطبعاً كلها كانت مواقع هيكلية بعلم المخابرات العامة.

 وهل تم إنهاء مهمتك فى ذلك الوقت؟

فوجئت بعد 9 أيام من الانتصار برسالة على الجهاز تطلب منى الحضور إلى البيت الكبير.. يعنى تل أبيب. وكانت لهجة الرسالة غربية وحادة وهو ما جعلنى متأكداً أنهم كشفوا حقيقتى فقررت عدم السفر، لذلك أبلغت المخابرات برغبتى فى إنهاء المهمة، وتم رفض الطلب، ووجه لى الرئيس السادات الدعوة لزيارته، فذهبت لسيدنا الحسين، أدعوه أن يحفظ ابنى الوحيد فى ذلك الوقت محمد، ثم ذهبت إلى السيدة زينب وطلبت منها أن تحمى أمى وزوجتى وشقيقاتى، قلت لنفسى الحسين يحمى الرجال والست تحمى النساء، بعدها كتبت جواباً لزوجتى دونت فيه أموالى فى السوق ومحلات السوبر ماركت التى طلبوا منى شراءها، وكل التفاصيل المتعلقة بتجارتى، وأعطيتها الجواب بعد أن حلفتها على المصحف ألا تفتحه إلا بعد شهر فى حال عدم عودتى للقاهرة، وبينى وبين نفسى قلت أنا مش راجع.

 وما الذى حدث بعد ذلك؟

قابلونى فى تل أبيب أعظم مقابلة، لم يعترفوا بالهزيمة.. منحونى جهازاً جديداً يبعث الرسالة فى ٦ ثوان. فسألتهم عن السبب فقالوا لى إن الثانية تفرق فى الحرب وهذا الجهاز متطور عن السابق، وكالعادة طلبت تسلم الجهاز فى مصر فقالوا لى إنه سيكون عند الكيلو ٩٩ على طريق السويس تحت فنطاس مياه. وعلمت المخابرات المصرية الأشخاص الذين وضعوا الجهاز فى هذا المكان وكان ذلك هو السبب وراء الكشف والقبض على إبراهيم وانشراح، جاسوسى بئر السبع اللذين قدمت حكايتهما فى مسلسل باسم المنطقة.

 الرسالة الشهيرة التى جاءت فى نهاية المسلسل هل كانت مع الجهاز الثانى؟

عملت بالجهاز الجديد حتى عام ۱۹۷۷، وخلال هذا العام أصبت فى حادث على طريق السويس، وبسبب هذه الإصابة ضعف بصرى وأصبحت أتحرك بصعوبة لما تعرضت له قدمى اليمنى، فطلبت من رئيس المخابرات فى ذلك الوقت كمال حسن على إنهاء خدمتي.. رفض بشدة لكنى كنت مصراً هذه المرة بسبب متاعبى الصحية.. فتم لى ما أردت.

 وكيف كان مشهد النهاية فى مصر وإسرائيل؟

كان ضابط الموساد فى انتظار رسالة مهمة مني، وكنا هنا فى مصر فى انتظار الكشف عن الجاسوس "سايكون " الذى أعلنت المخابرات أنه من أبناء السويس ، أرسلت لهم البرقية التى قيل نصها فى المسلسل باستثناء الأسم الحقيقى طبعا.ثم أعلن عن مؤتمر صحفى وتم الإعلان أمام صحف العالم باعتبارى أحد أبطال مدينة السويس ومصر كلها.

 إذا كانت المخابرات قد كشفت شخصيتك للموساد  فلماذا لم يظهرالاسم فى المسلسل؟

كان لا بد من الاحتفاظ بمساحة من السرية حسب طلب المخابرات وللأسف سرعة تقديم المسلسل الذى جاء بعد عامين من إنهاء خدمتى صعب من الكشف عن تفاصيل كثيرة، واسم جمعة الشوان" اخترناه أنا ويحيى العلمى مخرج المسلسل والسيناريست صالح مرسى بعد ستة أيام من المداولات.

سماح جاه الرسول

سماح جاه الرسول

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

اللواء محمد نجيب: هكذا تم إعفائى من رئاسة الجمهورية وتحديد إقامتى

المزيد من المجلة زمان

اللواء أحمد فتحى عبد الغنى يكشف تفاصيل استعدادات الجيش الشعبى لمعركة العبور

التنظيمات الشعبية تتكون من منظمات أو فرق يجرى اختيارها وفق اشتراطات طبيعية والسن لا يقل عن 18 سنة مدرسة الدفاع...

ملوك الجدعنة والمقاومة .. فى كل حارة مقاتل من الجيش الشعبى

الشعب رفع شعار «كلنا هنحارب» .. متعلمون وصنايعية تطوعوا لمواجهة العدو على الجبهة الداخلية فرق المتطوعين تعلمت درسًا من طائرات...

سر أول عملية عبور تمت فى يوليو 1967

الصحف العالمية وصفت خطاب السادات بأنه الأخطر كانت قواتنا المسلحة مزودة بكل التجهيزات الفنية والهندسية لعبور المانع المائى القذافى: المعركة...

فى لقاءات نادرة منذ 69 عاما فنان الشعب سيد درويش فى ذاكرة أصدقاء طفولته

محمد البحر: أبى رفض أن تكون لى أية صلة بالموسيقى والغناء الشيخ مفرح محمود: بدأ بتقليد الشيخ «حسن زهرى» على...