«يوم حلو ويوم مر» فى حياة «محمد صديق المنشاوى»

تعلم التلاوة فى أخميم.. وأول أجر يتقاضاه 10 صاغ المواقف التى أبكت المنشاوى.. أقساها رحيل زوجته أجازته الإذاعة كقارئ بدون اختبار.. وأصبح قارئ «الجمهورية العربية» بعد الوحدة مع سوريا

«محمد صديق المنشاوى» هو أحد القراء المشاهير فى عالم التلاوة منذ الخمسينيات، عرف بصوته الخاشع الباكى، وبدأ تلاوة القرآن فى سوهاج ووصل صوته لكل العالم، وهو سليل عائلة من قراء القرآن الكريم تمتد حتى الجد الأكبر فى محافظة سوهاج، لكنه كان الأشهر بينهم. وكان المنشاوى نموذجاً للشيخ المتفتح المستنير، فقد كان يحب السباحة ويمارسها فى النادى، ويقول إنها تعطى قوة للنفس وتوسع الصدر، وكان يشجع نادى الزمالك لكرة القدم.

ولد المنشاوى فى قرية «البواريك» بمركز المنشاة بمحافظة سوهاج فى 20 يناير عام 1920، والتحق بكتاب القرية وهو فى سن صغيرة، لكنه برع فى القراءة، وحدث أن أتيح له أن يقرأ القرآن فى احدى الليالى أمام جمع كبير، ومن هنا بدأ اسمه يتردد بكثرة بين الناس، عائلة «المنشاوى» توارثت التلاوة بداية من الجد الأكبر «سيد المنشاوى» الذى كان قارئا كبيرا، وكان الجد سببا بعد الله عز وجل فى تحفيظ القرآن لأبنائه «صديق وأحمد»، وقد أنجب «صديق» ثلاثة أبناء هم «محمد» و«محمود» و«أحمد»، والأول هو الذى ذاع صيته فى جميع أنحاء الجمهورية، معلماً وقارئاً، ووهب كل حياته للقرآن الكريم، ومن بعده حمل الراية شقيقه الشيخ محمود المنشاوى.

تعلم «محمد صديق المنشاوى» القراءة على يد الشيخ «محمد المسعودى»، وأتم حفظ القرآن الكريم وهو فى الثامنة؛ وكان للشيخ المنشاوى عم اسمه «أحمد السيد» يعيش فى نفس القرية «البواريك» بالمنشاة، وأتم «المنشاوى» الصغير حفظ ودراسة القرآن على يديه، كما تتلمذ على يد مشايخ آخرين، منهم «محمد النمكى» و«محمد أبوالعلا» و«رشوان أبومسلم» الذى لم يكن يتقاضى أجراً على تعليم القرآن فى عام1927، وأول سهرة كانت لـ«محمد صديق المنشاوى» رافق فيها والده فى قرية «أبار الملك» بمركز أخميم بسوهاج ونال اعجابا شديدا وأجر يقدر بـ 10 صاغ.

 الإذاعة تبحث عنه

الشيخ «محمد صديق المنشاوى» أول قارئ تذهب الإذاعة إليه ولا يذهب هو إلى استوديوهاتها، نظراً للجماهيرية الكبيرة التى كان يحظى بها فى سوهاج وفى مركز إسنا، فما أن سمعت الإذاعة بذلك الصوت، حتى انتقلت إليه وهو فى مطلع شبابه وقبل شهرته بمعداتها لتسجيل قراءاته، خاصة عندما رفض خوض اختبار الإذاعة المصرية لاعتماده قارئا كغيره ممن خاضوا الاختبار، وفى عام 1953 اعتمدته الإذاعة بعد أن عرضت تسجيلاته على اللجنة وأقرتها، وكان أول أجر له 12 جنيها فى النصف ساعة، وفى عام 1967 بلغ أجره فى الإذاعة 25 جنيها، لأن صوته كان قد وصل إلى الملايين فى البيوت، وذاع صيته فى البلاد العربية والأجنبية، فوقع عليه الاختيار ليكون قارئ الجمهورية العربية المتحدة أثناء الوحدة بين مصر وسوريا، وقرأ الجمعة الأولى فى القاهرة من مسجد الزمالك كقارئ مكلَّف من قِبَل وزارة الأوقاف، والجمعة الثانية فى مسجد «لا لا باشا» بدمشق، كما سجّل أيضاً القرآن الكريم بصوته لإذاعة سوريا ولندن.

 ملك ليبيا

قال «صديق» حفيد الشيخ «محمد صديق المنشاوى» إن والده اعتاد أن يسهر فى رمضان من كل عام عند الملك إدريس السنوسى فى ليبيا، حيث كانت تأتيه دعوة خاصة من الملك، وفى إحدى السنوات انتظر الدعوة ولم تأت، ثم أبلغته السفارة بأن الملك أرسل له رسالة إلى وزارة الأوقاف ليحضر رمضان، فأخبرهم أنه لم يصله أى شىء، واتضح أن أحد القراء الكبار الذى يأكل ويشرب معه ويفتح له الشيخ محمد المنشاوى بيته يقف وراء عدم وصول الرسالة، فما كان منه إلا أن أخذته العاطفة وأخذ يبكى.

واستطرد «صديق» فى الحكى عن علاقات جده بالسياسيين قائلاً: «لم يكن للشيخ «محمد صديق المنشاوى» دخلاً بالسياسة إطلاقاً، على الرغم من أنه كان يجالس كبار السياسيين، وعندما جاء الملك فاروق لافتتاح أحد الكبارى الذى يوصل من سوهاج لأخميم، تلقى الشيخ دعوة، ولم يكن قد دخل الإذاعة وقتها، وكان الملك قد حضر بـ«الذهبية»، وهى الباخرة الخاصة به، وجلس يتناقش معه فى بعض أمور الدين، ومرة أخرى ذهب لزيارة الملك فى قصره بالقاهرة، أما بالنسبة للرئيس عبدالناصر فقد كان يحبه ويدعوه دائماً لتلاوة القرآن فى كل المناسبات.

 تراث التلاوة

للشيخ المنشاوى تسجيل كامل للقرآن الكريم مرتَّلا برواية حفص عن عاصم، وهى الرواية المشهورة فى مصر، بخلاف الختمة القرآنية الإذاعية المجوَّدة، لكنها لم تكن كاملة، كما كان له قراءة أخرى برواية «الدُّورى» لكنها بالاشتراك مع الشيخين كامل البهتيمى وفؤاد العروسى، كما كان له العديد من التسجيلات فى المسجد الحرام بمكة المكرمة والمسجد النبوى بالمدينة المنورة والمسجد الأقصى بالقدس، وفى العراق وإندونيسيا وسوريا والكويت وليبيا وفلسطين والمملكة المغربية.

أما أجمل الأيام التى قضاها الشيخ المنشاوى فى حياته، إلى جانب الحفلات التى أحياها بالدول العربية، كما قال حفيده «صديق»: «لقد حكى لى والدى أنه كان يزورنا فى المنزل الشيخ محمد رفعت، ووجده أبى يصلى الفجر، ثم قرأ الآية الكريمة التى تقول «رب أنى أسكنت من ذريتى بواد غير ذى زرع عند بيتك المحرم»، وقالها بروحانيات عالية، فظل والدى يبكى لأنه شعر بمدى الحزن الذى كان به وهو يقولها، حيث كانت زوجته قد توفيت فى الحج.

وقال صديق الحفيد إن جده تزوج مرتين، أنجب من زوجته الأولى ثلاثة أبناء، ولد واحد وبنتين، ومن الزوجة الثانية أنجب خمسة أبناء، ولد واحد وأربع بنات، وقد توفيت زوجته الثانية قبل وفاته بعام واحد.

 مقتنيات منسية

وقال «صديق» إن دولة الإمارات اشترت مقتنيات عائلة الشيخ «المنشاوى»، ومنه ا الملابس الخاصة بالشيخين محمد ومحمود المنشاوى، ولم يطلب أحد فى مصر هذه المقتنيات لوضعها فى متحف خاص بقراء مصر الذين لم يأت الزمان بمثلهم، لكن الإذاعة تقوم بالاحتفاء بهؤلاء القراء كل عام فى ذكرى رحيلهم.

وقال «صديق» إن صوت الشيخ «طه الفشنىى» فى التلاوة كان أكثر الأصوات المحببة للشيخ «المنشاوى»، كما أحب كذلك التواشيح الدينية التى اشتُهر بها، وكان يعشق تلاوة الشيخ «محمد رفعت» للقرآن، ولعله كان الصوت الوحيد الذى يسمعه عندما يختلى بنفسه، وكان من أصدقائه المقربين الشيخ «عبدالباسط عبدالصمد» والشيخ «البنا» والشيخ «البهتيمى» والشيخ «الشعشاعى»، وكان يحب أن يزورهم، ولم يكن يمر أسبوع واحد إلا ويجتمعون معا، كما كان عاشقا لصوت ام كلثوم ويصفه بالقوة والفخامة.

 يوم حلو ويوم مر

وقال «صديق» إن يوم إعلام الوحدة بين مصر وسوريا كان أكثر الأيام سعادة لدى الشيخ «المنشاوى»، حتى ظل عشرين يوماً فى سوريا، أما أصعب الأيام فقد كان يوم وفاة زوجته، حيث تركت له طفلة عمرها ستة أشهر، لكن وقوف الشيخ «عبدالباسط عبدالصمد» والشيخ «مصطفى إسماعيل» بجانبه أعطاه القوة والصبر، وكان أصعب شىء عليه سؤال ابنته الصغرى عن والدتها وقولها له: «فين ماما يا بابا»، وكان السؤال يؤثر فيه جدا.

 الأيام الأخيرة

أول رحلة خارج مصر للشيخ «المنشاوى» كانت فى إندونيسيا عام 1955، ومنحته الحكومة الإندونيسية وساماً رفيعاً، كما حصل على أوسمة عدة من دول مختلفة، أهمها لبنان وباكستان، وقرأ القرآن الكريم فى المسجد الأقصى والمسجد النبوى.

وفى عام 1966 أصيب الشيخ «المنشاوى» بمرض دوالى المرىء، وهو المرض الذى لازمه فترة طويلة من حياته، لكن بالرغم من مرضه ظل يقرأ القرآن، حتى مع تحذير الأطباء بعدم إجهاد نفسه فى القراءة، حتى لا يُثار المرىء، إلا أنه واصل قراءاته، وفى 20 يونيو عام 1969 توفى متأثراً بمرضه، قبل أن يسافر بأوامر من الرئيس عبدالناصر إلى لندن لتلقى العلاج عن عمر يناهز 49 عاماً.

سماح جاه الرسول

سماح جاه الرسول

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من المجلة زمان

اللواء أحمد فتحى عبد الغنى يكشف تفاصيل استعدادات الجيش الشعبى لمعركة العبور

التنظيمات الشعبية تتكون من منظمات أو فرق يجرى اختيارها وفق اشتراطات طبيعية والسن لا يقل عن 18 سنة مدرسة الدفاع...

ملوك الجدعنة والمقاومة .. فى كل حارة مقاتل من الجيش الشعبى

الشعب رفع شعار «كلنا هنحارب» .. متعلمون وصنايعية تطوعوا لمواجهة العدو على الجبهة الداخلية فرق المتطوعين تعلمت درسًا من طائرات...

سر أول عملية عبور تمت فى يوليو 1967

الصحف العالمية وصفت خطاب السادات بأنه الأخطر كانت قواتنا المسلحة مزودة بكل التجهيزات الفنية والهندسية لعبور المانع المائى القذافى: المعركة...

فى لقاءات نادرة منذ 69 عاما فنان الشعب سيد درويش فى ذاكرة أصدقاء طفولته

محمد البحر: أبى رفض أن تكون لى أية صلة بالموسيقى والغناء الشيخ مفرح محمود: بدأ بتقليد الشيخ «حسن زهرى» على...