الفريق سعد الدين الشاذلى يكشف أصعــب ساعات العبور العظيم

قبل 50 عاما كانت مصر تشتاق لمعركة كاملة وشاملة تواجه فيها قوات الاحتلال الإسرائلى الغاصب لأرضنا في سيناء وأراضي اشقائنا في سوريا وفلسطين، وكان كل مصري يمني نفسه بمواجهة فاصلة نثأر فيها لكرامتنا وكرامة أمتنا العربية.

وكانت مهمة الصحافة الوطنية في هذه الأجواء تدور في فلك البحث عن لقاء عابر تتلمس عبره طريق الإعداد لهذه المعركة، ونجحت مجلة الإذاعة والتليفزيون قبل 50 عاما، بل وقبل معركة العبور بأيام في ان تفوز بلقاء مطول مع رئيس أركان القوات المسلحة الفريق سعد الشاذلى، أجراه الزميل أحمد حامد، واعقبه لقاء ثان مطلع ديسمبر من عام 1973، وهو اللقاء الذي نعيد نشره الآن.

ليست هذه هي المرة الأولى التي يلتقي فيها قراء مجلة الاذاعة والتليفزيون، بالفريق سعد الشاذلي رئيس أركان حرب القوات المسلحة، بل هي المرة الثانية . فالأولى كانت بالتحديد قبل نشوب معارك ٦ أكتوبر باسبوعين تماما، وكان حديثي معه حول لعبة الشطرنج، بصفته رئيس شرف الاتحاد المصرى للعبة.

 وهذه المرة التي نلتقي فيها بالفريق الشاذلي، تجئ بعد حرب أكتوبر، التى حقق فيها المقاتل المصرى نصرا عظيما، ولم يكن لقائي به بموعد رتبناه اوضربناه قبل اللقاء، ولكنى التقيت به في الطريق إلى ارض المعارض بالجزيرة، حيث يقام هناك "معرض الغنائم" الذي تقيمه القوات المسلحة للأسلحة الاسرائيلية المختلفة، ولما رآني اقترب منه، وهو مازال داخل عربة « الجيب »، ابتسم ابتسامة عريضة، وقفت معه، وضحك من اعماقه كثيرا، وقال: كيف عرفت أني قادم اليوم هنا ؟ قلت، يبدو أن القدر يقودني لسبق صحفى، وهو الذى رتب وحده هذا اللقاء، و أستاذنت منه في التجول داخل المعرض، فقال لى :إننا مازلنا في دور الاعداد ويمكنك أن تنتظر بضعة أيام إلى أن ننتهى من الإعداد لهذا الحدث، ولكني ألححت في الرجاء فوافق على ذلك.

وبهمة القائد الذي يحرك جنوده في ميدان القتال، راح في نشاط وذكاء شدیدین، يوضح الأماكن، التي ستوضع بها الغنائم الإسرائيلية، ( الدبابات بأنواعها، العربات المدرعة، العربات المجنزرة، الأسلحة الثقيلة، الأسلحة الخفيفة، الطائرات بأنواعها، والدانات التي لم تنفجر بعد)، وبعد الجولة السريعة النشيطة في تخطيط أرض المعرض الأول من نوعه في حياة مصر، جلست مع الرجل.

 القيادة الرشيدة

قلت: لست أدري كيف أبدا معك وعشرات العشرات من الاسئلة، تتسابق - إليك، لكن قبل كل شيء، أحيى العمل العظيم، الذي قامت به قواتنا المسلحة في ٦ أكتوبر العظيم. وقال الفريق سعد الشاذلي، رئيس أركان حرب القوات المسلحة: إنها تحية مردودة، لأن هذا الذي حدث، كان من صنع شعبنا العظيم، ومن صنع القيادة الرشيدة التي تتمثل أولا وأخيرا، في رئيسنا محمد أنور السادات، وما يفعله لا يمكن إلا أن يكون في صالح مصر والأمة العربية، التي وقفت معه وقفة رجل واحد، في وحدة، في حد ذاتها نصر عربي كبير، اذهل عدونا كما اذهلته قواتنا المسلحة.

 قلت : أصبح المقاتل المصرى أنشودة العالم وأغنيته المفضلة لما قدمه من بسالة نادرة .

وهنا قال الشاذلي: كان أعداؤنا يشككون العالم في مقدرة المقاتل المصرى، لأنه لم يواجههم في الحروب السابقة المواجهة الفعالة، وعلى هذا الأساس، راحت أبواق الصهيونية، تقول ما قالته عنه، لكنه منذ ٦ أكتوبر، وبعد الدرس العملي الذي حدث، استطاع العالم أن يعرف.. ويعترف بمقدرة وكفاءة المقاتل المصرى القتالية، لاننا هيأنا له المواجهة الكاملة مع العدو، وقد اعترف وزیر دفاعهم، أن المقاتل المصرى قاتل بشراسة وشجاعة إلى الحد الذي جعلهم يعتقدون في إسرائيل أننا قمنا بصرف حبوب الشجاعة لجنودنا قبل المعركة، وقد علمنا من جنودنا الذين عادوا من الأسر أخيرا أن المستجوب الإسرائيلي كان يركز في اسئلته على تلك الحبوب وأثرها على المقاتل!! وكنا نضحك ونحن نسمع، بل ونهزأ من تفكيرهم بأنهم تارة يسلسلون طياريهم في مقاعدهم وتارة يتكلمون عن حبوب الشجاعة، وينسون دائما الإيمان والعقيدة وأثرها على المقاتل.

 قلت: الشعب يری الآن، دبابات العدو في الميادين، وتقيم القوات المسلحة، معرضا لغنائمها من العدو.

قال الشاذلي: وصلت آلاف الرغبات من الشعب، لزيارة جبهة القتال، ومشاهدة ما حدث في معركة العبور، ولهذا، وبتوجيه من الرئيس السادات، نقيم الآن المعرض، ليشاهد الشعب فيه نموذجا لخط بارليف، الذي قهره المقاتل المصرى، وليري بعضا من الأسلحة والمعدات التي استطاع ابناؤه الاستيلاء عليها بشجاعتهم وحسن امدادهم وقوة إيمانهم.

ويقول الفريق الشاذلي: قد اظهر الكثير من كبار السياسيين والدبلوماسين والعسكريين الأجانب رغبتهم في زيارة الجبهة، وحيث أن الإكثار من هذه الزيارات قد يعطل أعمال رجالنا في الجبهة، فإننا نرى أن زيارة المعرض بواسطة الغالبية العظمى من المصريين والأجانب قد تعوضهم عن زيارة الجبهة في هذه الظروف، ولا سيما أن المعركة لم تنته بعد، ويجدر بنا أن نترك لرجالنا من المقاتلين الوقت اللازم للتجهيز والإعداد.

قلت :لقد حاربت قواتنا المسلحة ببسالة نادرة، خاصة في معركة الدبابات الشهيرة، والتي سيطرت كثيرا على أرض المعركة بعد الضربة الجوية الأولى، ويقول البعض إن الدبابة بعد هذه الحرب فقدت مميزاتها، وهناك تفكير لإبعادها بعد ذلك من ميدان القتال.

وقال الفريق الشاذلي :مما لاشك فيه أن الصواريخ المضادة للدبابات تشكل عدوا رهيبا للدبابة، وقد كانت هذه الحقيقة معروفة إلى حد ما قبل بدء عملياتنا الأخيرة، ولكن حرب ٦ أكتوبر  أكدت هذه الحقيقة في جميع انحاء العالم، حيث أن هذه هي أول حرب حديثة تتصارع فيها الدبابات والصواريخ المضادة للدبابات هذا الصراع الرهيب، وقد نجحت قواتنا من المشاة في صد جميع الهجمات المضادة التي قام بها العدو بدباباته، بفضل هذه الصواريخ المضادة للدبابات، في الوقت الذي لم يكن معنا دبابة واحدة في رؤوس الكباري في الساعات الأولى من العبور، وقد تعلم العدو واصدقاؤه هذه الحقيقة بسرعة كبيرة، وجلب من أمريكا بالطائرات أعدادا كبيرة من هذه الصواريخ في الأيام الأولى للحرب .

ويواصل الشاذلى: في اليوم الثامن للعمليات، عندما بدأت دباباتنا في التقدم نحو الشرق لتخفيف الضغط عن سوريا، اكتشفنا أن العدو لديه أعداد هائلة من هذه الصواريخ، بل ومن أحدث أنواعها، ويكفي أن تعلم بأن بعض هذه الصواريخ مجهزة بحواسب إلكترونية وعيون تليفزيونية، وبعضها مجهز برؤوس باحثة عن الحرارة، مما يجعل إصابة الصاروخ للدبابة وهي على مسافة حوالي ٤ كيلومترات عملية تكاد تكون مؤكدة، علما بأن هذه المسافة تعتبر خارج مدى الرمي المباشر بالنسبة لمدفع الدبابة، وليس عندنا فقط، بل في جميع الدبابات المعروفة في العالم، وقد كانت هذه الصواريخ من الأسباب المباشرة لإيقاف تقدمنا في هذا اليوم.

ويؤكد الشاذلي: مع ذلك يجب ألا نعتقد أن الصواريخ المضادة للدبابات قد قهرت الدبابة وحلت محلها، حيث أن ذلك يعتبر تصورا خاطئا لا يستند على دراسة، لأن الصواريخ المضادة للدبابات كأى سلاح جديد قد فتنت الكثير من العسكريين، ولكن بالتعمق في التفكر يتضح تماما أن هذه الصواريخ كأي سلاح آخر له نقاط ضعف، وأن القائد الناجح هو من يحاول دائما أن يستغل نقاط القوة في سلاحه، وأن يحاول جاهدا أن يمنع خصمه من استغلال نقاط الضعف في هذا السلاح، وإذا تكلمنا بلغة الشطرنج فإنه يمكن القول بأن قواعد اللعب ثابتة، ولكن يجب علينا أن نغير من أسلوب اللعب، وهذا ما يشغل تفكرينا، بل ويشغل تفكير جميع العسكريين في العالم الآن، وفي النهاية استطيع أن اؤكد أن الدبابة لم تفقد امكانياتها كسلاح هجومی، ولكن أسلوب عملها كجزء من المعركة المشتركة التي تساهم فيها الأسلحة الأخرى.. وتوقيت هذا العمل سوف يتغير ضمن السيمفونية التي يضعها ويخرجها القائد في الميدان.

 قلت: أعود واسأل عن الأيام التي سبقت يوم ٦ أكتوبر العظيم، وماذا قبل العبور العظيم، وبماذا كنت تشعر تجاه ما يقوم به الرجال، خاصة وأن ساعة الصفر كانت معروفة لديكم.

قال الشاذلى: لقد سبق أن تكلمت عن التغلب على المشاكل التي قابلتنا ونحن نعد أنفسنا للعبور العظيم، ولا اريد أن اكرر نفس الكلام، ولكن الشيء الذي كان يقلقنا دائما هو كيف تستطيع أن تفاجئ العدو؟ لقد نجح العدو في مفاجأتنا عام ١٩٥٦ وعام ١٩٦٧ فكيف نفاجئه عام ۱۹۷٣، وقد وضعنا لذلك خطة خداع جرى تنفيذها قبل المعركة بعدة أسابيع، بل إن خطة الخداع هذه كانت ضمن خطة خداع أكبر سبقت ذلك بعدة شهور. وعلى سبيل المثال قمنا باستدعاء جنود الاحتياطي للتدريب، ثم سرحناهم عدة مرات مرات، ابتداء من ينایر ١٩٧٢ بلغ في مجموعها أكثر من  عشرين مرة.. حتى تعود العدو على ذلك،  وصدقه تماما، ثم جاء استدعاء الاحتياطي قبل معركة أكتوبر بأيام، فالتهم العدو الطعم كما التهم غيره من أساليب  الخداع الأخرى، ومع كل ما اتخذناه من حرص وخداع فى اخفاء نوايانا، فقد كنا نعتقد أنه سوف یکشف نوايانا قبل المعركة بحوالي ثلاثة أيام، واعددنا الخطة لذلك، وكانت الأيام التي سبقت المعركة تسير في بطء شديد، وكنا نعد الأيام تمام، ثم أصبحنا نعد الساعات، وكنا نركز أعيننا وآذاننا على العدو خلال هذه الأيام الرهيبة، لكى نكتشف أي تصرف للعدو يوحي بأنه قد أحس بنا، ولكن جميع التقارير كانت تؤكد أن العدو أما إنه في سبات عميق، وإما أنه يرى ويسمع ولكنه لا يصدق ما يراه وما يسمعه، لأننا في نظره لا نستطيع أن ننفذ ما نتظاهر بأننا قادرون عليه.

يواصل الشاذلى: لا اخفى عليك أنني كنت اشعر بالقلق قبل بدء المعركة، ليس القلق الناتج عن الخوف من النجاح في العبور، فقد كنت واثقا أننا بعون الله سوف ننجح فى عبور القناة، ولكن درجة هذا النجاح كانت متوقفة على القدر الذي نحققه من المفاجأة، وفي صباح يوم الخميس ٤ أكتوبر أصبح واضحا أننا نجحنا في تحقيق قدر كبير من المفاجأة، لأن العدو حتى لو عرف بنوايانا في هذا الوقت فإنه لن يستطيع أن يتم عملية التعبئة الشاملة لقواته قبل بدء المعركة، وازداد أملنا في أن نحقق المفاجأة التامة، وكانت أعداد القادة والضباط الذين يعرفون وقت الهجوم تتزايد كل يوم إلى أن عرف الجنود بأن ما يقومون به من مشروع تدريبي إنما هو الهجوم التاريخي لعبور قناة السويس، وكان ذلك قبل بدء الهجوم الفعلي بساعات قلائل.. يوم السبت ٦ أكتوبر، ومع تزايد عدد العارفين بتوقيت الهجوم تزداد فرص تسرب المعلومات، نتيجة عدم الحرص والتباهي بالمعرفة وعدم تقدير المسئولية.

ويضيف الشاذلى: كان مثلنا كمثل طالب يدخل الامتحان واطلع على ورقة الأسئلة، فوجد أنه يلم بجميع الإجابات الصحيحة على هذه الأسئلة، فازداد طموحه ولم يعد يفكر في النجاح، بل كان يتطلع إلى تحقيق نجاح باهر، وكانت كل ساعة تمر دون تصرف من العدو يوحى بأنه أحس بنوايانا تقربنا من المفاجأة التامة، وبالتالي يزداد قلقنا، إلى أن دقت الساعة الثانية من ظهر ٦ أكتوبر ٧٣، وعبرت القناة أكثر من ٢٠٠ طائرة قتال في اتجاه الشرق، معلنة أن مصر قد بعثت من جديد، وأن الصدمة التي أنذر الرئيس محمد أنور السادات بأنها ستوقظ إسرائیل واصدقائها من سباتهم أصبحت حقيقة واقعة .

ويكمل الشاذلى: الحمد لله لقد نجحنا في تحقيق المفاجأة التامة، ولقد زال القلق وحل محله الثقة بالنفس والإيمان بالنصر – وكان الرئيس يتولى القيادة بنفسه في هذه اللحظات الحاسمة من تاريخ مصر، ويعاونه الوزير والقائد العام للقوات المسلحة.. وأنا، وباقي هيئة القيادة، وتبادلنا التهنئة، وازداد شعورنا بأن الله معنا، وأن النصر آت بإذن الله .

Katen Doe

عايدة محسب

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من سياسة

مصر والسعودية جناحا الأمة وركيزة استقرار الأمـن القـومى العربى

جاءت زيارة وزير الخارجية السعودى الأمير فيصل بن فرحان إلى القاهرة مؤخرًا فى توقيت بالغ الدقة والحساسية، ليس فقط بسبب...

الاعتـراف بـ«صومالى لانـد».. حماقــة إسرائيلية جديدة.. والعواقب وخيمة

شبانة: تحرك خبيث لاستكمال مخطط التهجير الزغبى: تحالف شيطانى ثلاثى.. فى توقيت حرج الطويل : تدويل البحر الأحمر وتوغل إسرائيلى...

العالم يترقب طبول الحرب العالمية الثالثة والصين تتخلى عن هدوئها

السفير معتز أحمدين: القوة الأمريكية تتآكل.. وكل دولة تسعى لتعظيم مكاسبها هانى الجمل: إعادة هندسة أمريكا اللاتينية.. وفنزويلا ساحة للصراع...

وسط اشتعال الصراعات بين الأقطاب الكبرى.. حدث ضخم ينتظــر العالم

الاتحاد الأوروبى يستعين بالقدرات المصرية فـى الأمن والدفاع.. و«القاهرة» تُحدّد مطالبها مصر تفتح ذراعيها للمبدعين.. ومزيد من الحوافز والتيسيرات للمستثمرين...


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص