«الأشباح» أبطلت مفعول «الصناديق الصفراء» قبل أيام من ساعة صفر حرب «يوم الغفران»/ علاج الأسرى نفسيًا بالطواف حول أطلال نقاط إسرائيل الحصينة في سيناء وهضبة الجولان/ أسير يتوعد بقتل ضابط استخبارات إسرائيلي يجر في قدمية «شبشب» ويرتدي سروالًا قصيرًا
رغم مرور نصف قرن على حرب أكتوبر 73، لم تندمل جراح جنود الأسرى الإسرائيليين، فإذا كان الاستسلام بين أيادي المصريين على الضفة الشرقية لقناة السويس مُرًا، فالأشد مرارة هو تخلِّي وزير الدفاع في حينه موشي ديَّان عن مسؤولية اتخاذ قرار الاستسلام، وتركه معلقًا في رقبة جنود لم تتجاوز أعمارها 21 عامًا على الأكثر.. الأنكى من ذلك هو الاستقبال المشين، والمعاملة السيئة، وألوان التنكيل التي لقتيها الأسرى من قادة جيش الاحتلال بعد عودتهم من مصر، وفور هبوط طائرتهم في مطار «اللد».
قبل إقلاع الطائرة من القاهرة إلى قبرص، واستقلال طائرة إسرائيلية من مطار «لارنكا» الدولي حيث طريق العودة إلى تل أبيب، تقاطعت الأحلام الوردية مع انكسار الجنود الأسرى. حينئذ ظن أصحابها تدثرًا بدفء العودة للأهل والأصدقاء ورفاق السلاح؛ لكنهم فوجئوا بعبوس ووحشة الاغتراب، ترجمتها أوامر اعتقال بعد ساعات العودة للمنزل، وتحقيق واستجواب لمدة أسبوعين في منشأة «زخرون يعقوب» العسكرية؛ كأنهم كانوا يعاقبون على ذنب لم يقترفوه، ويسددون «فاتورة خطايا» قادة المطبخ السياسي قبل العسكري، وخرس تلقي الأوامر العسكرية في أوقات عصيبة، واستهانة بخصم عنيد، ظنوا خلوده في مربع الموت بعد 67.
50 عامًا وضعت أسرى الماضي غير البعيد على نهاية العقد السابع من العمر، اجتمع من بقى منهم على قيد الحياة لسرد ذكريات الألم والإهمال وبكائيات مصير الهزيمة، ومواجهة الجندي المصري وجهًا لوجه داخل حصون بارليف الحصينة؛ و«عجة الـ300 بيضة» التي صنعها المصريون ليلة اليوم الثاني من معارك النصر، والرقص والغناء فرحًا على أنقاض وحطام هزيمة إسرائيل.
رحلة حيفا
بعيدًا عن المستويات الرسمية في تل أبيب، قررت جمعيتان إسرائيليتان، تطلق إحداهما على نفسها «إيرز»، والثانية «يقظون في الليل» العودة بالأسرى الإسرائيليين إلى الماضي؛ واعتبرت الخطوة تصحيحًا لما وصفته بـ«تعامل إسرائيل غير اللائق مع أسراها في 73».. قبل عدة أشهر حشدت الجمعيتان تبرعات بما قيمته 6,5 مليون شيكل (الشيكل يعادل 0,26 دولار)، لتغطية تكاليف رحلة تبحر من ميناء حيفا شرق البحر المتوسط بـ350 راكبًا من بينهم 160 أسيرًا في حرب «يوم الغفران» وزوجاتهم.. بالتوازي مع جمع التبرعات، نص برنامج الرحلة على الانطلاق يوم 8 أكتوبر 2023 على متن مركب «كاموميلا» الإيطالية إلى مدخل قناة السويس، ومن هناك تمر المركب بسرعة بطيئة في القناة حتى يتمكن مستقلوها من مشاهدة آثار المعارك والنقاط التي انتشل منها المصريون الجنود الإسرائيليين وأودعوهم أسوار الأسر.
ووفقًا لبرنامج الرحلة، تنطلق السفينة إيطالية الجنسية إلى ميناء إيلات، ومنه تقل طائرة مروحية من طراز «هيركوليس» التابعة لسلاح الجو الإسرائيلي ركاب «كاموميلا» حتى خط التماس بين سوريا وإسرائيل في هضبة الجولان المحتلة، ومن هناك إلى مطار «اللد»، الذي هبطت فيه طائرة الأسرى الإسرائيليين قبل 50 عامًا، حيث تقام مراسم لأسرى حرب «يوم الغفران»، وربما يحضرها وزير الدفاع يوآف جالنت، أو كبار المسؤولين نيابة عنه، حسب برنامج الرحلة.
اعترفات الأسرى
استعرضت صحيفة «يسرائيل هايوم» برنامج الرحلة التي يدور الحديث عنها دون أية إشارة من قريب أو بعيد إلى إمكانية خروج الجولة إلى حيز التنفيذ؛ فإسرائيل التي لم تكرِّم أسراها في الماضي بشهادة الأسرى العائدين في حينه من القاهرة، لن تتراجع عن موقفها بدليل تخليها حتى عن المشاركة في تمويل الرحلة بعد مرور 50 عامًا. لكن الصحيفة ركزت على اعترافات الأسرى وسرد ذكريات الأسر الأليمة في حرب أكتوبر 73.. ويبدأ طرف الحديث أسير الحرب الإسرائيلي أوري أرينفيلد (70 عامًا)، مشيرًا إلى أنه ورفاقه تعرضوا لمعاملة مهينة بعد العودة إلى إسرائيل؛ لكن رفيقه الأسير يجال كحلوني (69 عامًا) يتحدث بجدية أكثر من سلفه قائلًا خلال لقاء صحفي مع «يسرائيل هايوم»، ضم عددًا من رفاق الأيام الخوالي: «نشأت في تل أبيب؛ وفي الثامنة عشرة من عمري، انضممت إلى وحدة جولاني (عمليات خاصة)، وأودعتني القيادة دورة اتصال للمقاتلين. وفي فبراير 1973، انتقلنا لخوض تدريب كبير في سيناء. آثرت حينها البقاء بعد التدريبات في سيناء، وذلك طمعًا في «الحلوى» التي كانت تقدمها القيادة لجنود الخدمة في شبه الجزيرة، وهى الحصول على أجازة في المنزل لمدة أسبوع عن كل أسبوعين في الوحدة العسكرية».
ويعود يجال بذاكرته إلى الوراء: «كان موقعي في سيناء على بعد 800 متر فقط من البحيرة المرة الكبرى في القطاع الأوسط من شبه الجزيرة. كنت الجندي الوحيد من جنود الخدمة الإلزامية، أما بقية جنود الموقع فكانوا من قوات الاحتياط، وكنا طيلة الوقت نعيش حالة استرخاء واستمتاع بـ«جنة سيناء الخلابة». وفي بداية سبتمبر 73، انكسر الهدوء، وبدأ القلق يتسلل إلى صدورنا، لاسيما بعد إضافة مئات الجنود إلى المواقع المصرية المواجهة لنا. أبلغت كل تفاصيل هذا التغيير للقيادة. وفي نهاية سبتمبر أبلغنا القيادة بتقارير مفصلة حول وصول مئات المعدات الثقيلة على الجبهة المصرية، فضلًا عن وصول مئات الشاحنات، وناقلات الجنود المدرعة، والصواريخ المضادة للدبابات، والمدافع الرشاشة الثقيلة».
من أنا؟
ويستطرد الأسير الإسرائيلي العائد: «قبل أسبوع من الحرب، وصل إلى موقعنا العسكري اثنان من ضباط الاستخبارات العسكرية (أمان)، وقال أحدهما لي نصًا: «لماذا تنزعج من الحشود العسكرية المصرية. تقاريركم تشعل القيادة. لا داعي لها نهائيًا. نحن ندرك ما يجري لدى المصريين جيدًا، وأقول لك ورفاقك: لن يحدث شيء. لا شيء نهائيًا». حينها تساءلت: «حين يقول اثنان من كبار قادة الاستخبارات العسكرية ذلك؛ فمن أنا لأعترض؟!. أنا صبي لم يتجاوز من العمر 19 عامًا، وليس لدى خبرة هؤلاء».
في تمام الساعة الـ8 من صباح «يوم غفران 73»، وقفت سيارة رباعية الدفع بجوار موقع «الجندي الصبي»، ونزل منها ضابط يجر في قدمية «شبشب»، ويرتدي سروالًا قصيرًا. وحسب يجال: «وهو في حالة من الذعر، سألني الضابط بلهفة عن مكان «الصناديق الصفراء»، التي كان من المفترض أن تطلق لهيبًا من النيران على من يفكر في عبور القناة. اصطحبته إلى موقع الصناديق، لكنه اكتشف أنها معطلة تمامًا وممتلئة بالرمال. واكتشف أيضًا إبطال عمل الصندوق الرئيسي الذي كان منوطًا به تشغيل الآلية الأوتوماتيكية؛ كأن أشباحًا انتزعت تمامًا شبكة أسلاكه، ولا أمل في إصلاحها نهائيًا».
ويعترف أسير الحرب: «للأسف أبلغت القيادة قبل أيام بكل ذلك، لكن أحدًا لم يهتم، وكان الإهمال عنوانًا لكل التفاصيل على الجبهة. لماذا أحكي تلك القصة؟ لأن الضابط نفسه كان على علم باندلاع الحرب، وشاهد بأم عينيه أن مواقعنا وحصوننا خالية من الجنود.. كان على علم بأنها مجرد ساعات قصيرة وتندلع الحرب، لكنه مع ذلك لم يحذرنا.. بحثت عن ذلك الضابط على مدار سنوات طوال، وسأقتله إذا عثرت عليه».
أصوات ضجيج
في تمام الواحدة بعد ظهر «يوم الغفران»، قرر يجال الخلود إلى الراحة في أحد مخابئ خط بارليف الحصينة، لكنه استيقظ في الساعة الثانية والربع على أصوات ضجيج. اعتقد حينئذ أن أحد الرفاق يمازحه، لكن الضجيج لم يتوقف، وبدأت الرمال تتدفق من بين أحجار سقف المخبأ. ويضيف: «أخرجت رأسي من إحدى فوَّهات المخبأ المطلة على الخارج، فوجدت كل شيء ينفجر. ارتديت ملابسي العسكرية سريعًا وخرجت. من المستحيل وصف لهيب نيران المصريين. ركضت بين القنابل ووصلت إلى المقر المركزي، وعلمت حينها بالفوضى الرهيبة داخل كافة مواقعنا العسكرية والنقاط الحصينة على طول خط الجبهة».
على مدار ثلاثة أيام كاملة لم يهدأ تنكيل المصريين بالإسرائيليين؛ وفي يوم 8 أكتوبر، تمكنت دبابتان مصريتان من اقتحام موقع يجال ورفاقه، وكانوا هم آخر ما تبقى من الجنود الذين لقوا حتفهم في المواجهات. ويعترف الأسير الإسرائيلي: «فقدنا الاتصال بالقيادة تمامًا، ولم يتجاوب أحد مع استغاثاتنا المتكررة. وفي 9 أكتوبر، وقف المصريون على أسوار أكثر من موقع في خط بارليف. فقدنا حتى الذخيرة للدفاع عن الموقع وأنفسنا، فجرى حشد الجنود في مخبأ الموقع المركزي. ونظرًا لتقاعس قيادتنا العسكرية عن قصف المواقع المخلاه، لاسيما بعد اقتحامها من جانب المصريين. كنا نشم رائحة العجة التي صنعها الجنود المصريون من 300 بيضة كانت في الموقع. سمعناهم يغنون ويرقصون ابتهاجًا بهزيمتنا. وحين اقتراب أحد الجنود المصريين من الموقع المركزي، أطلقنا عليه النار، فانتبه زملاؤه لوجودنا، لتبدأ حينئذ معركة ضارية عند مداخل المخبأ، وهي معركة أطلق فيها كل طرف النار على الآخر من مسافة لا تزيد عن متر واحد؛ وقام المصريون بإلقاء قنابل الدخان، وكان كل شيء يقطر بالحرارة والنار».
استسلام القوة
ولا ينسى أسير الحرب تجاهل غرفة عمليات القيادة الإسرائيلية لاستغاثته، ويقول: «أبلغت القيادة وأنا أصرخ: «المصريون يطلقون النيران على موقعنا»، لكن القيادة لا ترد. أستغيث مرة تلو أخرى.. جرَّبت أكثر من جهاز وجميعها يعمل، لكن للأسف لا مجيب.. حتى يومنا هذا وبعد مرور 50 عامًا ما زلنا في انتظار رد القيادة».. في النهاية، قرر قائد الموقع التخلي عن إنقاذ إسرائيل، والاكتفاء فقط بإنقاذ حياة جنوده.. وبعد مفاوضات مع ضابط مصري، أعطى وعدًا بالحفاظ على حياة جنود الموقع، استسلمت القوة الإسرائيلية وباتت في عداد الأسرى لدى المصريين.. خرجت القوة الإسرائيلية واحدًا تلو الآخر بدون أسلحة وأياديهم مرفوعة وسط رقص وفرحة الجنود المصريين الذين احتشدوا في داخل وخارج الموقع الإسرائيلي».
أوري أهرنفيلد وشلومو آردنيست، خدما معًا في قطاع جنوب سيناء، وتحديدًا في نقطة بورتوفيق الحصينة؛ وفي حين كان الثاني (71 عامًا) ملازمًا شابًا إبان حرب 73، وتم تعيينه نائبًا لقائد قطاع الجنوب قبل 3 أشهر من اندلاع الحرب، وقاد 3 مواقع على امتداد 14 كيلو متر؛ ألحقت القيادة العسكرية الإسرائيلية الضابط أوري أهرنفيلد من الجولان إلى سيناء قبل ساعات قليلة من اندلاع الحرب.
قصة الأسر
ويروي أهرنفيلد قصته مع الأسر: «وصلت إلى الموقع في تمام الرابعة صباحًا يوم السادس من أكتوبر. كان معظم الجنود صائمون، ولم يكن لديهم القوة حتى لتقديم التحية، فقمت منفردًا بجولة في الموقع، وآثرت الجلوس في مكان معين. وفي تمام الساعة 1:55 قصف المصريون الموقع بقذائف ثقيلة. حينها كنت ضمن مجموعة الدعم الذاتية، فطلبت شخصًا يدافع عن الموقع لأتفرغ لتوزيع مهام القتال. ارتديت كامل ملابسي ومهماتي العسكرية، وصعدت إلى نقطة المراقبة. الموقع كان استراتيجيًا بما يعني تميزه بالسيطرة على القناة. وفي مساء يوم السبت أصيب جندي برصاصة بين عينيه فسقط قتيلًا».
أما شلومو آردنيست، فيرى أنه رغم المعارك الضارية التي دارت رحاها في الموقع، إلا أنه سقط ومن فيه بعد أسبوع من يوم الغفران. ويروي آردنيست قصة درامية بخصوص الاستسلام أمام المصريين: «في البداية لم أوافق على الاستسلام، كنت أعلم أننا عيون المنطقة، وآخر من لم يستسلم، وطالما نحاول منع بعض القوارب المصرية من عبور القناة في قطاع جنوب سيناء، فبإمكاننا مواصلة القتال. لكن المشكلة التي لم نستطيع التصدي لها هى عبور الدبابات المصرية بالفعل قناة السويس، إذ قامت بحصارنا حصارًا محكمًا».
هجوم عنيف
خلال الحصار، وفي 11 أكتوبر، حاولت قوة كوماندوز إسرائيلية انتشال الجنود المحاصرين، لكن القوة تراجعت وعادت أدراجها أمام هجوم مصري عنيف. وعلى خلفية تأزم الموقف حينئذ، يعود آردنيست بذاكرته إلى الوراء: «تلقيت اتصالًا من القيادة على الجهاز المشفَّر. سأل المتصل عن تقدير الموقف، فقلت: لدينا 5 قتلى، بالإضافة لتعرض بقية القوات لإصابات بالغة، ولم يتبق سوى عدد ضئيل جدًا من الأسلحة؛ وإذا تعرضنا لهجوم كبير فلن نصمد».
ويضيف الضابط آردنيست الشاب في حينه (21 عامًا)، قالوا لي: «في هذه الحالة (حال الهجوم)، استسلم. أجبت بأن الأمر (الاستسلام) غير وارد على الإطلاق، وأننا سنتحدث خلال 12 ساعة وأغلقت الخط. وبعد 12 ساعة اتصلت بهم مرة أخرى، وأخبروني مرة أخرى أنه يجب الاستسلام. تشاورت مع مقاتلين آخرين في النقطة الحصينة بما في ذلك أوري أهرنفيلد». وفي ثامن أيام الحرب، سأل آردنيست القيادة مجددًا عما إذا كان لابد من الانسحاب، فجاء الرد بالإيجاب: «نعم. هذا أمر عسكري، يجب تنفيذه».
ويلتقط أوري طرفًا من الرواية: «أقنعنا شلومو أن هذا هو الأمر، وبدأنا في تنظيم الاستسلام، وأحرقنا الأسلحة، ودمرنا المعدات، إلا أننا تلقينا في اللحظة الأخيرة رسالة من وزير الدفاع موشي ديَّان مفادها أن الأمر الصادر بحتمية الاستسلام جرى إلغاؤه، وأنه يجب علينا اتخاذ القرار بأنفسنا: إما الاستسلام وإما الاستمرار في القتال. كان خطئًا كبيرًا وعار لايمكن وصفه. وزير الدفاع لا يرغب في تحمل مسؤولية قرار الاستسلام، ويترك شابا يبلغ من العمر 21 عامًا ليقرر بنفسه مصير الموقع وقواته. إنه لعار عليه فعل ذلك حقًا».
زغلول فتحي
في 13 أكتوبر، وصل «الصليب الأحمر» إلى موقع بور توفيق الحصين، وتم وضع الجنود الإسرائيليين الـ37 الذين كانوا هناك على متن قوارب ونزلوا في ميناء بور توفيق. وعن هذا المشهد يقول أوري: «كنا نجلس على الأرض، ثم خرج ضابط مصري (اللواء أركان حرب زغلول فتحى، وكان خلال حرب أكتوبر ضابطًا برتبة «رائد»، وهو قائد الكتيبة 43 صاعقة)، واقتادني أنا وشلومو، وجندي آخر. وضعونا على متن قارب وأعادونا إلى الموقع مجددًا. أرادوا منا أن نبحث عن المزيد من قواتنا هناك، لكننا لم نعثر على قوات أخرى».
وحسب «يسرائيل هايوم»، فإنه بعد ما يقرب من 6 أسابيع في الأسر لدى المصريين، وبعد وضع الأسرى في مجموعات صغيرة على متن أكثر من طائرة، لم يصدقوا أنهم عادوا بالفعل وبعد طول انتظار إلى ديارهم. حتى الوصول إلى قبرص، لم يجرؤ أي منهم على الكلام، لأنه قيل لهم ألف مرة أنهم سيعودون إلى إسرائيل ولم يحدث ذلك في كل مرة. بعدها وفي نهاية المطاف فطن الأسرى إلى أن الأمنيات باتت حقيقة، وطوَّقهم انفجار هستيري من العواطف والفرح والغناء.
وهنا كانت المفاجأة كما يصفها شلومو: «كنت متأكدًا أن والدي سيكونان في انتظاري بالمطار، إلا أنه لم يُسمح لهما بذلك». بينما يقول أوري في حسرة: «كان هناك العديد من الأشخاص الذين رحبوا بنا في المطار، ولكن لم يكن بينهم أي من أفراد العائلة. كنت أظن أنهم في إسرائيل سيساعدونني في إعادة أشلائي التي تفككت أثناء الأسر، وأنني سأحتفل بحريتي. لكن جاءت سيارة أجرة وأوصلتني إلى المنزل بعد ظهر يوم السبت، وأخبرتني ضابطة الطوارئ التي رافقتني أنها ستأتي في صباح اليوم التالي، الساعة الثامنة، لتأخذني إلى الوحدة العسكرية».
طبيب أحمق
ويضيف أوري: «في صباح اليوم التالي، بعد رؤية عائلتي لبضع ساعات فقط، وصلت إلى وحدة «زخرون يعقوب» العسكرية. كانت هناك شرطة عسكرية عند الباب، وكان المكان محاطًا بسياج من الأسلاك. حالتنا الصحية السيئة لم تستدع تعاطفًا من أي شخص؛ ومكثت في غرفة لمدة 24 ساعة، اقتادوني بعدها إلى مصحة «بيت نيسان» في نتانيا، وحقننا طبيب نفسي عسكري أحمق بمادة بنتوتال الصوديوم (المعروفة)، باعتباره «الدواء الضروري». حقنة واحدة منه تجعلك واعيًا تمامًا، لكن ليس لديك أي دفاع، فأنت تجيب كالروبوت على كل ما يطلبونه منك».
بعد الاستجواب أكثر من مرة في وحدة «زخرون يعقوب» العسكرية، تم إرسال الأسرى العائدين إلى منازلهم، وتلقوا تحذيرات صارمة من الحديث عن الحرب، أو واقعة الأسر وما حدث فيها، أو التحقيقات التي جرت معهم في إسرائيل بعد العودة من مصر. ويقول أوري: «على مدار 25 عامًا، منعونا حتى من تبادل الحديث فيما بيننا عن الحرب. واجه كل منا أثر الحرب بمفرده، رغم أن صدمة أكتوبر 73 تفقدنا حتى اليوم وبعد مرور 50 عامًا أية شهوة للحديث عن شريط الذكريات المؤلم».
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
أكد الدكتور حسان النعماني، رئيس جامعة سوهاج، أن ما قدمته الجامعة من دعم للطلاب، والذي تجاوز 10 ملايين جنيه خلال...
رسالة واضحة إلى الإدارة الأمريكية.. النائب أشرف سليمان: مصر قادرة على حماية مصالحها.. ولا تنتظر دعماً من أحد د. هبة...
لا تفريط فى ذرة من تراب الوطن.. ولا نقبل المساومة على حقه وأرضه تقسيم السودان «خط أحمر ».. وغير مسموح...
هلا أبو سعيد: حكومة الاحتلال تتغذى على الحروب.. والعدو لايلتزم باتفاقات حسن صبرا: «عبدالناصر» قالها زمان.. السلام بدون دفاع عنه...