همسة قلم - العام الجديد والسعادة

السعادة لغز، كيمياء غامضة، نسبية جدا مع الاعتذار لأينشتاين وكلنا يبحث عن السعادة، وهنا أجدنى أردد أغنية إسماعيل ياسين

 العبقرية "قولى ايه هيه السعادة قولى ياصاحب السعادة"..هل هى المال وماذا يفيد المال مع المرض، هل هى الصحة؟ أسمعك تقول الفقر والجوع مرض واعتلال..هل هى المنصب، الشهرة، الجاه، القوة والسطوة والنفوذ؟ أعلم عشرات يملكون كل هذا ويشكون ويفتقدون لطعم السعادة، ووسط عالم ملئ بالحزن والكوارث ينسحب الفرد لعتمة الكآبة ووسط غلاء الأسعار والأزمات الاقتصادية يشكو الجميع للجميع، إذن كيف نعثر على سلعة السعادة فى سوق الحزن العام وهل هذه السلعة مكلفة وفوق طاقة الإنسان، وكيف تستقبل عامك الجديد وتحلم بالسعادة والفرح وأنت محمل بجبل هموم؟

الإجابة حاولت العثور عليها فى كتاب رائع للكاتب والفيلسوف البريطانى برتراند راسل.. يبدأ الكتاب بمقدمة للشاعر الأمريكى والت ويتمان ومن ثم ينقسم الكتاب إلى جزأين: الجزء الأول بعنوان مسببات التعاسة والجزء الثانى بعنوان مسببات السعادة.

إذن علينا فى البدء التفكر فى التعاسة ومسبباتها.. فى البداية يسلط راسل الضوء على مسببات التعاسة النابعة من خلل النظم الاجتماعية ويطرح تغيرات للارتقاء نحو السعادة مثل تحريم الحرب وتحريم الاستغلال الاقتصادى وتحريم التعليم المبنى على القسوة والخوف وليس هدف الكتاب شرح هذه المناحى بل هو موجه للفرد.

من بعد ذلك يعرض الكاتب جزءا من تجربته الشخصية، حيث إنه لم يكون سعيدا  فى بدايات حياته وكان يعتبر حبه لدراسة الرياضات هو ما يساعده على الاستمرار إلا أنه تدريجيا مع الوقت بدأ بالاستمتاع بالحياة.

"من الواضح أن المسببات النفسية للتعاسة عديدة ومختلفة، وإن كان لها خصائص مشتركة، فالإنسان التعس هو الذى إذا ما حرم من بعض المتع الطبيعية فى شبابه، أصبح يولى هذه المتع أهمية خاصة أكثر من أى شيء آخر عندما يكبر، وبالتالى يعطى حياته اتجاها وحيدا بتركيز غير منطقى على الهدف مقابل الأنشطة المتعلقة به".

ومن ثم يبدأ راسل فى عرض مسببات التعاسة من وجهة نظره مثل:

- التنافس: وهنا يطرح مثالا.. رجال الأعمال المنغمسين فى العمل والتعب بحثا ليس فقط على النجاح بل وعلى التغلب على منافسيهم ومع الوقت يصبح التوتر قويا بحيث يصبح من المستحيل الاسترخاء والتمتع بالحياة.

- الملل والإثارة: "هناك عنصر ملل لا يمكن انتزاعه من تجنب الإثارة الزائدة عن الحد، فالكثير جدا من الإثارة لا يضر فقط بالصحة وإنما يؤدى إلى تبلد إمكانية الإحساس بأى نوع من المتعة وإلى أن يحل التلذذ السريع محل الإشباع البدنى الوافر والنباهة محل الحكمة والمدهشات الحادة محل الجمال".

- الإعياء: يطرح الكاتب مشكلة الإعياء البدنى والأخطر منه الإعياء العصبى.

الحسد: يعتبر الكاتب الحسد من أقوى مسببات التعاسة وأكثر المشاعر الإنسانية شيوعا وهو على علاقة وطيدة بالتنافس، فكل الأشياء الرديئة متصلة ببعضها وكل منها عرضة لأن يكون السبب فى الآخر.

"لكن الحاسد يصبح هو نفسه تعيسا بهذا الحسد، فبدلا أن يسره ما لديه، يؤلمه ما لدى الآخرين، فلو استطاع لحرم الآخرين ميزاتهم ويكون ذلك بالنسبة له مرغوبا كما لو أنه حصل على هذه المزايا".

-حاسة الإثم: حاسة الإثم مرتبطة باللاوعى ولها علاقة بالخوف من عدم إرضاء الناس "ففى حالة الوعى توجد أفعال معينة عليها علامة إثم بلا أى سبب ظاهر للاستبيان".

- هوس الاضطهاد: وهنا الخوف من الاضطهاد قد يؤدى إلى أفعال عنيفة رغبة فى الحماية، ويعتبر الكاتب أن جذور هوس الاضطهاد تكمن فى تصورنا المبالغ لمزايانا أو بسبب تصورنا أن على الآخرين الاهتمام بنا، ويقول لا تتخيل أن معظم الناس يفكرون بك لدرجة تكفى لجعلهم يضطهدونك بشكل خاص.

الثانى فمن مسببات السعادة،ويبدأ الكاتب بطرح تساؤل.. "ألا تزال السعادة ممكنة؟"

وهنا يقسم السعادة إلى نوعين بسيط ووهمى أو حيوانى و روحانى أو للقلب و للرأس، ويطرح فكرة أن السعادة لا تتعلق بالظروف الدنيوية والجسدية إنما هى حالة داخلية.

"سر السعادة هو الآتى: اجعل اهتماماتك واسعة قدر الإمكان واجعل ردود أفعالك ودودة لا عدائية بأقصى درجة ممكنة تجاه الأشياء والأشخاص الذين يهمون بك".

ثم يبدأ الكاتب فى طرح وجهة نظره عن مسببات السعادة:

-التلذذ: وطريقة لتخيل ما المقصود بالتلذذ هى تخيل وجبة طعام فالجوع بالنسبة للطعام يوافقه التلذذ بالنسبة للحياة كما أن كل فرد يتلذذ فى أمر من أمور الحياة.

التلذذ الطبيعى ليس هو الطراز الذى يعد فى الحقيقة بحثا عن النسيان بل هو جزء من التكوين الطبيعى للبشر.

-الحب: "أحد المسببات الرئيسية لانعدام التلذذ هو إحساس المرء بأنه غير محبوب بينما على العكس يزيد إحساس المرء بأنه محبوب من قدرته على التلذذ أكثر من أى شىء آخر".

يرى الكاتب أن استقبال الحب الصحيح يجلب نوعا من الإحساس بالأمان، كما يعتبر أن قدرة المرء على التعامل مع الحب تعود لما مر معه من أحداث فى طفولته .ويعتبر أفضل نوع حب الذى يتم فيه تبادل منح الحياة بحيث يتم استقبال ومنح الحب دون بذل مجهود.

-الأسرة: "أساس الأسرة يكمن بالطبع فى حقيقة أن الوالدين يحسان بطراز خاص من الحب تجاه أحدهما الآخر أو تجاه الغير من الأطفال".

-العمل: من الممكن للعمل أن يحمل السعادة والتعاسة معا، وذلك وفقا لنوع العمل وشدته.

-الاهتمامات غير الشخصية: ويعتبر راسل أن أحد أسباب التعاسة والإعياء والشد العصبى هو انعدام القدرة على الاهتمام بأى شىء ليس له أهمية عملية فى حياة الفرد الخاصة.

"يهدف الإنسان الذى ينشد السعادة بحكمة إلى أن يمتلك عددا من الاهتمامات المساعدة بالإضافة إلى الاهتمامات الرئيسية التى تبنى عليه حياته".

 يتابع الكاتب فى طرح نظرته للسعادة من خلال المجهود والاستعفاء (التراخى)، ويجمع كل ما سبق طرحه حول السعادة والتعاسة ومسبباتها ليقدم لنا زبدة ما يسعى إلى إيصاله.

"من الواضح أن السعادة تعتمد جزئيا على ظروف خارجية وجزئيا على الشخص نفسه".

وفى النهاية فإن السعادة تحتاج لبذل جهد وللتفكر والتأمل فى عالمنا الداخلى والسعى لخلق مسببات السعادة الداخلية والخارجية.

هذا الكتاب ممتع فى تفاصيل كل فصل وفى نظرة الكاتب وطريقة ترتيبه وتقديمه للأفكار والأمثلة، وقد نشر هذا الكتاب فى عام 1975 بعد وفاة الكاتب عن عمر ناهز المائة عام، وأخيراً رغم هذا التحليل العميق لنظرية السعادة أرى الكاتب مر مرور الكرام على معنى كان لا بد أن يفرد له فصلا وهو معنى الرضا، هذا المعنى لن تجده إلا عند أهل الصوفية والبسطاء من البشر فى قرى مصر، الرضا معنى أعمق من السعادة التى تنطوى على متعة ما أو لذة بينما الرضا غير مشروط بامتلاك أو عطايا، أنه درجة الإيمان العليا بالخالق وبالقدر، كل أمنيتى فى العام الجديد أن يمنحنى وإياكم الله القدرة على الرضا وممارسته وحمده وشكره عز وجل فى كل الأحوال وكل عام وأنتم بخير.

 	محمد الغيطى

محمد الغيطى

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من أقلام

بروح رياضية - شروع فى «دمج»

يشعر بعض المهتمين والمنشغلين بأحوال ومصير الأندية الجماهيرية والشعبية فى مصر ببصيص من  الأمل  فى الآونة الأخيرة، يعد الحديث حول...

من يحكم ويتحكم فى رقاب ومصير حكام العالم!

من قبل ميلاد مارلين مونرو ومرورا بمونيكا لوينسكى ومؤكد ليس نهاية بجيفرى ابستين ووو هناك من يحكم ويتحكم فى مصير...

نحو الحرية - الدور المصرى المتوازن

في ظل تصاعد حدة التوترات في المنطقة واتساع نطاقها بشكل يبعث على القلق، تبدو المؤشرات مقلقة نحو مزيد من الانزلاق...

بروح رياضية - مرض العصر ورموز الرياضة

يظل الانتقاد السليم بلغة راقية وأسلوب رصين من أهم أدوات وأسلحة الإصلاح والتطوير.. لكن أن تتحول الانتقادات لشتائم وبذاءات فهذا...