الإذاعة تعيد عرض المسلسل الذى تدخل عبدالناصر لإنقاذه

بداية من شهر أكتوبر، الذى شهد أعظم ملحمة فى تاريخ العسكرية المصرية، بدأت الإذاعة فى عرض واحدة من أعظم ملاحم الدراما الإذاعية، سيرة "الظاهر بيبرس"، التى كتبها الشاعر

بداية من شهر أكتوبر، الذى شهد أعظم ملحمة فى تاريخ العسكرية المصرية، بدأت الإذاعة فى عرض واحدة من أعظم ملاحم الدراما الإذاعية، سيرة "الظاهر بيبرس"، التى كتبها الشاعر الملهم بيرم التونسى فى 188 حلقة، وكان آخر عمل يكتبه فى حياته وقرر ألا يكتب شيئا سواه حتى يلقى ربه.. بل أخذ أوراقه وذهب إلى حلوان التى كانت يومها على أطراف القاهرة وتعد مشفى لمرضى الصدر، ليتفرغ لكتابة ما تبقى من السيرة الظاهرية.

وكان آخر ما كتب بيرم من سطور فى مذكراته: «إن إنتاجى الآن وأنا أعيش فى حلوان التى لا يلائم صحتى سواها مقصور على ملحمة الظاهر بيبرس، التى تقوم الآن محطة الإذاعة بإذاعتها فى حلقات يومية، بعد أن كانت قطعتها بزعم أنها لا تمثل الحقيقة التاريخية.. لكن ملحمة الظاهر بيبرس مثلها مثل الأدب الشعبى الخاص بالملاحم، مثل قصص أبوزيد الهلالى سلامة والزناتى خليفة وعزيزة ويونس والزير سالم وعنترة بن شداد، ليس المقصود منها التاريخ، بقدر ما هو مقصود منها حفز الهمم نحو تقليد أصحاب البطولات، لا سيما أن رواية الظاهر بيبرس كانت تمثل الفصل الأخير من فصول انتصارنا على الصليبيين فى العصور الوسطى، فلعلها تكون تذكيرا للعرب بأن واجبهم الأول أن يقتفوا أثر الظاهر بطرد الصهاينة من فلسطين، كما طرد العرب الصليبيين والمغول منها».

ما كتبه بيرم عن سيرة الظاهر بيبرس فى هذا المسلسل الإذاعى الملحمى كان إعجازا بكل المقاييس، إذ كان عليه أن يقرأ ويستوعب كل ما كتب عن هذا العصر: سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وفنيا وثقافيا.. حتى لتشعر وأنت تستمع إلى حلقاته بأنك تعيش ذلك الزمن بكل تفاصيله.. وفوق ذلك كتب بيرم مجموعة هائلة من الأشعار والأزجال بلغته الشعرية العصرية البليغة، فإذا بنا أمام سيرة شعبية جديدة ومدهشة ومختلفة عن تلك التى ابتدعها الوجدان الشعبى واختلطت فيها الحقائق بالخرافات والأساطير.

وكما يذكر الباحث المدقق سيد مهدى عنبة، الذى استعانت به الإذاعة فى عمل تقديمات لتلك الملحمة الإذاعية وتوثيقها والتذكير بها وبأهميتها قبل البدء فى إذاعتها، فإن المسلسل قُدم عند إذاعته للمرة الأولى عام 1960 على جزأين، الجزء الأول كان فى 100 حلقة، مدة كل حلقة نصف ساعة، أما الجزء الثانى فكان فى 88 حلقة. ومات بيرم التونسى أثناء إذاعتها (5 يناير 1961) وتحديدا يوم إذاعة الحلقة 79، وكان قد انتهى من كتابة 87 حلقة، ولم تتبق سوى الحلقة الأخيرة (88)، فأسندت الإذاعة كتابتها إلى الشاعر عبدالفتاح مصطفى.

وقام المخرج الكبير السيد بدير بإخراج 87 حلقة من الجزء الأول للمسلسل، ثم كانت هناك حلقتان من إخراج أنور المشرى، بعده أكمل الفنان محمود السباع إخراج باقى الحلقات المائة.. أما الجزء الثانى من المسلسل فتناوب على إخراجه: أحمد أبوزيد، يوسف حجازى، مصطفى صادق، ومحمد يوسف.

جمع المسلسل حشدا من نجوم التمثيل، فقام صلاح منصور بدور الظاهر بيبرس، وحمدى غيث بدور الملك الصالح نجم الدين أيوب.. وكان معهم: سميحة أيوب وعبدالرحيم الزرقانى وصلاح نظمى ومحمد السبع وعزيزة حلمى وعبدالمنعم إسماعيل والممثل الشاب وقتها حسن يوسف.. وقام بدور الراوى وأداء أشعار بيرم فنان الربابة الشهير وقتها السيد فرج السيد، وشاركه الغناء بعض المطربات مثل عصمت عبدالعليم.

حقق المسلسل شهرة كبيرة عند إذاعته أثارت غيرة البعض، فكتبوا يهاجمونه، وقدموا شكاوى ضده، واتهموه بتزوير التاريخ، وطالبوا بوقف عرضه، ومنهم من لمح - بنفاق ظاهر- إلى أنه لا يجوز أن تعرض الإذاعة سيرة بطل شعبى فى وجود الرئيس عبدالناصر، وأمام موجة النقد العاتية رضخ المسئولون بالإذاعة فأوقفوه.. لكن الرئيس عبدالناصر فاجأهم بالتدخل وأمر باستئناف إذاعة المسلسل.

وكتب بيرم عن تلك الواقعة فى مذكراته: «وجود مبالغات فنية (بالمسلسل) وخيالات براقة أمور لازمة لاستكمال روعتها الروائية، وإلا كان يجب وضعها ضمن علوم التاريخ إذا كان المطلوب هو سرد الحقيقة عارية.. والذى كان له الفضل فى إعادة إذاعتها واستكمال حلقاتها هو الرئيس جمال عبدالناصر الذى أمر بألا تُقطع حلقاتها.. عسى أن يمتد بى الأجل حتى أقوم باستكمال حلقات هذه الرواية وبهذا تنتهى حياتى مكافحا كما بدأت مكافحا، إذ لا أنتوى أن أقوم بعدها بأى عمل إلى أن ألاقى ربا كريما».

والظاهر بيبرس قاهر التتار والصليبيين واحد من أشهر حكام مصر فى العصر المملوكى، حكم مصر 17 سنة وشهرين و12 يوما، وشهدت مصر فى زمنه نهضة كبيرة، وتحول فى الوجدان المصرى إلى بطل شعبى يتناقل الرواة وشعراء الربابة سيرته، وكانت هناك مقاه تُعرف بالمقاهى الظاهرية يذهب إليها الناس ليستمعوا إلى ملحمة الظاهر وفتوحاته، التى كان الرواة يضيفون إليها من خيالاتهم وأشعارهم حتى جاوزت صفحاتها الـ16 ألف صفحة.

ولما مات الظاهر فى 30 يونيو 1277م، وهو فى الخمسين من عمره، كرمته مصر بأن أطلقت اسمه على أحد أحياء القاهرة العريقة وهو حى "الضاهر" الآن، كما وضع له تمثال نصفى بجانب تمثالين لكل من قطز وصلاح الدين الأيوبى بالمتحف الحربى بالقلعة.

 


 	أيمن الحكيم

أيمن الحكيم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من اعلام

صبحى يعود بالمسلسل الإذاعي "مرفوع مؤقتا من الخدمة"

استقبلت استوديوهات الإذاعة المصرية بماسبيرو الفنان الكبير محمد صبحي في أول أيام تسجيل المسلسل الإذاعي الجديد مرفوع موقعاً من الخدمة،

«أكلة أمى» و «المسحراتى» على الأولى

قالت منال الدفتار، رئيس القناة الأولى، نلتقى يوميا في رمضان مع برنامج «أكلة أمى»، ويتم تقديمه بشكل جديد على شاشة...

«أمى وأفتخر» عبر أثير «صوت العرب»

انتهت الدكتورة منال العارف من تسجيل حلقات سهرة «أمى وأفتخر» التي ستذاع خلال شهر رمضان المبارك على موجات صوت العرب،

«العشاء والتراويح» يومياً على الأولى والفضائية من الأزهر

وافق رئيس التليفزيون محمد الجوهري على خطة الإدارة المركزية للبرامج الدينية خلال الشهر الكريم التي تضمنت العديد من البرامج والفعاليات...