"كل طفل بداخله فنان نائم، إذا أيقظناه وعلمناه، يصحو ويبدع".. هكذا بدأ الفنان "ويصا واصف" الحديث عن مشروعه فى قرية "الحرانية" لزوجته التى شاركته الحلم وأكملت مسيرته من بعده.
إنها فنانة النسيج "صوفى ويصا" التى تزوجت من المهندس "ويصا واصف" فى أربعينيات القرن الماضى، وشرح لها فكرته فى إنشاء مركز للفنون بقرية "الحرانية" الهدف منه إحياء التراث المصرى فى مجال السجاد اليدوى والكليم بنقوش مصرية فرعونية وزخارف صممت من البيئة المصرية.
راقت الفكرة لـ "صوفى" وهى ليست سيدة غريبة عن العمل العام، فقد أنشأت من قبل ناديا للأطفال فى منطقة فقيرة، وكانت تعلمهم الفنون والنسيج على وجه الخصوص، ولمَ لا تفعل ذلك؟ وهى ابنة الفنان "حبيب جورجى" الذى ساندها وشجعها على الالتحاق بمعهد الفن، فأتقنت فن الأصباغ وفصل الألوان، وكان ارتباطها بـ "رمسيس ويصا واصف" ليس لأنهما مجرد شابين أحبا بعضهما وأرادا تكوين أسرة سعيدة، إنما كانا شابين من أصحاب الأفكار الكبرى، وواحدة من هذه الأفكار وضعا بذرتها الأولى فى أرض قرية "الحرانية" بمنطقة الجيزة، لتصبح الفكرة مشروعا إنسانيا وثقافيا يغير من طبيعة السكان وطبوغرافية المكان.
حققت "صوفى" مع شريك حلمها رمسيس ويصا ما كانا يهدفان إليه، حتى توفى ويصا فى عام 1974، وبعدها سارت وحدها مع نساء القرية فى الطريق إلى النجاح، والمهمة ليست باليسيرة، لأن المكان تحكمه أعراف وعادات، خاصة تلك المتعلقة بالمرأة والفتاة، ولا يمكن الخروج عنها، ومجرد التفكير فى تغيير شىء ترسخ عبر أجيال هو المستحيل بعينه، لكنه لم يكن مستحيلا مع الزوجين الفنانين، لكنه احتاج إلى صبر ودأب سنوات طويلة للتغيير، لكن "صوفى" لم تيأس، وبدأت فى كسب ثقة أهل القرية عن طريق تعليمهم طهى الطعام الصحى لأولادهن، وكانت تجلس معهن فى بيوتهن وتزورهن وتعلم أبناءهن الرسم والكتابة، وهكذا اكتسبت ثقة الأهالى، وبدأ الأزواج يوافقون على أن تذهب زوجاتهم وبناتهم إلى مركز الفنون ليتعلمن صناعة السجاد اليدوى والكليم.
كانت دروس "صوفى" للسيدات فى المركز تتجاوز فكرة تحقيق الربح والمكسب من خلال العمل فى مهنة السجاد اليدوى، إلى فكرة أخرى أشد نفعا، وهى تحقيق الذات والشعور بأهمية ما تصنعه السيدات من خلال إطلاق العنان للخيال فى الرسم وتنسيق الألوان، لذلك خرجت الأعمال الفنية فطرية ووصلت إلى العالمية.
قالت "صوفى" عن فكرتها إنها لم تكن متبلورة بشكلها الذى وصلت إليه فى أول الأمر، الفكرة كانت لدى الزوجين فى البحث عن مكان هادئ فى قرية لنعيش وسط أهلها الطيبين، ونعمل مشروعا أهليا يشاركون فيه، وبالفعل فى البداية اشترينا فدان أرض فى الحرانية، وكنا نجلس فيه، حتى أصبح الناس يجتمعون معنا، والأطفال تلعب ونحن نشاركهم نشاطهم، حتى قال لهم "ويصا" ذات مرة: "إيه رأيكم نعمل لكم هنا مشروع تشتغلوا فيه بإيديكم؟" وقالوا: "موافقين"، ولم نكن نعرف ما هو المشروع، حتى فكر "ويصا" فى مشروع النسيج المصرى الخالص، على ألا نتدخل إلا فى أساسيات الصناعة من أصباغ وألوان وخلافه، لكن التصميم هو ملك لخيال صاحب اللوحة، يرسمها من البيئة ويلونها حسب ما يراه، فخرجت الأعمال متفردة، وكان الأطفال يأتون يتعلمون أحيانا، وأحيانا يذهبون للعب، وكنا نعطيهم أجرا على أى شىء بسيط يعملونه، حتى يشعروا بقيمة ما يفعلونه، وهذا كان الجيل الأول من الأطفال على مستوى التعليم وأصبح يدرب، أما السيدات فيذهبن إلى المعارض ويسافرن بزيهن البسيط ويشاركن فى الفعاليات العالمية، حتى يشعرن بأهمية ما يقمن به".
منذ أيام قلائل ودعت قرية "الحرانية" السيدة "صوفى ويصا" عن عمر 102 عام، بعد رحلة عطاء بدأت منذ أربعينيات القرن الماضى، وكانت رحلتها حافلة بالفن والخير والجمال، ويكفى أنها أخرجت قرية كاملة من البؤس والجهل، لتضع اسم "الحرانية" كعلامة مسجلة لصناعة السجاد والكليم اليدوى محليا وعالميا.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
استغلال المرأة العاملة يؤدى للجريمة والانحراف ويهدد استقرار المجتمع بأكمله عضو لجنة الفتوى: شرط مساهمة المرأة فى أعباء الحياة باطل...
أطاحت بوزراء ورموا بها «العندليب » فى أول ظهور له
تجاوزت الخامسة والستين وتعمل دون كلل أو ملل
الذكاء الاصطناعى بات بديلًا عن التفاعل الإنسانى د. شريف اللبان: تكنولوجيا الاتصال أعادت تشكيل بنية الأسرة فصار لكل فرد عالمه...