حكاية القط الخارق فى رواية السيد شحتة

«الأيام الأخيرة فى حياة فرويد».. رحلة فى عالم الذكاء الاصطناعى والتحولات الرقمية محاولة سردية لتقديم صورة غير وردية لعالم يتجرد من إنسانيته

مزيج من مشاعر متباينة يمكن أن تنتابك حين تقرأ رواية "الأيام الأخيرة في حياة فرويد"، للأديب والروائى والكاتب المبدع السيد شحتة. هذا ما حدث معى لم أستطع أن أحدد انطباعا واضحا تجاه بطل الرواية، مازن الغمراوي"، هل أتعاطف معه أم أسخط عليه ؟ هل أحبه أم أكرهه أم أكون محايدا إزاءه؟ هل أكون في صفه أم ضده؟ كأنها ذات المشاعر التي كتب بها السيد شحتة روايته، وكأنه أراد أن تشبه تلك الرواية حياتنا وواقعنا، وأن تخرج على هذا النحو، وتكون مرآة لما يحدث لنا، وما نعيشه من واقع عجيب، أصبحت فيه مصطلحات من عينة التريند والايه أي"، أو الذكاء الاصطناعى تسيطر علينا وتسم حياتنا.

يضعنا الروائي، في بداية عمله، أمام مشهد برع فى وصفه، وهو مشهد قتل القط "فرويد"، برصاص لا يعرف الرحمة، من مجموعة مسلحة فى منزل صاحبه ورفيق رحلته، مازن الغمراوى على أطراف قريته وكيف اختلط دمه بلعاب صاحبه، وفي ذلك الحادث أصيب مازن إصابات قاتلة، وفقد وعيه شهورا ، وحين آفاق في المستشفى قرر أن يكتب حكايته مع فرويد.

يبدأ مازن بطل الرواية المتكلم حكايته بمشهد قیامه بمحاولة انتحار بالقفز من كوبرى الجامعة إلى مياه النيل، ولكن قطا أبيضا صغيرا يعلق ببنطاله، ويحاول سحبه للخلف فيربكه، ويسقط على الكوبرى، ويتراجع

عن فكرة الانتحار، ثم يسير القط بجواره ويتعقبه، ويذهب معه إلى شقته التي يقيم بها ويستأجرها منذ سنوات، في عمارة المعلم فرج أبو كتف بأرض اللواء، ويلازمه بعد ذلك كظله.

من هذا المشهد، ينسج شحتة خيوط روايته البديعة فنعيش رحلة حافلة مليئة بالأحداث، بطلها هذا القط الغريب الذي اختار له البطل اسم فرويد.

مازن الغمراوى شاب ريفى بسيط من قرية كفر عبد الله عزيزة بمنيا القمح محافظة الشرقية، التحق بكلية العلوم بجامعة القاهرة، ودرس بها علوم الحيوان، وصار أول دفعته بالكلية، وبقى حلم أن يعين معيدا بالكلية تحقيقا لحلم والده المدرس البسيط جلال، هو هاجسه الأول.

وفي ذات الوقت، يحب فاتنة الجامعة، الجميلة "رغد"، وبعد آخر يوم فى امتحانات البكالوريوس، وبكل براءة يعترف مازن لرغد بحبه بكلمات ريفية، وبقصيدة لنزار قباني، بينما أعدت رغد خطة لتسجيل اعتراف عاشقها صوتا وصورة، ليصبح "تريندا" شهيرا يحقق ملايين المشاهدات وملايين الضحكات.. وتصبح حكاية مازن على كل لسان، حتى إنه حين ركب أتوبيسا طاردته ضحكات فتيات مراهقات تتأزم أمور مازن بعد هذا الموقف، ويوقن أنه لن يصبح معيدا بالجامعة، رغم أنه الأول، وهو ما حدث بالفعل. وحين يقرر الانتحار، بل ويحاوله بالفعل، يظهر القط فرويد في حياته، ليقلبها رأسا على عقب.

معجزات فرويد

تدور أحداث الرواية في عوالم مختلفة، من حيث الشخوص والأماكن والبيئة المحيطة. وفي كل استطاع السيد شحتة أن يحشد لكل ظرف درامي أبطاله وشخوصه، ونجح في ذلك نجاحا ملفتا. في بداية الرواية، وبداية علاقة البطل مازن بالقط فرويد، واصطحابه معه إلى شقته بأرض اللواء، سنرى هنا صاحب العمارة المعلم فرج أبو كتف ونماذج من أهل المنطقة، البسطاء المطحونين الباحثين عن مكان تحت الشمس. سنرى "مرمر" التي تبحث عن عريس، وأم شيماء التي غاب زوجها في ليبيا دون أمل في رجوعه، وكذلك أم فاروق التي تحلم لابنتها أن تنجب ولدا، بالإضافة إلى المعلم فرج أبو كتف، وزوجته مديحة.

حين يجئ مازن إلى شقته، مصطحبا قطه فرويد، يأتي المعلم فرج کی ( يدب) خناقة كبيرة مع مازن الذي جاء هذه المرة بحيوان جديد وكثيرا ما أتى مازن الذي يدرس علم الحيوان بحيوانات ليجرى عليها تجارب في شقته. وفي خناقة هذه المرة نشب فرويد انيابه في ساق المعلم فرج، الذي ذهب إلى المستشفي، ثم عاد بعدها وقد تغير من النقيض إلى النقيض .. فبعد أن نشب فرويد أنيابه في ساق فرج سعت الاخبار المفرحة إلى المعلم، وتغيرت حياته اختفت عداوات، واختفت ملاحقات الشرطة له وجاء فرج ليطلب من مازن أن يستمر في إقامته بشقته.

بعدها أصبح فرويد بركة، وصارت شقة مازن مزارا يؤمه أهل المنطقة البسطاء، يطلبون البركة، زواجا، وإنجابا ومحبة، فتتحقق لهم أمانيهم، وصار فرويد مبروكا، بل صار يتحدث الناس عن كراماته ومعجزاته، وتحسنت أمور صاحبه مازن كثيرا في عمله كطيار دليفري بأحد مطاعم الكشرى.

ينتقل مازن الغمراوى وقطه نقلة أخرى كبيرة، حين يشيع خبر القط فرويد وبركاته ومعجزاته على نطاق واسع فيسعى رجل الأعمال الكبير كامل السبع للتعرف إلى مازن واستقطابه ليكون واحدا من مساعديه الكبار في شركاته المختلفة، ولكن الغرض الأساسي كان الاستفادة من بركات ومعجزات وقدرات فرويد، فكامل السبع يراه قطا غير عادى، وبالفعل تحدث نقلة هائلة لكامل السيع وأعماله.

هنا، ينتقل مازن وقطه إلى عالم جديد، حيث ينتقلان من السكن في ارض اللواء إلى المهندسين، ويتعمق مازن في دراسة علم نفس الحيوان، وعلاقته بالإنسان، وينشئ له كامل السبع مراكز لعلاج الاكتئاب الرقمي الناتج عن علاقة الإنسان بالتحولات والتطورات الرقمية الجديدة ويسافر كثيرا إلى الصين وبريطانيا، بعد أن ذاعت شهرة فروید.

يصبح فرويد محورا لصراع شركات دولية كبرى ويتعرض كامل السبع وشركاته لمؤامرات عدة، تشارك فيها ابنته "تردين"، وتسرق إحدى الشركات الأجنبية فرويد، ويستعيده مازن الغمراوي، ويعود به ليقيما في منزل على أطراف قريته، ولكن حيتان الشركات الدولية يلاحقونهما، لتنتهى الرواية بمازن في المستشفى بعد شهور من فقدان الوعى ليستعيد حكايته مع فرويد الذي تم قتله، ويكتبها في رواية.

بشر بلا إنسانية

يبدو السيد شحتة، هنا معنيا ومحاولا أن يستلهم آخر ما يعيشه العالم من تطورات وتحولات وطفرات هائلة في مجالات التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، لكنه يدرك أن الاتكاء فقط على تصوير تفاصيل هذا العالم ربما يفقد عمله جاذبيته السردية، لذا يمزجه بالحياة الإنسانية العادية، وبالمشاعر الإنسانية، فيتعرض لقصة حب من طرف واحد، كانت هي المدخل الحقيقي للرواية حين يبوح مازن الاول على دفعته بقسم علوم الحيوان بمشاعر حبه لزميلته رغد التي كانت في بداية عملها كانفلونسر على وسائل التواصل الاجتماعي، فتستثمر براءة مازن ومشاعره الغضة في تسجيل اعترافاته وتحويلها إلى فيديو يذاع على وسائل التواصل، ليصبحتريندا شهيرا.

وفي المقابل، يجد مازن الغمراوي في القط فرويد ما لم يجده في تلك الفتاة التي احبها، يجد معانى الوفاء والاخلاص، بعكس ما وجده عند رغد من جحود وانتهازية. ويستمر وجود رغد في الرواية كمحبوبة ومعشوقة للبطل، بينما تصعد هي أكثر وأكثر بعد أن صارت مشهورة على وسائل التواصل الاجتماعي، ولكنه يبدو حبا هشا، يوجد دائما في خلفية الأحداث، لا في واجهتها، وكان الكاتب يريد أن يوصل رسالة مفادها أن المشاعر والعلاقات الإنسانية تتراجع تراجعا كبيرا الصالح المصالح والمشاعر المعلبة.

يحاول السيد شحتة أن يستثمر كل هذه المفردات والتحولات والطفرات الرقمية الحديثة، في روايته ويبدو معنيا بالكتابة في هذه المساحة التي تربط بين الإنسان وبين ما طرأ على حياته من تطورات تكنولوجية ورقمية متسارعة، شديدة الأهمية والقسوة في آن واحد. وقد كتب سابقا في هذا الإطار رواياته "ميتا فيرس" و "شفرة المخ" و "سرايا عمر افندي".

ويستحضر السيد شحتة مؤسس علم النفس الشهير سیجموند فروید حين جعل بطل الرواية يطلق اسم "فرويد"، على ذلك القط الذي أنقذه من الانتحار وكأنه يريد أن يلفت إلى أهمية علم النفس في إنقاذنا من طغيان الصراعات البشرية، كما يستعين بمقولات مأثورة لفرويد في بداية كل فصل من فصول الرواية وهو استحضار يبدو وكأن المؤلف يقول من خلاله أن ما نعيشه من ازمات ومشاكل يحتاج إلى تحليل نفسي واسع، لكي تستطيع مواصلة الحياة.

تتطور الرواية من الحكى والتفاعل حول العلاقات والمشاعر الإنسانية، بدءا من مشاعر الحب التي تسيطر على مازن تجاه رغد، ثم العلاقات الإنسانية الدافئة بين بطل الرواية والبيئة الشعبية التي يعيش وسطها في ارض اللواء، إلى عالم البيزنس والصراعات المحمومة التي ينتقل إليها، بعد أن أصبح واحدا من مساعدي رجل الأعمال الشهير كامل السبع، إلى أن تنتهى الرواية يقتل القط فرويد، وإصابة مازن ودخوله المستشفى شهورا ليفيق بعدها ويقرر أن يكتب حكايته مع فرويد.

رواية "الأيام الأخيرة في حياة فرويد" محاولة لدق اجراس الخطر تجاه هذا التحول الذي صارت إليه حياة الإنسان، في ظل الذكاء الاصطناعي، والعالم الرقمي الذي يزحف على ابسط ما في البشر من مشاعر.. حاول خلالها الكاتب أن يصور حياة شاب بسيط متفوق، يمتلك مشاعر بريئة، وجد نفسه في صراعات عالم البيزنس وحيتانه بعد أن دخل حياته قط له طبيعة خارقة، لينتقل بنا المؤلف بین عالم واقعی و حیاتي عادي، وعالم آخر فانتازي له طبيعة خاصة، وعالم ثالث تحيله صراعات البيزنس إلى جحيم حارق.

 	محمود مطر

محمود مطر

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - سكة سفر

 وحدهم في الشارع الخالي فى الصباح الشتوى المبكر .. الدنيا غارقة، وسيول المطر أبقت الناس في بيوتهم، فلا وجود لشخص...

حكاية القط الخارق فى رواية السيد شحتة

«الأيام الأخيرة فى حياة فرويد».. رحلة فى عالم الذكاء الاصطناعى والتحولات الرقمية محاولة سردية لتقديم صورة غير وردية لعالم يتجرد...

الشريف السنوسى.. عدو الاستعمار الأوروبى فى قارة أفريقيا

شخصيات لها تاريخ «98» تربى فى الزاوية الأكثر أهمية فى تاريخ الحركة السنوسية بواحة الجغبوب وتولى قيادة الحركة بعد رحيل...

شعبان عيسى: الشيخ إمام مظلوم إعلاميًا رغم تأثيره

شهادات تذاع لأول مرة «11» ابن أخيه الذى جلس تحت قدميه طفلا وغنى معه فى دمشق عرفت من الصحافة أنه...