روح المكان تتجلى وتلهم الأبطال طريق الخلاص علاقات متشابكة وشخصيات من لحم الواقع و دمه
بعد طائر "الإيبس"، أو أبو منجل ذو المنقار الكبير، والذي يسمى أيضا "عنز الماء"، رمز للإله تحوت أو جحوتي عند المصريين القدماء، والذي يعتبر بدوره رمزا للحكمة والمعرفة عند المصرى القديم هذا الطائر في معتقدات المصريين القدماء مقدس، وله تماثيل ومنحوتات فى سراديب آثار تونة الجبل التي كانت بمثابة الجبانة والمعبد الكبير لمدينة هيرموبوليس.
أو الأشمونين، القريبة من تونة الجبل، والتي كانت عبارة عن منارة علمية كبيرة تعبر عن مدى التقدم الحضاري لأجدادنا القدماء في الأشمونين، ولد مبدع كبير حقا، كتب الشعر ولا يزال نعرفه شاعرا موهوبا، وله حضوره على خريطة الشعر المصرى والعربى هو سفيان صلاح هلال.
برز سفيان في السنوات الأخيرة كواحد من أبرز من يكتبون قصيدة النثر، وأصدر عددا من الدواوين مثل "أحجار ليست لرجم النهر" و "آثار جانبية" و"جغرافية القارة العانس ".. غير أن لسفيان تجربة روائية وحيدة شديدة التميز والتفرد حين قرر الشاعر أن يجرب أن يكون روائيا فخاض تجربة مختلفة في روايته الأثيرة "الأيبس.. طائر الأشمونين المضيء"، التي صدرت عن سلسلة إبداعات بالهيئة العامة للكتاب.
روح حضارية
ورغم أن عنوان الرواية عن طائر الإيبس المقدس لدى المصريين القدماء، فإنها ليست رواية تاريخية، ولكنها تتخذ من التاريخ عمقا حضاريا وثقافيا واضحا ومؤكدا.. فيما يحضر المكان باعتباره محورا رئيسيا ومركز دائرة أساسيا في العمل. والمكان هنا هو قرية الأشمونين التابعة لمركز ملوى بمحافظة المنيا وهي القرية التي ينتمى إليها الكاتب وولد بها، وما زال مقيما بها حتى الآن وحيث تتناول الرواية قصة مجموعة من شباب الاشمونين سكنتهم روح حضارية مستمدة من تاريخية وعبقرية المكان الذي ولدوا به، فشقوا طريق خلاصهم رغم كل المحن والأعاصير.
الرواية الكبيرة التي يصل عدد صفحاتها إلى أكثر من أربعمائة وعشرين صفحة تقدم لنا مجتمعا فريدا ذا طبيعة خاصة لكنه مجتمع معاصر أغلب أبطاله وأبطال الرواية كانوا طلبة نابهين، ثم صاروا علماء نابغين، غير أن الأحداث والمكان مسکونان بروح تاريخية في قرية أثرية قريبة من أطلال هيرموبوليس، مدينة العلم في عصر من عصور مصر القديمة وبها آثار معروفة، سواء لطائر الايبس أو لقرد البابون، وهما رمزان لإله الحكمة (تحوتي) أو لغيرهما من آثار قديمة.
ليس هناك بطل رئيسي واحد في الرواية، لكن مجموعة أبطال يشكلون العمود الفقرى للعمل الروائي، ومنهم عادل إسماعيل، الطالب المتفوق الذي يصبح معيدا بكلية العلوم ويتزوج من الفتاة التي يحبها (هويدا) و يتأخر إنجابهما الأطفال بلا سبب، ويحدث خلاف شدید بينه وبين والده فينتقل من جامعته إلى جامعة أخرى بعيدة وينقل محل إقامته إلى أن تعرف والدته مكانه الجديد وتزوره وتدعو للعودة إلى قريته فيعود إلى ثم يسافر هو وزوجته إلى أمريكا في بعثة للحصول على الدكتوراه، وهناك يتهمونه بتسريب أسرار علمية إلى مصر فيعود مع زوجته إلى وطنه.
كمال مهران، وهو صاحب الحكاية الأكثر إيلاما في الرواية، إذ حصل على مجموع مرتفع في الثانوية العامة يؤهله للالتحاق بأى كلية قمة، لكنه يحرم من حلمه في الالتحاق بكلية الصيدلة، لأنه مريض بمرض في عينه لا يستطيع معه أن يميز بين الألوان، ولا يستطيع بسببه أن يدرس بكلية عملية فيستبعد بعد الكشف الطبي ويتحول مساره إلى كلية الآثار. ويحصل على تقدير امتياز في السنوات الثلاثة الأولى، وفي الصف الرابع يحرم من تحقيق حلمه، لأن أستاذا جديدا لإحدى المواد يفقد ضميره ومهنيته ويسقطه في مادته، وبعدها يفقد حبيبته القديمة نادية حنين التي ماتت في حادث إرهابي، ويعيش مأساة تقترب به من الجنون، إلى أن يعود أخيرا إلى الحياة بمعجزة، بفضل حب آخر في حياته، هو حب سامية زميلته في الكلية، وبفضل أصدقائه القريبين.. خاصة العم المرسى.
فائق ابن لبيب الترزي الذي جاء إلى الاشمونين من مكان لا يعرفه أحد. ويفتتح محلا للخياطة ويشتهر بحسن صنعته، وحين يتقدم للزواج من "تينا". يتحرى عنه عمدة الاشمونين، ويعرف أن له أهلا ومكانا قديما فيزوجها له. وينجب فائق وسارة ولويزة، ثم يعلن لبيب إسلامه في أواخر حياته.. أما فايق فيحصل على المركز الأول على الجمهورية في الثانوية العامة، ويلتحق بكلية الطب، ويعين معيدا بالكلية ويحب زميلته فريدة ويتزوجها، ويسافر في بعثة إلى إنجلترا، ويلتقى هناك بالدكتور رضا كامل، أحد أصدقاء كمال مهران الذي يسهم كثيرا بعد عودته إلى أرض الوطن في أن يخرج كمال مهران من عزلته ويتعافى من إحساسه القاتل يفقد حبيبته نادية حنين، التي يرسمها وشما على صدره ليتزوج بمن أحبته أيضا وهى سامية.
مع هؤلاء الأبطال الثلاثة، هناك أبطال آخرون في الرواية لهم حضورهم الفاعل في الأحداث، مثل: العم المرسى وخليفة الخواص الأمي المجتهد المكافح، الذي يمحو أميته، ويلتحق بالتعليم ويحصل على ليسانس الحقوق، ويصبح محاميا... والخالة تينا أم فايق. وهويدا، زوجة عادل ونادية وسامية حبيبتي كمال مهران والحاج مهران والد كمال والخالة أم محمود والخالة أم موريس. وعمدة القرية.
بداية الرواية بدت مرتبكة قليلا - وهي في رأيي نقطة الضعف الوحيدة في العمل - غير أن التسلسل السهل اليسير بعد هذه البداية، عالج هذا الأمر على نحو جيد، فبخلاف مفتتح الرواية نستمتع بأحداث وحكايات تتدفق، فتعرف الكثير عن الشخصيات المختلفة في العمل الروائي ومالاتها وما سترسو عليه هذه الشخصيات النسيج الدرامي الذي قام المؤلف بـ (تعشيقه) بحرفية ومهارة ساعد في بناء محكم، لا تتوه فيه الشخصيات عن ذلك المسار السردي الواضح.
شخصيات من الواقع
قرية الأشمونين التي تحفل بأثار مصرية ورومانية ويونانية، هي الأرض التي خرج منها أبطال الرواية التابعون الذين نجحوا وتفوقوا وساحوا في أرض الله، لكنهم يرتبطون ارتباطا وثيقا بقريتهم وبأرضهم وبأهلهم. يذهبون ويعودون تجمعهم رائحة الأرض وتاريخها. هذا التاريخ حاضر بقوة كخلفية للأحداث، لذلك لا غرابة في أن يكون الايبس طائر الأشمونين المضيء هو عنوان الرواية، فهذا الطائر هو رمز للإله تحوت أو جحوتي إله الحكمة عند المصريين الذي عرف أول ما عرف في الأشمونين.
ويريد الروائي هنا أن يقول أن التاريخ والبعد التاريخي يجب أن يتكامل مع العلم، وهو لا يمكن أن يعنى عن العلم. وقد أسهب المؤلف في وصف الأشمونين وآثارها وإطلالها والتبة الأثرية التي توجد بها، غير أن شخصيات الرواية واقعية من لحم ودم ومن عصرنا وواقعنا الراهن، وإذا كان الأبطال الرئيسيون يمتازون بالنبوغ العلمي وتواجههم صعوبات وازمات كثيرة، فلأن المؤلف في رأيي أراد أن يقول إن أرضنا قادرة على إنجاب التابعين القادرين، على أن يتروا أرضهم مهما عانوا، ومهما تكاليت عليهم المصاعب والمعوقات.
استطاع سفیان صلاح هلال أن يوظف المكان وأهميته التاريخية توظيفا رائعا فتاريخ الأشمونين حاضر في أحاديث وحوارات شخصيات الرواية، خاصة تلك الأحاديث التي تجمع بين شباب القرية والعم المرسى الرجل السبعيني الذي يتاجر في محصول القطن ويمتلك مكتبة عامرة بالكتب القديمة، ويمثل صوت الحكمة في القرية، وكثيرا ما كان الحديث عن الآثار القديمة وصدق الآثار وأطلال المدينة القديمة هيرموبوليس عاصمة الإقليم، وعن الإله تحوت ورمزه الممثل في طائر الايبس، وقرد البابون حاضرا في كلام الشخصيات وحواراتها.
ويجعل المؤلف قريته الأشمونين نقطة البدء ونقطة النهاية بالنسبة للأبطال والأحداث، وعلى أرضها يجتمع الأبطال في نهاية الرواية. كما يتحدث المؤلف أيضا عن القرى المحيطة بالأشمونين.
مثل تونة الجبل والمعمل والتابوت ويقدم تفسيرا الأسماء هذه القرى فالمعمل سميت بهذا الاسم لأنها المكان الذي بني له محمد على معملا للبارود والتابوت سميت كذلك لأن وباء انتشر بها منذ سنوات بعيدة قضى على أغلب أهلها، فكانت القرية تابوتا لأبنائها، وهكذا استطاع الروائي أن يجعل المكان بطلا فاعلا في الأحداث، وأن يوظفه لخدمة سياقه الروائي
ولأن أبطال الرواية ينتمون إلى ذات الأرض الراسخة، فإنهم بيدون دائما وكأنهم مسكونون بأرواح أجدادهم القدماء، ومع ذلك، فإن الرواية تقرأ الواقع قراءة حقيقية من منظورين البعد التاريخي في الخلفية، والبعد الواقعي في النص السردي وتفاصيله.
في النهاية أقول إن "الإيبس.. طائر الأشمونين المضيء" رواية مهمة ذات دلالات وأبعاد ترتكز على الواقع، وتستمد من التاريخ ومن المكان روحا ملهمة ورمزية، وهي تؤكد من ناحية أخرى أن الإبداع الحقيقي يشق لنفسه الطريق مهما كان صعبا و وعرا.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
في عالم أصبحت التفاصيل الصغيرة جزءًا أساسيًا من جودة الحياة اليومية، لم يعد اختيار الشرابات أمرًا ثانويًا أو قرارًا سريعًا...
وحدهم في الشارع الخالي فى الصباح الشتوى المبكر .. الدنيا غارقة، وسيول المطر أبقت الناس في بيوتهم، فلا وجود لشخص...
«الأيام الأخيرة فى حياة فرويد».. رحلة فى عالم الذكاء الاصطناعى والتحولات الرقمية محاولة سردية لتقديم صورة غير وردية لعالم يتجرد...
شخصيات لها تاريخ «98» تربى فى الزاوية الأكثر أهمية فى تاريخ الحركة السنوسية بواحة الجغبوب وتولى قيادة الحركة بعد رحيل...