على خطى صاحب نوبل.. مشروع حسين عبد الجواد لكتابة «دفتر الأحلام»

تفكيك الأحلام الحقيقية وإعادة تخييلها فى قصص جديدة أعلن رئيس لجنة التحكيم حجب الجائزة، لأن القمصان كلها نسخة من أصل واحد

يعتبر الروائي والقاص الكبير حسين عبد الجواد واحدا من كبار مريدي وتلاميذ وأصدقاء صاحب نوبل، الأستاذ العظيم نجيب محفوظ. واظب عبد الجواد على ندوات الأستاذ بانتظام، وكان يحضر له ندوتين أسبوعيا، ولم يتخلف عن ندوة واحدة طوال ما يقرب من عشر سنوات.. وفى إحدى ندوات محفوظ تبلورت فكرة إبداع حسين عبد الجواد لعدد من كتب الأحلام. كان ذلك عام 1998، حينما بدأ الأستاذ في كتابة "أحلام فترة النقاهة"، ونشرها في مجلة "نصف الدنيا"، وحين قرأ الأستاذ أول أحلامه على تلاميذه ومريديه، كان عبد الجواد من أوائل من سمعوا هذه الأحلام في بداياتها الأولى.

من المصادفات العجيبة أن عبد الجواد كان يرى أحلاما بشكل مستمر ومتواصل في نومه أنذاك، وحين سمع من الأستاذ استولت عليه فكرة أن يكتب أحلامه هو الآخر، بل أن يقرأها على صاحب نوبل، ليكون هو ومريدوه حاضر و ندواته أول من يسمع هذه الأحلام.

أصدر حسين عبد الجواد عددا من كتب الأحلام مثل "من دفتر الأحلام" و دفتر من الأحلام" و"يوميات ليلية" واستخدم في هذه الكتب تقنية الكتابة التي استخدمها نجيب محفوظ

كان نجيب محفوظ يأخذ من الحلم الحقيقي جملة أو حوارا أو مشهدا صغيرا، ثم يبنى عليه قصته القصيرة في احلام فترة النقاهة". واعتمد صاحب نوبل على التكثيف والرمزية العالية في قصصه.. وهكذا فعل حسين عبد الجواد، ووضع لنفسه نظاما في الكتابة.

كان عبد الجواد يري الحلم فيصحو من نومه، ويحاول أن يتذكر كل ما رأي، ويدون ما رأه في الصفحات اليسرى من كرامته.. ثم يحاول في الصفحات اليمنى أن يفكك ويفسر حلمه، ثم يأخذ مشهدا أو مكانا أو حوارا، كما فعل صاحب نوبل، ويبني عليه قصته من الخيال.. وبعد كتابة القصة في عدة صفحات، وبعد إعادة الكتابة مرة واثنتين، يصل إلى صيغتها النهائية لتكون القصة قصيرة على هيئة حلم.

في قصته "الحلبة"، يفتح البطل باب شقته، فيفاجاً بوجود حلبة ملاكمة أمامها، ويرى أنه قد أصبح ملاكما. وأنه يتحدي ملاكما آخر قويا، يسدد له لكمة قوية أسقطته أرضا، لكن الحكم يعلن فوز الراوي.. لأن الملاكم الآخر لكمه قبل أن تبدأ المباراة.. ويفاجا الراوي بامرأة جميلة تقول له إنها لم تكن تتصور أنه ماهر في الملاكمة. ويلومه والده على أنه يهتم بالرياضة على حساب أسرته، وحين تنزل المرأة الجميلة من الحلبة، يتبعها، فتتعثر قدمه ويسقط من الحلبة، ليجد نفسه امام باب شقته بلا حلبة ولا جمهور.

قال لي الأستاذ حسين عبد الجواد إنه حلم فعلا ذات ليلة أنه فتح باب شفته القديمة في حي العباسية فوجد حلية ملاكمة أمام الشقة فقام من نومه ليكتب هذه القصة.

في قصة الحكماء الثلاثة"، يذهب البطل إلى طبيب نفسي فيقوم بالكشف عليه رجلان وامرأة أنيقة. ويكتب له كل منهم روشتة للدواء. ويطلب منه التومرجي أن يدفع أجرة كشف ثلاث مرات، لأن الأب وابنه وابنته قاموا بالكشف عليه ...

أما في قصص كتاب الأستاذ" و "روايتي الأولى" و"القصص الجميلة"، وعدد آخر من القصص فتدور كل الأحلام فيها حول عالم الكتابة والإبداع.. وقد قال حسين عبد الجواد إنه كان مندمجا ومستغرقا تماما، تلك الفترة، في قراءة كل ما تقع عليه عينه من أدب وخلافه .. لذلك كثرت أحلامه حول القراءة والكتابة.

في قصته القصص الجميلة"، يعلن صاحب المقهى الذي يتردد عليه الراوي عن جائزة الأفضل قصة، ويتقدم الراوي بآخر ما كتب، ويوم إعلان الجائزة بحث عن تيشرته الأحمر كثيرا فلم يجده، وخمن أن شقيقه التوأم قد لبسه فارتدي قميصا آخر ثم ذهب الحضور المسابقة، وصعد على المنصة بجوار صاحب المقهى، الذي قال له إنه الوحيد الذي تقدم المسابقة، ثم أشار إلى رجل قادم في الطريق، وقال إنه من سيعان اسم الفائز، فإذا بهذا الرجل القادم في الطريق هو والد الراوي الذي جاء وأعلن فوز شقيقه التوأم الذي تسلم الجائزة وهو يرتدى التي شيرت الأحمر، فلما قال له الراوي إن شقيقه التوأم لم يكتب قصة في حياته، قال له أبوه لكنني سمعت منه القصص الجميلة. قصة فيها الكثير من المفارقة والإدهاش وتلمس كثيرا من المعاني التي يريد القاص إبرازها.

فمن يسمع الأب القصص الجميلة هو الذي يفوز حتى لو لم يكن كاتبا طوال حياته عناصر الإدهاش في قصص كتاب الأستاذ" و"روايتي الأولى" والقصص الجميلة"، كلها كانت تتمحور حول الكتابة والإبداع.

تفسير

وقد فسر لي حسين عبد الجواد كثرة . أحلامه بالقراءة والكتابة والكتب بأنه كان قد آل على نفسه، منذ أواخر التسعينيات، أن يقرأ للأستاذ نجيب محفوظ كثيرا من الكتب في الأدب وغيره، بعد أن ضعف نظر الأستاذ بشكل لم يعد معه قادرا على أن يقرأ... ولهذا دأب على قراءة عدد كبير مما كان يصدر من كتب، وكان يكتب لها ملخصات مختصرة، ثم يقرأها على صاحب نوبل، ولذلك حظى عبد الجواد بمكانة خاصة عند الأستاذ الدرجة أنه لاحظ في إحدى الندوات أن حسين عبد الجواد لا يقرأ عليه كعادته، ولا يتكلم، فسأله في آخر الندوة عن السبب، فأخبره عبد الجواد أنه حزين جدا لأن أحد أصدقائه المقربين قد رحل.

هذه العلاقة الإنسانية كانت في الخلفية، ونجيب محفوظ يشجع حسين عبد الجواد، ويحثه على كتابة مزيد من الأحلام. ويقول حسين عبد الجواد إن نجيب محفوظ كان صاحب مدرسة إنسانية في النقد، فالرجل لم يكن أبدا يحبط أحدا من المبدعين الذين يقرأون عليه إبداعاتهم، لكنه كان يستخدم عددا من الكلمات تبين مدى إعجابه بما يسمع من إبداع فيقول: (حلو - حلوة - جميل -جميلة - جذابة). وحين يرفع صوته ويمد في حروف الكلمة التي يعلق بها بدرجة عالية من الحماس، ندرك شدة إعجابه بما يسمع سواء قصيدة أو قصة قصيرة أو فقرة من رواية. وفي مناسبات كثيرة كان نجيب محفوظ يسأل حسین عبد الجواد ازی احلامك؟ فيجيبه بخير يا أستاذ.

أتصور أن استغراق حسين عبد الجواد في عالم نجيب محفوظ، هو ما جعله ينجز مشروعه المهم في كتابة الأحلام، والجميل أن صاحب نوبل شجع تلميذه حسين عبد الجواد على كتابة أحلامه، وكثيرا ما أثنى عليها وسأله عنها. وربما لم تحظ أحلام حسين عبد الجواد بالاحتفاء النقدى المناسب، لكنني بعد أن قرأت كثيرا منها، أثق أن الضوء سيلسط عليها كثيرا في يوم ما.

ومن أجواء أحلام حسين عبد الجواد اخترنا هاتين القصتين

(١٢) الجائزة

محطة المترو شديدة الازدحام اتجهت إلى شباك التذاكر، دفعت إليه الجنيه الوحيد الذي أملكه، بائع التذاكر قدم إلى ميدالية معدنية مذهبة وجميلة بديلاً عن تذكرة الركوب. سألته هل قرأت كتابي ؟ فأجاب بالنفسى. وضعت الميدالية في جيبي اتجهت إلى بوابة الدخول، فتح رجل الأمن لى الحاجز المعدني

وقفت على الرصيف المزدحم في انتظار القطار ممسكا بالميدالية في يدى. فنظر أحدهم ناحيتي وسألني:

هل تستحق هذه الجائزة؟

فرد عليه آخر: نعم يستحقها.

ملأني الفرح إذ تصورتها جائزة أدبية فزت بها عن كتابي الأول.

تحلق حولى بعض الأشخاص، وقال أحدهم إنه صحفى ويريد معرفة شعوری بعد فوزى بالجائزة، فقلت إنني سعيد للغاية.

أخذ أحد المصورين بعض اللقطات لي. واكتشفت من الأسئلة أنني لم أحصل على تلك الجائزة عن كتابي الأول ولكن بصفتي أكبر ركاب المترو سلا.

انفض الجمع من حولی فاكتشفت أن آخر قطار قد فاتني سلمت أمرى إلى الله، وعدت إلى منزلى سيرًا على الأقدام.

(١٤) قميص الأحلام

نقلت مجموعة من قصص الأحلام التي كتبتها سابقا على لافتة كبيرة من القماش بخط واضح، وعلقتها في مدخل العمارة التي أسكنها، وراقبت السكان في دخولهم وخروجهم وكلى أمل أن يقرأوا قصصى. لم ينظر أحدهم إلى اللافتة .. انتزعتها من مكانها، وذهبت بها إلى الترزي ليفضل لى منها قميصا.

وخرجت من عنده مرتديا قميص الأحلام، وذهبت إلى عملى، ففوجئت بعدد كبير من الزملاء يرتدون قمصانا مشابهة لقميصي.

اقترح أحد الزملاء على رئيس الهيئة إجراء مسابقة لأجمل قميص من القمصان المكتوب عليها قصص الأحلام، وافق رئيس الهيئة، وشكل لجنة من كبار الموظفين، وفحصت كل القمصان المشاركة.

أعلن رئيس لجنة التحكيم حجب الجائزة، لأن القمصان كلها نسخة من أصل واحد.

قدم الزميل صاحب اقتراح المسابقة إلى رئيس اللجنة بعض الأوراق، زاعمًا أنها أصل قصص الأحلام المطبوعة على قميصه فحص رئيس اللجنة الأصول جيدا، وكذلك قميص الزميل ثم سلمه الجائزة، وشملت الجميع حالة من الرضا.

فتحت حقيبة المستندات لأبحث عن أصول قصص الأحلام التي كتبتها فاكتشفت أنها قد سرقت.

 	محمود مطر

محمود مطر

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

شرابات رجالية قطن: أهم المميزات وكيف تختار الجورب المناسب لك

في عالم أصبحت التفاصيل الصغيرة جزءًا أساسيًا من جودة الحياة اليومية، لم يعد اختيار الشرابات أمرًا ثانويًا أو قرارًا سريعًا...

قصة مصورة - سكة سفر

 وحدهم في الشارع الخالي فى الصباح الشتوى المبكر .. الدنيا غارقة، وسيول المطر أبقت الناس في بيوتهم، فلا وجود لشخص...

حكاية القط الخارق فى رواية السيد شحتة

«الأيام الأخيرة فى حياة فرويد».. رحلة فى عالم الذكاء الاصطناعى والتحولات الرقمية محاولة سردية لتقديم صورة غير وردية لعالم يتجرد...

الشريف السنوسى.. عدو الاستعمار الأوروبى فى قارة أفريقيا

شخصيات لها تاريخ «98» تربى فى الزاوية الأكثر أهمية فى تاريخ الحركة السنوسية بواحة الجغبوب وتولى قيادة الحركة بعد رحيل...