التجاهل بُنى على كيفية إدارة المواقف وقت الأزمات المختلفة للوصول لحلول متوازنة ومرضية لجميع الأطراف علم النفس اعتبره أحد السلوكيات الدفاعية للرد على الآخرين
وسط عالم مضطرب أصبحت الإساءات المجانية عادة شائعة يصدرها الناس بأريحية شديدة دون خجل، هنا تحديدا يحتاج الإنسان إلى إتقان فن التجاهل، ولو لبعض الوقت، بغية الابتعاد قليلا عما يؤذى ويغرق فى التفاصيل المرهقة.
أصل التجاهل
تعد كلمة التجاهل كلمة عربية لأصل مشتق من الفعل جهل، وتعنى الجهل بالشىء أو إهماله، ويعود استخدام الكلمة من حيث الجذور إلى الفترة التى تشكلت فيها اللغة العربية؛ حيث ظهر المسمى مع كلمة جاهل، أى لا يعلم أو يخفى معرفته عمدا.. لكن التجاهل ظهر أيضا بوضوح فى العصور الوسطى فى أوروبا، وتحديدا مع ظهور مصطلح آخر هو "مغالطة الجهل المنيع"، ذلك المصطلح الذى عبر عن كيف تجاهلت الكنيسة الكاثوليكية المذاهب المسيحية الأخرى، ونظرت لمعتنقيها على أنهم يغالطون عن قصد ثوابت الدين ويتجاهلون أسسه الراسخة.
ومع تطور العلوم الإنسانية عادت كلمة التجاهل للظهور.. هذه المرة من خلال علم النفس الحديث الذى اعتبر التجاهل أحد السلوكيات الدفاعية لدى الإنسان للرد على سلوك الآخرين بالعداء تجاهه؛ ومن خلال دراسات مستفيضة فى هذا الموضوع وجد أن التجاهل أحيانا يأتى فى ثوب المحبة ليكون سفينة إنقاذ بحكمة بعيدة النظر، ولكنه أيضا ارتدى رداء العقاب للتأثير فى الآخرين والخروج من المواقف الصعبة بأقل الخسائر الممكنة، وبمرور الوقت لم يكن صعبا أن تجد هذه الآلية الدفاعية مناصرين لها ينادون بأن ليس كل المعارك يجب خوضها بضراوة والانتصار فيها انتصارا ساحقا، مع الإيمان بأن الضجيج والصوت العالى والمواجهات الدامية ليست مصاحبة دائما للأهمية ولا موضحة للحق؛ فهناك لحظات بالحياة عبر التجارب الإنسانية المختلفة توضح أن بعض المواقف تستوجب عدم الرد، وإجادة الصمت، والانتصار للنفس بعدم الذهاب فى اتجاه الهاوية.. عندها يمسى التجاهل يعنى مهارة العبور فوق حق الكلام ويكون اختيارا راقيا لحفظ الكرامة دون الحاجة لإراقة الوقت والجهد لتسطع النصيحة الغالية "اختر معاركك"، ويصبح التجاهل مفهوما حضاريا واعيا لسلاح لا يعتاد دائما حمله.
فن التغافل
يقول الإمام أحمد بن حنبل: إن تسعة أعشار حسن الخلق فى التغافل، وكلمة التغافل بالتأكيد تعنى التجاهل ولعل الكلمتين المترادفتين مرتبطتان أيضا بعدم الاهتمام، بل حتى بمحاولة إهمال ما يزعج درجة القهر مع تجريب النسيان لو أمكن، وذلك الأمر على صعوبته أحيانا أهون من مهمة البحث عن كلمات تصف ما يشعر به الإنسان بلحظة ما.. لذا لا يمكن وصف التجاهل بغير صفة القوة التى لا تصدر إلا عن أقوياء، وبالتالى لا يعد التجاهل ضعفا كما يعتقد الكثير من الناس، حتى أنه فى بعض الأحوال نوع من الذكاء عبر عنه بقول "اعتزل ما يؤذيك"، وحينها يصبح سلاح التجاهل سلاحا يصيب بلا شفقة، وحرمانا للآخر من الجرى وراء مزيد من المهاترات، فيكون الحرمان هنا حرمانا دون رحمة؛ حيث إن إلقاء التردى وراء الظهر هو إيقاف لمزيد من الفقد والانهيار والانكسار.
النهايات الضرورية
يقول مارك توين فى كتابه "النهايات الضرورية" إن بعض المواقف والأحداث وأيضا الأشخاص يحثوننا على الذهاب حثيثا نحو النهايات، فيكون رفع لافتة النهاية ضرورة لا مناص منها، ولكن السير فى هذا الاتجاه لا يعنى حرق ما قبله من المراحل التى تؤهل النفس من التوصل لقوة الانفصال وتفهم الخضوع لفكرة اللا عودة وتجنب الندم، ولعل من هذه المراحل الهامة مرحلة التجاهل التى يستفاد منها بعودة التوازن النفسى وإمكانية رسم حدود جديدة واضحة وإعادة تقييم الأوضاع وتقدير الأشياء ووضعها فى نصابها الصحيح، وربما مع اتباع هذا الأسلوب يكون رجوعا لنقطة الصفر حيث البدايات الصحية.
وللحق لا يمكن هنا نكران أن التجاهل أحيانا نوع من التسامى والتعالى فوق التفاهات، وهو وسيلة تنبيه وتحذير مجدية لكسب جولات أخرى، وهو طريقة لجذب الانتباه واستثارة ردود الفعل المناسبة فى اتجاه مساعدة الآخرين لاكتشاف أخطائهم.. لذا فهو ليس دائما إشارة نهاية وإن كان بمثابة حكم سلبى قاسٍ يسلكه العقلاء كطريقة للتعبير عن الاعتراض بلا ضجة وضوضاء وممارسة أى عنف.. أى أنه طريقة فعالة قوية للتحايل من أجل إرسال الرسائل الواضحة حتى تصل لمن يهمه الأمر دون إنهاك وعصف ذهنى.
مفهوم التجاهل
هناك مقولة مشهورة للفنان الشهير الراحل شارلى شابلن يقول فيها "كى تعيش سليما أتقن فن التجاهل".. وهو نفسه ما توصلت إليه بعد ذلك أحدث الأبحاث العلمية فى مجال علم النفس، فاعتبرت أن التجاهل سلوك متعمد يعتمده ذكاء البعض وخبراتهم الحياتية فى مواجهة ما قد يمرون به من مصاعب وتحديات وضغوطات مؤرقة، وقد سمى بالتجاهل الإيجابى الذى يهدف ببساطة لتخفيف حجم التوترات العصبية وما تسببه من ضغط نفسى بغية الحصول على بعض الهدوء والراحة والسلام الداخلى، فهو أشبه باستراحة محارب.. وبالطبع هذا الوصف بعيد عن ما أسموه التجاهل السلبى الذى يلجأ إليه من يئسوا من الإصلاح والتغيير فتعمدوا تجاهل كل أمور الحياة ودخلوا فى دائرة عدم العناد مع النفس والتمرد عليها واختاروا التسليم بالأمر الواقع، وهذا بلا خطة مدروسة للخروج من تلك الحالة التى من المفترض أن تكون مؤقتة فيكون التجاهل هنا هو مجرد تصرف صبيانى أهوج يدخل من يتصرف به فى دائرة من التيه والضياع.
تاريخ التجاهل
ربما ليس من الغريب معرفة أنه لا تاريخ محددا أو مكانا بعينه كان بمثابة الوعاء الأول لقصة التجاهل.. حيث لم يعرف تاريخا لشعب أو أمة استخدمت مفهوم التجاهل أكثر من غيرها ولعل ذلك يعود إلى أن هذا المفهوم هو مفهوم عقلى حكيم مورس وتطور من القديم للحديث عبر تطور العلاقات بين البشر، فكان أقرب لعرف سائد استعمل كاستراتيجية للبقاء والتكيف مع الآخر الذى لا يمكن كسبه أو تطويعه، أى أن منبعه ضرورة إيجاد حلول وسطى مع بعض الأعداء فى ظل تحديات وظروف طاحنة، وربما كان حلا حتى مع البيئة المحيطة التى لا يمكن معاداتها والوقوف أمامها؛ ومن هذا يرى المؤلف الاسكتلندى جورج ماكدونالد أن التجاهل كان له مع البشر عبر التاريخ أنواع و أحوال، فكان التعامل به مثلا وقت الغضب الهادم ذكاء، ووقت التحدى إصرارا، وأمام الإساءات التافهة ترفعا، وعند عدم الانتباه للنصائح البناءة غرورا، وبهذا أمسى التجاهل أشبه برصاصة تخرج من فوهة مسدس كاتم للصوت إذا خرجت فى كل الظروف كانت قاتلة فتاكة.. ومن هنا ربما نخلص أن مفهوم التجاهل بنى على كيفية إدارة المواقف وقت الأزمات المختلفة للوصول لحلول متوازنة ومرضية لجميع الأطراف.
قاعدة الحضور والغياب
لاشك أن التجاهل نوع من الغياب، والمقصود هنا ألا تفرض علينا الأحداث والمواقف أن نكون مشاركين طوال الوقت، فالحكمة تقول إن السلعة التى تروج بين الناس يقل سعرها.. لذا كان الحضور الكامل كاختيار ليس الأفضل فى كل الأوقات، ولعل قاعدة الحضور والغياب تؤكد أن علينا تعلم كيف نختار التواجد ومتى نختار الغياب، فالغياب أحيانا يرفع القيمة ويزيد الاهتمام والممنوع النادر دائما يجذب الاحترام والتقدير ويقلل فرص التهاون والتحقير والزهد فى الأشياء لحضورها الدائم والأكيد، فالاعتياد هنا يسبب بالتدريج عدم الاحتفاء.
وعلى ما يبدو أن قاعدة الحضور والغياب كان أول من فطن لها الفتيات العذارى والنساء قديما، فكن يتقن الدلال ويتعمدن الابتعاد عن المحبوب من الرجال بهدف الوصول لأكبر قدر من الاهتمام والحب، وكانت المطلوبات منهن للزواج يعتمدن هذه القاعدة الذهبية فيطلبن من الفتيان الطامحين فى الارتباط بهن أمورا وطلبات تعجيزية ليرين بأعينهن كيف سيتخطى الحبيب والزوج المستقبلى هذه الصعوبات من أجل الوصول إليهن.. أما بعض أصحاب الدهاء من الملوك فكانوا أيضا يلجأون إلى هذه القاعدة، فأدركوا قيمة الغياب وعدم الظهور للعامة واختاروا المناسبات والأوقات الذين يظهرون فيها للشعب بحثا عن استمرار الهيبة فى الأعين والنفوس، عل هذه القدرة على الاختفاء والظهور امتدت بعد ذلك لتصل إلينا فى العصر الحديث؛ حيث أصبح بعض الفنانين يدركون قيمة تواجدهم فباتوا يختارون بدقة متى وأين وكيف سيظهرون.
وبالطبع إذا سلمنا بأن التجاهل هو نوع من إتقان فن الغياب والترفع عن استمرار التواجد واستثمار هذه القاعدة فسيساعد ذلك على تعلم كيفية الانسحاب فى اللحظات المناسبة التى قد يراك الآخرون فيها متاحا ولا يشكون فى إمكانية مغادرتك وانسحابك ولو قليلا للحد الذى يوقنون فيه كيف كانت قيمة وجودك؛ وقد وصف نابليون قاعدة الحضور والغياب تلك وقيمتها فى النفوس بقوله: حين يكثر حضورى على مسرح الأحداث فهذا يقلل تأثيرى على الناس وتأثرهم بى، ولعل فى عصرنا الحالى المتخم بطوفان الحضور الدائم عبر وسائل التواصل الاجتماعى بالصور والكلام ما قد يؤثر عكسيا ومصداقا لهذا فإن كثيرا من جوانب الحياة اليومية تبرز لنا فكرة الندرة بخاصة فى عالم الاقتصاد وحركة التجارة بالأسواق، فحين تغيب سلعة فإن قيمتها المضافة تزداد ويكثر الطلب عليها عن طريق عز الوصول إليها.
وربما التاريخ نفسه يؤكد لنا هذه الفكرة حين يذكر أن بالقرن ١٧ أرادت الطبقة الراقية بهولندا أن تجعل من زهرة الخزامى المسماة التيوليب زهرة مميزة خاصة بهذه الطبقة الاجتماعية النبيلة لتكون رمزا لمكانتهم الرفيعة، فما كان منهم إلا أن جعلوا الحصول عليها شبه مستحيل ما سبب ذلك الهوس عند البعض للحصول على تلك الزهرة بالذات، وقد أطلق فيما بعد على تلك الحالة "الهوس الخزامي" وبات دليلا طبيا على أى نوع للهوس بشىء معين، وبهذه الآونة نجحت طبقة النبلاء فى جعل هذه الزهرة زهرتهم الخاصة حتى أن بعض الأحبة كانوا يفعلون المستحيل للحصول على واحدة منها من أجل عيون حبيباتهم، وقد حدث أن ارتفع سعر زهرة التيوليب وبات بثمن الذهب حتى أضحت تلك الزهرة إلى الآن هدية تعنى التفرد والتميز.
وأغلب الظن أن هذه القاعدة أصبحت قاعدة لا تغيب عن الأذكياء حتى استخدمها التجار والصناع، ومنهم أتت قصة تاجر اللوحات الفنية الشهير جوزيف دوفين صاحب متجر اللوحات التشكيلية التى لم تلفت نظر أحد للإقبال على شرائها، لكنه فكر كيف يجذب الأنظار إلى قيمة ما عنده من لوحات بترويج ندرتها وأن من سيشتريها سيحصل على شىء قيم نادر الوجود، فعمد لتخزين لوحاته بل وشراء المزيد منها لتبدو مجموعات كاملة وأذاع أنه لا يوجد تاجر غيره لديه نفس مجموعاته الفنية فرفع هذا الأمر من قيمتها الفنية والشرائية للضعف، ما لفت انتباه الطبقات الثرية، فأقبلوا على اقتنائها بأى شىء وبأى ثمن حتى بات الحصول على إحداها يعنى العناء، وعل عبر ذكر هذه الأمثلة نصل إلى فهم فكرة الغياب الجزئى ومنه التجاهل الذى بات من هذه الزاوية فنا للإقناع عبر كيفية استخدام قاعدة الحضور والغياب التى ترفع القيمة وتعنى العودة بقوة.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
في عالم أصبحت التفاصيل الصغيرة جزءًا أساسيًا من جودة الحياة اليومية، لم يعد اختيار الشرابات أمرًا ثانويًا أو قرارًا سريعًا...
وحدهم في الشارع الخالي فى الصباح الشتوى المبكر .. الدنيا غارقة، وسيول المطر أبقت الناس في بيوتهم، فلا وجود لشخص...
«الأيام الأخيرة فى حياة فرويد».. رحلة فى عالم الذكاء الاصطناعى والتحولات الرقمية محاولة سردية لتقديم صورة غير وردية لعالم يتجرد...
شخصيات لها تاريخ «98» تربى فى الزاوية الأكثر أهمية فى تاريخ الحركة السنوسية بواحة الجغبوب وتولى قيادة الحركة بعد رحيل...