خالد إسماعيل يكتب مسارات النهاية للبطـل التراجيدى فى «أبو القمصان»

بين جاذبية الحكاية وحضور القضية.. الأزمة

أرى– وكثيرون غيري- أن فن الرواية هو الجنس الأدبى الأكثر إمتاعا وجذبا لإنسان العصر الحديث.. ينطبق ذلك على الرواية العربية والأجنبية على حد سواء، ذلك أن الرواية تأخذ إنسان هذا العصر من كل ضغوطاته وأزماته وإحباطاته إلى عالم آخر متخيل يستريح فيه قليلا من عالمه المربك الضاغط.. لكن أى رواية؟ إنها الرواية التى لا يستطيع قارئها أن يتركها منذ بدايتها حتى كلمة النهاية.. الرواية التى يجد قارئها نفسه مستغرقا فيها وفى أحداثها متفاعلا مع أبطالها وتفاصيلها حتى تفضى له بسرها فى النهاية. وخالد اسماعيل واحد من هؤلاء الروائيين الكبار الذين استطاعوا تحقيق هذه المعادلة وهذه الخلطة السحرية التى تحقق المعيار الحقيقى لنجاح الرواية.. أن يستمر قارئها فى تتبع أحداثها وحبكتها وأبطالها حتى النهاية بشغف كبير دون ملل أو فتور.

ولقد حقق خالد لقارئه هذا الشغف فى كل رواياته.. وها هو يحققه بدرجة أكبر وأعمق فى روايته الأخيرة الأسرة (أبو القمصان).

استطاع خالد أن يحقق المعيار الأوضح لنجاح العمل الروائى بعمل هذه الوصفة السحرية وهذه المعادلة المجربة التى لا تختل.. البناء الدرامى المحبوك المتصاعد القائم على الحكاية والحدوتة المشوقة والشخصيات التى تتفاعل. تحكى وتتصرف وتحب وتكره وتمارس فعل الحياة. إنها الحياة، وهم الناس بشحمهم ولحمهم. إنهم البشر من لحم ودم فى اشتباكهم اليومى يتحركون أمامك على مسرح الحياة.. تستطيع أن تتذكرهم كما يعيشون معك وحولك أو كما مضوا فى حياتك.. إنها الخلطة المحفوظية العظيمة التى اعتمدها صاحب نوبل فى رواياته دون حذلقات أو تهويمات أو محاولات فارغة لتجريب يفرغ الرواية من مضمونها الحقيقى، الذى يقوم بشكل أساسى على الحكاية.. فما الرواية إلا حكاية لها أبطال وملامح وبداية ونهاية.. والفعل روى يا أصدقائى يعنى حكى.

 علاقات متشابكة

فى "أبو القمصان"، نحن أمام ثلاثة مسارات رئيسية لبطل الرواية المتكلم سعيد جوهر أبو القمصان الأول علاقته بوالده الشيخ الأزهرى، خطيب الجمعة المعين بالأوقاف، والحاصل على ليسانس أصول الدين. والثانى يتمحور حول علاقته بصديقه فى كلية الآداب يونس الهلالى، والثالث هو علاقته بمن عشقها عشقا لا حدود له.. ناهد الصياد. وداخل هذه المسارات توجد علاقات البطل المتنوعة بأشقائه فوزى ومجدى وسعدية وتهانى ووالدته هنومة وجدته مراسيلة وأقربائه وأنسبائه، لتتشكل لنا خريطة علاقات إنسانية مختلفة ومتشعبة ومتشابكة، بحيث نعاين على وجه اليقين مجتمعا إنسانيا حقيقيا واقعيا من لحم ودم.. وهكذا هو دأب خالد اسماعيل فى رواياته.

سعيد ابو القمصان بطل الرواية الذى نعيش معه ومع الأحداث من خلال الشخصيات التى يستعرضها، والتى من خلالها تتصاعد الدراما وتتشابك، بينما سعيد يحكى ويعانى. هو شاب متمرد بطبعه، بذور تمرده تبدأ بحنقه وسخطه على لونه الأسود.. إنه يكره لونه الذى يعيره به زملاؤه والذى ورثه عن أبيه الشيخ جوهر (وأتذكر أننى فى طفولتى سألت أمى هو ليه بابا لونه أسود أوى غير الناس كلها).. وهو يكره والده ويراه منافقا كبيرا.. وأعتقد أن أزمة سعيد مع والده هى إحدى العقد الرئيسية فى الرواية.. وهى مربط الفرس كما يقال.. فى طريق سعيد الذى كان طريقا تراجيديا بكل المقاييس.. وأزمة سعيد مع والده تستمر أغلب أحداث الرواية..

ما يرتبط باللون يرتبط أيضا بفكرة الاستعباد وكراهية البطل له كونه من أسرة تنتمى للعبيد جاءت من سوهاج إلى القاهرة هربا من ذل خدمة الأسياد لكنها لا تستطيع أن تتخلص نهائيا من تلك الوصمة وكيف أن كلمة سيدى وستى تظل ملازمة لجدته مراسيلة فرج.. (قلت لأمى هنومة عويس الغيطانى.. أهلك ما شاء الله اللى سقا واللى جزماتى.. وأهل أبويا عبيد.. أنتم خلفتونا ليه وجبتونا للذل ليه. هكذا يشكل أصل سعيد وجذوره عبئا نفسيا رهيبا عليه يؤدى به إلى كراهية والده بالذات ذلك أن هذا الوالد يكتشف مبكرا نزعة التمرد لدى ابنه ويرى فيه نقيضا لنفسه ولما ألفه فى عائلته من خضوع وخنوع، لكن هذا الأب نفسه الذى يبدو ذليلا مع الآخرين فى نظر سعيد يمارس فعل الأسياد مع أبنائه وزوجته وكلهم يتقبلون هذه السيطرة الأبوية دون محاولة للجدال لأنهم هامشيون يعيشون على حافة الحياة ولا يحق لهم التطلع لأى قفزة على المألوف.. إلا سعيد الذى يبدو تمرده وتطلعه للخروج على سلطة أبيه بل أن يكون نموذجا مختلفا تماما غير أنه يفشل فى بعض المواقف مع والده ثم مع صديقه يونس الهلالى بعد ذلك فى التمرد الكامل. فمثلا، وافق أن يلتحق بكلية الآداب والتنازل عن حلمه بدخول كلية الحقوق، نزولا على رغبة أبيه الشيخ جوهر.. وهكذا تشكل فكرة كراهية الاستعباد جزءا كبيرا من قضية البطل وأزمته النفسية والاجتماعية فى محيط عائلته وأسرته.. ومعها تبدو دائما جذور عداوة مستمرة بين سعيد ووالده تصل، إلى حد قيام الوالد بطرد ابنه من البيت لأنه رفض أن يتزوج من الفتاة التى يريدها والده.

وهنا يظهر المسار الثانى فى الرواية، وهو علاقة سعيد بيونس الهلالى صديقه بكلية الآداب والذى ينتمى إلى بنى هلال بمحافظة سوهاج أيضا، وهو الصديق الذى استقبل سعيد فى أول أيامه بكلية الآداب ثم توطدت علاقتهما بعد ذلك، حيث يستقبل سعيد فى منزله بعد أن طرده والده ويرحب بإقامته معه.. وهكذا يجد سعيد، الكاره لوضعه الإنسانى والاجتماعى والذى تتجذر فى نفسه قضية لونه الأسود وأصله الراجع للعبيد، صديقا لواحد من عائلات الأسياد، وهو أمر له بعده الإنسانى والاجتماعى فى الأحداث.

يبدو يونس هنا الملاذ المريح لسعيد، فهو من الاسياد لكنه صديقه.. غير أن شعورا بالدونية يكتنف سعيدا أحيانا تجاه يونس، وشعورا بالفوقية يداهم يونس كثيرا تجاه سعيد.. هذه العلاقة تبدو مرتبكة وملتبسة.. وسعيد نفسه لا يعرف كنهها وجوهرها.. فتارة يقول عنه "يونس الهلالى هو من احتوانى وفهم طبيعة نفسى منذ اللحظة الأولى التى التقينا فيها أمام مكتب شئون الطلبة فى كلية الآداب جامعة القاهرة"، ثم هو أيضا "اللعنة التى حلت بى.. أحبه وأكرهه.. أعتز بصداقته وأحتقره فى آن".

أما المسار الثالث الذى رسمه خالد إسماعيل لبطل روايته سعيد جوهر ابو القمصان فقد بدأ فى صالون ثقافى يقيمه الأستاذ الجامعى حنفى الطاهر حين يتعرف سعيد على ناهد الصياد.. وهى تعرف أيضاً يونس الهلالى (فى صالون الدكتور حنفى الطاهر رأيتها وأعجبتنى وبالأدق اخترقت قلبى بنظرة من نظراتها الحارقة.. بشرتها البيضاء ووجهها البيضاوى وأنفها الدقيق وشعرها المرسل بجنون يذكرنى بالغجريات).

أحب سعيد ناهد، لكنها اتخذته جسرا ووسيلة لكتابة أبحاثها ودراساتها حول الصعيد والجماعات الأفريقية، والعبيد وأغانيهم وموسيقاهم.. حتى حصلت على الماجستير والدكتوراه بمجهود سعيد، وفى يوم أسود فوجئ سعيد، وهو يسير فى شارع عبد الخالق ثروت بناهد تتابط ذراع يونس الهلالى كعاشقين كبيرين، فكانت النهاية.

لقد سطا يونس على حلم سعيد، الذى ظل عاجزا تجاه صديقه المنتمى لبنى هلال، رغم أنه كان قد ترك الإقامة فى مسكنه، ليقتل سعيد ناهد ويحكم عليه بالسجن المؤبد.. ليعيش فى السجن لا يشغله شىء مما هو خارج حدوده.

سعيد إذن هو الذى دار فى دائرة جهنمية لا فكاك منها، كثور مغمض العينين يصارع الجميع ويخونه الجميع، بدءا من والده وحتى صديقه وحتى من عشقها بجنون. منذ طفولته، تستولى عليه فكرة أنه اقل، وأصغر، وأدنى. تطارده العقدة أينما كان، وأينما حل. وكانت هذه النهاية محتومة، ومحكوم على صاحبها بالضياع دون جدوى.

يبدو سعيد أسيرا لدائرة قابضة وضاغطة تضغط على روحه وتكتم أنفاسه.. لم يتخلص منها أبدا رغم محاولته تقديم نفسه كشاعر يبحث لنفسه عن دور وعن حبيبة وعن حياة، لكن كل ذلك لا يتحقق ويصبح أمله فى النهاية سرابا كبيرا.

ومع كل هذه الخيبات.. فثمة بعد آخر فى الرواية أعطاه الكاتب مساحة مهمة، وهى هذه المنطقة الروحية الأثيرة التى يمنحها الشهيد فرج أبو القمصان فى عالمه الآخر لابن شقيقه سعيد. يعطى فرج لسعيد فرصة لكى يتحرر من كل تلك الدناءات التى تحاصره، تحتفظ جدته مراسيلة بتذكار من ابنها فرج تضعه فى رقبتها، بينما يقرأ سعيد خطاب عمه الشهيد الذى استشهد فى حرب اليمن إلى الإمام الشافعى.. خطاب يكشف عن كثير من ملامح عائلة سعيد، وفقرها، وانكساراتها المتتالية، لكنه يمنح الشاب المتمرد مساحة إنسانية وروحية جيدة.

 رؤية اجتماعية

يقدم خالد إسماعيل رؤية اجتماعية معتبرة عبر أطياف مختلفة لطبقات وفئات ومجموعات متباينة فى مجتمعنا، ويمسك بخيوط بيئة وبنية مجتمعية راسخة، وكذلك يلجأ إلى التراث فى مواضع عدة، لعل أهمها لجوؤه إلى حكاية كافور الأخشيدى، العبد الأسود الذى حكم مصر والقصيدة الساخطة التى هجاه بها المتنبى.

مجتمع العائلة الصعيدية التى تنتمى للعبيد موجود بكل تفاصيله. وتشابكاته فى رواية أبو القمصان حتى وإن رحل أفراد هذه العائلة إلى القاهرة.. أيضا تتجلى هنا قدرة العمل الفنى المبدع على الكشف والاستشراف. فمن يقرأ رواية خالد إسماعيل جيدا يمكن أن يخرج بتفسير لما نعاينه بوضوح من نزعات قبلية وعرقية فى أحيان كثيرة على السوشيال ميديا ووسائل التواصل، وهو أمر يؤكد أن المبدع الحقيقى الأصيل يمكنه أن يرى جيدا من بعيد.

 	محمود مطر

محمود مطر

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

خالد إسماعيل .. حارس الحكاية وصاحب سردية هامش الجنوب

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - يا بلالين العيد.. آنستينا

شروق أول أيام العيد، تخرج المرأة المكافحة.. لم تتناول حتى إفطارها فى البيت، فاصطحبت معها لقمة سريعة للإفطار،

الطريق إلى الله«2» ذكر الله.. حياة القلوب

"الطريق إلى الله" ليس مجرد سطور بل هو رحلة روحية تهدف إلى استكشاف معنى القرب من الله، وفهم غاية وجودنا،...

أبو بكر الصديق.. حامى دولة المسلميـن وقـاهـر المـرتدّين عن الدين

رجال حول الرسول«6» كان أول من أسلم من الرجال الأحرار وأسلمت أمه ثم أسلم أبوه وأنفق فى سبيل الله وجاهد...

صــلاح عيسـى: الشيـــخ إمـام اختار أن يكون بطلا

تحدى العجز وصنع لنفسه قيمة ومكانة و دور «2-2» الخلاف مع السادات بدأ فى 76 بسبب استثمار الحرب والتحالف مع...