الروائية الكبيرة سلوى بكر تواصل حوارها: «2-2» تجربة الإسلام السياسى شوهت الهوية والشخصية المصرية / كانت أمى تكلفنى بتوصيل «أنجر الفتة» لدراويش مولد سيدى السواح / عشت ظهور «العدرا» على كنيسة الزيتون بعد النكسة وكتبت عنها رواية
فى الجزء الأول من هذا الحوار الاستثنائى الذى تحكى فيه الروائية الكبيرة سلوى بكر عن الجانب الروحى والتكوين الدينى فى شخصيتها ووجدانها، كشفت عن تأثير نشأتها فى حى "الزيتون" بكل ما ميزه حينها من سماحة فى الفكر وتسامح بين الأديان والجيران، وحكت عن تأثرها بما عاشته وشبت عليه من انتصار لجوهر الدين وليس مظاهر التدين الكاذبة..
وحكت عن زميلاتها فى مدرسة سرايا القبة الثانوية، وبينهن بنت شقيق الإمام الأكبر الشيخ محمود شلتوت وابنة الشيخ الحصرى شيخ المقارئ المصرية.. وحكت عن عشقها لأصوات المجيدين من مدرسة القرآن المصرية، وفى القلب منهم الشيخ رفعت ومصطفى إسماعيل.. وتعلقها بصوت المنشد الشيخ محمد الفيومى صاحب "ماشى فى نور الله".. وتواصل سلوى بكر شهادتها ورحلتها "الروحية".
(1)
فكرة "المولد" - بشكلها وجوها الاحتفالى بالقديسين والأولياء - هى "اختراع" مصرى، وظاهرة ممتدة فى تاريخنا منذ زمن الفراعنة؛ ففى الدولة المصرية القديمة كان لكل إقليم من أقاليمها الـ 99 معبود، يحتفل به الناس ويقدسونه ويقيمون له الأعياد، ومع قدوم المسيحية تعددت احتفالات المصريين بالقديسين وموالدهم، ويمكنك أن تذهب لتشاهد الاحتفال الذى يقام فى شهر أغسطس من كل عام بقرية "ميت دمسيس" بمولد القديس مار جرجس.. مثلا.
وبجانب موالد القديسين، ومع دخول الإسلام أضيفت موالد الأولياء واحتفل المصريون بمن قدموا إليهم من آل بيت النبى، وبخاصة السيدة زينب ومولانا الحسين.. وفى تلك الموالد يختلط المسلمون والمسيحيون، فهى ليست مناسبات دينية بقدر ما هى طقوس احتفالية..
ومن وحيها كتبت روايتى "فيلة سوداء بأحذية بيضاء" عن ظهور السيدة العذراء وتجليها فى كنيسة الزيتون، وهى الظاهرة التى شغلت المصريين بعد النكسة، وقد عشت هذا التجلى فى العام 1968، وأذكر أن العمارة التى كنا نسكنها كانت خليطا من المسلمين والمسيحيين، وكنا بعد صلاة العشاء نحمل الكراسى والسندوتشات ونتوجه إلى الكنيسة ونجلس فى أماكن تتيح لنا أن نتابع ظهور العذراء ونشاهد الأجواء..
وأثار ظهورها الجدل، وظهر من يشكك فيه، مما دعا الكنسية المصرية إلى إصدار بيان بتوقيع البابا كيرلس السادس يؤكد التجلى وأن السيدة العذراء جاءت لتواسى المصريين فى المحنة وتشد من أزرهم بعد النكسة.. وصدقناه، لأننا كنا نريد أن نصدقه..
ورغم نُبل الغاية ووطنية المقصد - وهو رفع الروح المعنوية للشعب فى تلك الأيام الثقيلة والتجربة الصعبة - إلا أن هناك من يعتبرها واحدة من بدايات وتجليات الخلط بين الدين والسياسة، وهو الخلط الذى وصل إلى ذروته وخطورته مع صعود تيار الإسلام السياسى فى سنوات السبعينيات..
فرض هذا التيار نفسه على الشارع المصرى بقوة، وهو ما تمثل وتجسد فى صور وظواهر رأيناها وعشناها، من ظاهرة الدعاة الإسلاميين بتعدد الأسماء والتجارب والأصوات، إلى ظاهرة حجاب النساء، إلى تحريم الفنون، إلى أسلمة كل مظاهر الحياة وتفاصيلها، وكأن الإسلام قد دخل معهم للتو إلى مصر، وكأن أجيالا متعاقبة من آبائنا وأجدادنا لم تعرفه ولم يكونوا من المسلمين..!
كان المستهدف من مشروعهم سلب الشخصية المصرية خصائصها وملامح هويتها، وإشاعة جو من الفرقة والفتنة الطائفية والتعصب الدينى، وتقسيم الشعب إلى مسلم ومسيحى.. فبعد سنوات من الانصهار الوطنى فى ثورة 1919، حيث توحد المصريون تحت شعار الدين لله والوطن للجميع، وخاضوا معركة الاستقلال ضد الاحتلال الإنجليزى على قلب رجل واحد، جاء تيار الإسلام السياسى ليجعل الدين هو معيار الحكم على الناس وليس المواطنة، فمن لا ترتدى الحجاب تصبح فورا فى نظرهم مسيحية، وكثيرا ما ظنونى كذلك لأننى لا أرتدى الحجاب..!
وفى تلك المرحلة التى سموها بـ "الصحوة الإسلامية" سيطرت تلك الجماعات على التعليم، وعلى الدعوة، وعلى الشارع، وعلى الجامعات.. فرضوا سيطرتهم وأفكارهم، وقمعوا مخالفيهم، ورأيناهم وهم يضربون نوال السعداوى بالجنازير، وهناك عشرات من تلك الوقائع المروعة عشناها وشفناها..
لا يؤمن هؤلاء بالحوار ولا المنطق، ولا يقبلون الخلاف أو الاختلاف، ولا يعترفون إلا بوجهة نظرهم، وكل من يعارضهم فهو خارج عن الدين وعدو للإسلام لأنهم يعتبرون أنفسهم هم وحدهم المسلمون.. يقول لك داعيتهم مثلا المرأة لازم تقعد فى البيت، طيب تعالى نتناقش فى الأمر، قل لى أسبابك وحيثياتك المنطقية، من قبيل أن قعدتها فى البيت ستأتى بنتائج أفضل فى تربية الأطفال وتنشئتهم، ثم اسمح لى أن أطرح رأيا مختلفا له وجاهته وحيثياته يقول إن المرأة العاملة يمكن أن توفق بين عملها وبيتها، فتربى أطفالها تربية صالحة وممتازة وفى نفس الوقت تساهم فى نفقات البيت، خاصة فى حالة تعب الزوج أو قلة دخله أو تهربه من النفقة..
هذا هو الحوار الذى أفهمه، لكن هؤلاء "يقفلون" باب الحوار من اللحظة الأولى بتصدير "المقدس"، قال الله وقال الرسول، ويلوون عنق الآيات القرآنية والأحاديث النبوية بما يخدم وجهة نظرهم، ويستشهدون بفتاوى وآراء فقهية من كتب السلف، وأصل الشيخ فلان فى القرن السابع الهجرى قال، تقول له إن القرآن حمال أوجه، وأن هناك أحاديث نبوية أخرى يمكن أن يُفهم منها عكس ما تقول، فلا يسمع ولا يقبل، وطوال الوقت يرى أنه يملك الحقيقة المطلقة..
شوف مثلا ما فعلوه فى مفكر مجدد ومجتهد مثل نصر أبو زيد، وكنت أعرفه إلى حد ما وعندى شىء من الإلمام بمشروعه الفكرى، ومشروع د. نصر ببساطة يرى أن النص القرآنى لن يفقد قداسته إذا ما تعاملنا معه كنص لغوى وطبقنا عليه ما يُطبق على اللغة، وهو ما يجعلنا نفهم كثيرا من الآيات مجازيا وليس حرفيا، فعندما يقول القرآن مثلا "يد الله فوق أيديهم" فلا يعنى ذلك أن يكون له جل شأنه يد كيد البشر، هذا مجاز لغوى لتقريب الفهم، كقوله تعالى "ثم استوى على العرش"، فلا يصح أن نفسره بالفهم القاصر أن لله كرسيا كذلك الذى يجلس عليه حكام البشر وملوكهم، اللغة تقول هذا مجاز وليس المعنى المباشر بتفسيره الدينى الضيق..
حاول الرجل الاجتهاد.. فعاقبوه، حاول أن يتحاور معهم فجرجروه إلى المحاكم.. وكان مصيره المنفى..
حدث ذلك مع نصر أبو زيد وهو المفكر الإسلامى، فما بالك بمن يعتبرونهم التيار العلمانى "المحارب" للدين من وجهة نظرهم، ولذلك كنت تجدهم فى حالة خصومة شديدة مع اليسار، لأن اليساريين حاولوا تقديم أفكار حداثية، وأغلبها لا يتعارض مع صحيح الدين، وخاصة طروحاتهم عن العدالة الاجتماعية والمساواة وتكافؤ الفرص والعيش المشترك بين المواطنين وفقا لعقد اجتماعى اسمه الدستور..
وكان لى تجربة مع الحركة الطلابية دخلت بسببها السجن، وكنا نستهدف فى نضالنا: تحرير كامل التراب الوطنى من الاحتلال الصهيونى، وتحقيق المزيد من العدالة الاجتماعية التى بدأها الرئيس العظيم جمال عبد الناصر..
وجاءت تلك الجماعات لتضرب المشروع الوطنى وتسلب مصر هويتها..
وتحت لافتة الإسلام السياسى عشنا مع تيار احتل الفضاء المجتمعى على هذا النحو، وتغلغل فى تفاصيل الحياة بتلك الصورة، مستغلا ما يحتله الدين من مكانة فى الوجدان المصرى..
(2)
وعندما يقال إن المصرى متدين بطبعه فهذه حقيقة ثابتة لها جذورها التاريخية.. فالحضارة المصرية القديمة ارتبطت بالنهر وقامت على الزراعة، والفلاح الذى يظل فى حقله من شروق الشمس إلى مغربها، ويعرف أسرار الكون والطبيعة، مؤمنا بقدرة الخالق وعظمته، ومع استقرار الإيمان فى وجدانه ومعرفته بالله وكتبه ورسله، فإنه حوّل الدين إلى طقوس.. يومية وموسمية..
فى "الزيتون" حيث ولدت وعشت رأيت ارتباط الناس بطقوس الدين، رأيتها فى شهر رمضان، حيث تلك المظاهر الفريدة التى اخترعوها للاحتفال بشهر الصيام، ومازالت حاضرة من مئات السنين ولا يوجد لها مثيل فى أى بلد آخر.. وكنا ونحن صغار ننتظر شهر رمضان وبهجته ولياليه وما نناله من "النُقل"، ترسلنى أمى لأحضر لها شيئا من طنط فلانة جارتنا فتملأ لى الجارة جيوبى مما لذ وطاب من ياميش رمضان ومكسراته خاصة الجوز واللوز..
رأيتها فى الاحتفال السنوى بمولد سيدى "السواح"، وهو ولى صاحب مقام بالقرب منا، وكانت أمى توفى فى مولده بنذرها، والذى هو عبارة عن "أنجر فتة" تطبخه بيديها ثم ترسله مع السيدة التى تساعدها فى شغل البيت وأنا معها لنوصله إلى مقام سيدى السواح لإطعام زواره ودراويشه.. وعلى مقربة منه كان مقام ولى آخر هو سيدى "القواس"..
حضرت "حضرات" صوفية، وعرفت الدراويش، وأحب التصوف كحالة، ولى اعتراضات على بعض ظواهره.. يعنى أنا مثلا لا يستهوينى "جلال الدين الرومى" ولا أحب هذا النوع من التصوف، والرواج الذى حصل فى فترة لأشعاره وللرواية التى تناولت سيرته (قواعد العشق الأربعون) ما هو إلا "موضة" اخترعها "شوية مثقفين"، وتصوف المثقفين لا يدخل ذمتى بنكلة، فالرومى جعلوا منه مجرد موضة، مثلما اخترعوا موضة ياسين التهامى وإنشاده لأشعار ابن الفارض..
عن نفسى أنا أحب الشيخ ياسين وأسمعه، ولكن فى تصورى أنه لا يليق بجمهور المثقفين "التافهين" فى قصر الغورى أو غيره من أماكن تجمعاتهم، لأن مكان الشيخ ياسين هو فى موالد الصعيد وسرادقاته حيث جمهوره الحقيقى.. هذا موقعه وجمهوره، أما ما حاول المثقفون "بتوع القاهرة" فرضه فهى حركات لا أحبها ولا أستسيغها.. الغرض منها أن يثبتوا أنهم مع الفن الشعبى وغير منفصلين عن ذوق الناس فى الشارع.. بدليل أنهم يسمعون "ياسين التهامي".. وكثيرا ما أسألهم: أنتم جمهوره بمناسبة إيه؟!
وفى شعر التصوف فإن ذوقى يذهب إلى الشيخ الأكبر محى الدين بن عربي، وأنا لا أعتبره مجرد شاعر، بل فيلسوف ومثقف وصاحب رؤية، ولو قارنته بالرومى تجد أن ابن عربى رجل "ثاقب"، بمعنى أنه أكثر عمقا وتأثيرا، وأكثر اتصالا بالفلسفات القديمة، وهو ما تلمسه فى أشعاره، ففى حين يقول فيثاغورث مثلا: "الجسد قميص الروح" تجد المعنى نفسه عند ابن عربى عندما يقول "العين سراج الجسد"، فمن تلك الفلسفات نهل ابن عربى وتأثر فكانت كتاباته أعمق وأكثر تأثيرا.. وهو القائل: كل معرفة لا تفيد علما لا يعول عليها..
وبجـــانب ابن عربى أحب فى التصــــوف كتـــابات وأشعار ابن عطاء الله السكندرى، وذى النون المصرى، وعمر بن الفارض..
ومن الظواهر التى توقفت عندها فى التصوف المصرى ظاهرة "الدراويش"، وقد عرفت الكثير منهم، وهى ظاهرة مرتبطة بأسباب تاريخية واجتماعية، وكذلك بالشخصية المصرية بما تحمله من "طيبة"..
وكذلك ارتباط المصريين بآل البيت، وخاصة سيدنا الحسين، والحسين فى تصورى فكرة تتجسد فيها معنى الشهادة والتضحية، وهو معنى عرفه الوجدان المصرى متجسدا فى شخصيات مثل "أوزوريس" و"مار جرجس".. فالحسين هنا رمز، معنى، فكرة.. والأفكار لا تموت.
(3)
طول عمرى عندى إحساس بأن ربنا "يطبطب" علىّ، ولدىّ مواقف كثيرة بينى وبين ربنا رأيت فيها كرمه وتوفيقه وتيسيره، لا يمكننى أن أحكيها، ويمكننى فعله هو أن أحمده عليها..
لا أسمى هذا تصوفا ولا أجرؤ، بل هى حالة من الرضا، وهى نعمة عظيمة إذ أنعم الله بها على عبده، تجعله لا ينظر لما فى يد غيره، لا يشتكى من نقص ولا حرمان، ولا يقول يا ريتنى، وأنا فعلا أكره كلمة يا ريتنى، ولا أحب أن أندم على شىء فاتنى ولم يتحقق..
حالة من الرضا الداخلى أشعر أنها بتوفيق ربانى، دائما راضية، ومهما كانت الظروف أقول الحمد الله.. وكل اللى يجيبه ربنا كويس..
(4)
اعترافات أخيرة
- الدراما الدينية ارتبطت عندى بالإذاعة، وما زلت أذكر حلقات "أحسن القصص" بسردها الدرامى لقصص القرآن، وأجمل ما فى الراديو أنه يُطلق لخيالك العنان، ويجعلك تعيش مع الأحداث وتتخيلها وترسم بنفسك ملامح الشخصيات.. أما ما يتعلق بالمسلسلات الدينية التليفزيونية فلا تسألنى عنها، لأننى لا أشاهد التليفزيون، لا فى رمضان ولا غير رمضان، وجهاز التليفزيون عندى مُعطل طوال السنة.. أعشق القراءة لا الفرجة، الثقافة لا التسلية.
- لا أستسيغ التلاوات الخليجية للقرآن الكريم ولا أصوات مقرئيها.. وأعترف أن لهم انتشارهم فى مصر، لكن ذلك حدث مع العاملين المصريين بالخليج، الذين عادوا بفلوس النفط.. وثقافته.
- تستوقفنى الآية القرآنية "ما لكم كيف تحكمون"، وتسحرنى سورة "الرحمن" بموسيقاها الفريدة.
- فى طفولتى لا أنسى "شجرة مريم"، تلك الشجرة المباركة التى ترتبط برحلة العائلة المقدسة فى مصر، وهى موجودة بمنطقة المطرية بالقرب من حى الزيتون الذى عشت فيه، ويتبارك المصريون بزيارتها، وكنت من هؤلاء الزائرين.
- سافرت كثيرا وعشت واختلطت بمجتمعات أوربية وغربية، لكنى لم أر ما يسمونه "فوبيا" الإسلام، أو أن الغرب ينظر إلينا كإرهابيين، ومشكلتنا أننا ننظر إلى الغرب على أنه كتلة واحدة، هذا تبسيط مخل وغير حقيقى، بدليل أن الملايين من شعوب أوروبا خرجت فى مظاهرات عارمة تدين العدوان الصهيونى الإجرامى على الفلسطينيين فى قطاع غزة وتعترض على موقف حكوماتها المُخزى فى دعم إسرائيل.. ثم إن الغرب نفسه يعلم أن تلك التنظيمات الإرهابية التى نسبوها للإسلام (مثل جماعة بن لادن) هى فى الأصل صناعة أمريكية، والأهم أننا أكثر من اكتوى بنارها وشرها.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...
الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين
فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...
القصة فن لصيق بالحياة وقادرة على التطور.. وكتبت «صورة مريم» بتقنيات جديدة