كمال رحيم.. الروائى الذى اقتحم عالم اليهود المصريين

روايته الأخيرة «وكسة الشاويش» تكشف تفاعلات نفسية وتشابكات مجتمعية فى لعبة سردية مثيرة/ أزمة الهوية كانت سؤاله الروائى الدائم.. وانتقل من عالم الريف إلى عوالم المدينة/ عمله ضابطًا أفاده كثيرًا فى الاقتراب من شرائح اجتماعية مختلفة

تتسع الرواية باتساع العالم، وتتسع قراءتها بخصب العالم الذى تشكله، إذ تمنح القراء متعة ومعرفة متجددة تؤشر على العالم وسياقاته، وتطرح أسئلة جديدة، ومن ثم تخلق زوايا جديدة للنظر على الذات والعالم والنفس. هكذا كان يفعل الروائى الراحل كمال رحيم فى كل أعماله، فهو يتساءل ويخلق مساحات جديدة للرؤية ويناقش فى أعماله الروائية هموما إنسانية صغيرة لكنها تحمل قضايا فلسفية كبيرة.

كمال رحيم؛ كاتب وروائى، قدم خلال مشواره الإبداعى مجموعة متنوعة من الأعمال الأدبية. حصل على درجة الدكتوراه فى القانون من جامعة القاهرة، وصدرت له خمسة مؤلفات قانونية، وإحدى عشرة رواية؛ منها "ثلاثية اليهود": (المسلم اليهودى، وأيام الشتات، وأحلام العودة)، والتى ترجمت إلى ثلاث لغات (الإنجليزية، والألمانية، واللغة الأرمنية)، وحصل على العديد من الجوائز؛ منها: جائزة نادى القصة أربع مرات؛ عن قصصه القصيرة، وجائزة الدولة التشجيعية فى الأدب عام 2005، وجائزة اتحاد الكتاب فى الرواية عام 2021، ثم جائزة الدولة التقديرية فى الأدب عام 2022  عن مجمل أعماله.  وبعد فوزه بجائزة الدولة التقديرية قال فى تصريحات خاصة لـ"الإذاعة والتليفزيون": أميل إلى الكتابة عن الإنسان ومشاعره، لذا أنا دائم الكتابة عن التفاعلات الإنسانية والمشاعر التى تحكم الأفراد وتفرض عليهم وقائع وأحداثا مستمرة، ولا يمكننى الكتابة إن لم أكن على تماس تام واقتراب حقيقى من الناس، وهو ما أحاول أن أبذله جاهدا على الدوام.

«وكسة الشاويش»، الصادرة عن دار الشروق، آخر روايات الراحل، تكشف تفاعلات نفسية وتشابكات مجتمعية ينسجها الكاتب الروائى الكبير عبر لعبة سرد مثيرة مشغولة بأناقة مدهشة، إذ تبدأ الرواية بحادثة قتل الابن للأم، ثم تكشف الرواية التى تدور فى بورسعيد عن دوافع هذا الحادث ونظرة الابن لذاته ولأمه ولأبيه، ومن أجواء الرواية نقرأ: «أنا عادل حسان العطفى.. كان أبى سيدا من سادة الكون فى نظرى، صعب علىّ أن أراه ضئيلا مكسورا، وكالمذنب فى يد امرأة، ولو كانت أمى. كان أبى شاويشا، وكنت وقتها مشوشا فى فهمى لعلاقة أمى بالمدعو الفار، مشتتا بين استنكار وغضب، كان هذا عالمى، عالم الصغار ناقصـى الوعى، أستثار فقط عندما يشاركنى أحد فى أمى، كانت هذه مشكلتى؛ والآن كبرت بعض الشىء.. وصار غضبى غضب الصبْية الذين يخطون نحو سن الشباب، بقى معى الاستنكار والغضب، ولازمانى منذ الصغر، ولحق بهما التوجس ولحق بالغضب غضب أشد، حتى بدأت المأساة...».

 خارج الكتابة.. مشوار مهنى

كمال رحيم مواليد 1947، حصل على ليسانس الحقوق والشرطة، ثم ماجستير القانون العام من كلية الحقوق جامعة القاهرة، ودبلوم الإحصاء الجنائى من المركز القومى للبحوث الجنائية والاجتماعية، وحصل على دكتوراه فى النظم السياسية والقانون الدستورى فى كلية الحقوق جامعة القاهرة، وتدرج فى وظائف الشرطة حتى وصل إلى رتبة لواء، وعمل مفتشًا للإنتربول المصرى فى فرنسا العام 1978، ثم صار مديرا له لمدة ثلاث سنوات. ودرَّس القانون العام بأكاديمية الشرطة بسلطنة عمان، وانتدب للإشراف على العديد من الرسائل العلمية بأكاديمية نايف للأمن بالسعودية وأكاديمية الشرطة بمصر.

هذا تاريخ مهنى يعمل كخلفية للروائى كمال رحيم، وقد تحدث فى حواره السابق مع "الإذاعة والتليفزيون"، عن دور دراسة القانون فى حياته قائلا: شكلت المؤلفات القانونية فى حياتى فترة كبيرة، واحتلت جزءا كبيرا من حياتى، ربما هذا السبب فى أننى لم أكتب أى عمل أدبى إلا فى عمر الـ48".

ارتبط اسم الروائى بثلاثية اليهود، وهو شىء لم يكن محل إزعاج له بل سعادة، متعجبا أن يعيش عمل لمدة 17عاما مع القراء ومازال يعيش، وكان يقول عن ذلك إنه شىء يسعده ويذكره بالروائى القدير الراحل يحيى حقى وارتباط اسمه بقنديل أم هاشم فيقول: "ثلاثية اليهود كان همى من ورائها بعد هجرة اليهود هو علاقة اليهودى بفكرة الوطن وهل يحمل حنينا لوطنه، ومن هنا جاءت الفكرة بالتدريج، فى أثناء عملى بالإنتربول فى فرنسا حصلت على منحة من السوربون بالتنسيق مع جامعة القاهرة للحصول على درجة الدكتوراه، وفى فرنسا التقيت أندريه، وهو يهودى فرنسى من أصل مصرى، أخذ يحكى عن ذكرياته فى مصر وبيته فى حى الظاهر وطفولته، وذهبت بالفعل إلى زيارة هذا البيت عندما عدت إلى مصر، كان أندريه شخصية هادئة، وقد تكررت جلساتنا معًا ورأيت خلالها وجهه وهو يتحدث عن رغبته فى العودة إلى مصر، والحنين لذكرياته فيها ورغبته فى زيارة الأماكن التى تربى فيها أثناء طفولته، ثم التقيت يهوديا مصريا آخر كان يعمل فى تصدير البصل، وأيضا التقيت عددا من اليهود المصريين، منهم من ولد ونشأ فى حارة اليهود بالقاهرة أو حارة اليهود بطنطا أو دمياط وغيرهما، والكل كان يحكى أشعارا عن مصر وحياته فيها".

وأضاف الراحل: "من هنا استدعت أحاديث أندريه ويهود فرنسا مصريى الأصل إلى ذاكرتى فكرة الوطن واليهود، وما زلت أتذكر صورة جريس الصائغ اليهودى، وكان رجلًا عجوزًا فى قريتنا، وكان محل ثقة الجميع ويأتمنونه على كل شىء بمنازلهم، ويوم وفاته أتذكر جيدا كيف ذهب أبى وعمى وبعض سكان قريتنا لتعزية أسرته التى تقطن حى شبرا". ثم قفزت إلى الذاكرة صورة «يوسف» الذى كان صديقا مقربا لى، تعرفت إليه فى مدرسة المعادى الثانوية، وأتذكر أننى لم أعرف أنه يهودى الديانة إلا قرب انتهاء العام الدراسى، ولأنه كان جارا لى فى المعادى فى شارع 12 وهيب دوس، كنا نتبادل الزيارات وظلت علاقتنا قوية حتى بعد التخرج فى الجامعة، وأتذكر أثناء عملى كملازم فى بورسعيد إبان فترة الستينيات كنا نتبادل الخطابات والمكالمات الهاتفية، لا أتحدث عن يهود وإنما عن مصريين فى المقام الأول، ومثلهم مثل أى مصرى مع اختلاف الديانة.. فهؤلاء أناس كانوا يعيشون بيننا، وهذا ما تسجله كتب التاريخ عادة فى أسطر قليلة، وقد لا يلتفت إليها أحد، أما العمل الروائى فشكل آخر يسجل حياة هؤلاء الناس بشكل ينبض بالحياة، حتى يبقى فى الذاكرة الجمعية زمنا طويلا، وهذا ما شعرت به حينما كنت أستمع إلى «أندريه» إذ قال لى بشكل مؤثر «يارب ما تنسونا»، هذه الكلمة أثرت فى للغاية، فأصررت على الكتابة عن هؤلاء اليهود المصريين ليعرفهم من لم يشهد هذه الحقبة من الزمن، التاريخ سيقول أعداد اليهود وأماكنهم، وسيذكر أنهم اليوم 6 أو 7 فقط، وروايتى ستحضر فكرة اليهود الوطن إنه الإنسان والوطن الأرض.

 كواليس فوزه بالتشجيعية

كشف كمال رحيم عن كواليس فوز الثلاثية بجائزة الدولة التشجيعية قائلا: "أنا رجل هاو، كنت أعيش بالخارج، ووقت فوزى بجائزة الدولة التشجيعية عن روايتى "السلم اليهودى" أبلغتنى زوجتى بعد اتصال الراحل يوسف الشارونى الذى لم أكن أعرفه من قبل، ثم شعرت بداخلى بأن القصة تحتاج لتكملة فكتبت ثلاثية اليهود، والدافع للكتابة عن اليهود فى وقت مبكر سنة 2004 بعد أن حدث شىء حركنى، كنت فى فرنسا وذهبت لشراء ملابس من ماركة معينة من البلد الذى ينتجه، وتعرفت على البائع وعرف أننى مصرى، ثم قال أنا يهودى مصرى رغم الجنسية الفرنسية، وبعد أن انتهى من عمله جلسنا معا وعرفنى على باشا يهودى من أصل مصرى، وكانوا يتحدثون عن مصر عبر حفلة لليهود وجاءوا من ضواحٍ مختلفة، ومنهم فقراء وبؤساء، وكانوا يتحدثون بحب وود عن ذكرياتهم فى مصر، وخلال الحفل غنوا أغنية "سواح"، ثم أغنية عبد الوهاب "حب الوطن فرض على"، وكانوا يبكون من فراق أولادهم فى بلاد مختلفة بعد هجرتهم من مصر، وبعد كامب ديفيد اعتقدوا أن بإمكانهم العودة، وعقب انصرافى طبطب الرجل على ظهرى قائلا: ياريت ما تنسونا. وأنا لا أتكلم فى الثلاثية عن اليهودية، وإنما المصريين اليهود، ولم أستند عند الكتابة لأى مراجع، وإنما زرت المعابد اليهودية فى شارع عدلى والعباسية كنوع من المعايشة، وركزت عبر الثلاثية على الهوية، بالتحديد فكرة وانشطار الهوية، ما بين الانقسام بين المسلم اليهودى، ليتولد الصراع الكامل بين إسلاميته ويهوديته، وكذلك الجد زكى المنشطر بين دينه وبين وطنه".

 مكافحة الجريمة

وعن تأثير عمله بالإنتربول على حياته كروائى قال كمال رحيم: "الناس فاهمة غلط، فعمل الإنتربول الأساسى مكافحة الجريمة، وهذا يخضع للاتفاقيات بين الدول، بالطبع هناك وظائف تعرض أصحابها للاحتكاك بكافة طبقات المجتمع، مثل الضابط والطبيب والمحامى، وعملى كضابط أفادنى روائيا، فقد كتبت عن بورسعيد بعد خدمتى فيها لمدة 6 سنوات، وعملى بالإنتربول لمدة 11 عاما كاملة عرفنى على عقلية الأجانب، وكيف يعيشون ويفكرون ومن هنا تعرفت عليهم وازداد مخزونى الروائى.

ويصنف كمال رحيم نفسه أنه كاتب واقعى قائلا: "أنا كاتب واقعى، لكن فى بداياتى كنت متأثرا للغاية بتيار الرومانسية، ففى المرحلة الثانوية كنت معجبا جدا بالكتابات الرومانسية، وكنت أعيش بالريف، ثم جاءت مرحلة نجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس".

وعن تأثره وإعجابه بالعديد من الكتابات يضيف قائلا: كثرة الأسفار للخارج جعلتنى على علاقة جيدة بكثير من الترجمات العالمية من الأدب الروسى وخلافه، فانتقالى من قريتى لحى المعادى، ثم لفرنسا، ودون أن أشعر أثر كثيرا بى، والأهم من ذلك الذائقة الأدبية، التى تأثرت بالعديد من الكتابات المصرية المهمة، مثل قدرة نجيب محفوظ على إنشاء معمار كبير فى أعماله، فهو قدم أدبا كأنه ناطحة سحاب، والمنمنمات الصغيرة لمحمد البساطى، والبساطة فى أدب توفيق الحكيم، والسخرية عند يحيى حقى، السخرية التى تعتمد على الموقف.

 ما وراء بورسعيد وروايات الريف

ويضيف كمال رحيم: الريف هو أجمل أيام حياتى، هو زمن بعيد كنت أراه نبتة صغيرة، ولذلك أصدم من المسخ الذى يعيشه الريف حاليا، لا هو ريف ولا بندر ولا شبه مدينة، عمر أمى ما اشترت رغيف عيش، الريف الحالى لا أعلم عنه شيئا، وكتبت عن الريف عبر الطبقة العليا فى الريف فى رواية "أيام لا تنسى"، وفى روايتى "قهوة حبشى" تحدثت عن الفئة الدنيا فى الريف، وكيف أن الناس لا تريد قبول توبته بعد سمعته كمجرم، ثم يرزق ببنت لا يقبل الناس على الزواج منها، ثم يموت بنوبة قلبية، وتناولت أفكار الشحاذين، وأنا أعتبر المكان مهما جدا فى حياتى، وفى أدبى، ففى بورسعيد لم أركز على ضجيج الحرب والسياسة، وإنما تحدثت عن ردود فعل الناس والمقاومة تجاه القنابل الملقاة عليهم، فجرسون القهوة يتحول لبطل حربى، ويوجد ضابط يخاف، كما تحدث قصص حب خلال الحرب والدمار. أنا أعتبر عملى عن بورسعيد رواية غزيرة.

شكلت بورسعيد مكانا خصبا لتجول عالم كمال رحيم، وشكلت درايته بالريف اقترابا لما وصف بعالم القرية أو أدب القرية، وعن ذلك قال فى حواره: حظيت بطفولة جميلة. كنت فى الريف، لكن كان فى بيتنا كل المجلات والصحف، وحينما انتقلت للتعليم أحضر لنا الأب شقة فى القاهرة، وكنا نعود للريف فى الإجازات، أنا مواليد قرية المنصورية بضواحى الجيزة، وظللت أعيش بها حتى المرحلة الإعدادية، وبالتالى فهى راسخة فى وجدانى، وتأثرت بهم روائيا، فروايتى "أيام لا تنسى" دارت أحداثها فى فترة الخمسينيات، وجسدت خلالها حياة الطبقة العليا فى القرية وهى طبقة العمد، وصورت كيف يديرون البلدة وطموحاتهم على ألسنة النسوة فى بيت العمدة، وفى "قهوة حبشى" رصدت أحلام الطبقة الدنيا الفلاحين البسطاء.

 	 هانم الشربينى

هانم الشربينى

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

مشروع ذا سباين طلعت مصطفى The Spine TMG New Cairo

تطرح شركة طلعت مصطفى القابضة مشروعها الجديد في شرق القاهرة وهو مشروع ذا سباين طلعت مصطفى The Spine TMG New...

جرجس شكري: حلمي رفلة "صانع النجوم" كان ينتج ثُلث أفلام السينما المصرية

ناقشت اللجنة الثقافية والفنية بنقابة الصحفيين كتاب "صانع النجوم.. حلمي رفلة.. سيرة سينمائية بلا ماكياج" للناقد والكاتب الصحفي جرجس شكري،...

مزايا استخدام الشريحة الإلكترونية (eSIM) أثناء السفر

مع التطور السريع في عالم التكنولوجيا، أصبحت تجربة السفر أكثر سهولة وراحة بفضل الابتكارات الرقمية التي تهدف إلى تبسيط حياة...

قصة مصورة - «الورد » هلت أنواره

بدأ الربيع بعواصف تراب ومطر، وانتهى بعد البروق والرعود إلى سماء صافية ومناخ نقى النسمات وشمس لينة تطبطب على الناس...