«علمته الرماية».. تدوير درامى للشخصيات والأحداث وروايـة لها مدلول سياسى

يهدى القاص والروائى الكبير حسين عبد الجواد روايته المهمة "علمته الرماية" التى صدرت عن دار ميريت إلى المناضل الشيوعى المعروف  "شهدى عطية" الذى رحل إثر فاصل من التعذيب المميت فى معتقل أبو زعبل عام 1960.. ثم لا يلبث قارئ هذه الرواية -أن كان يعرف قدرا ولو يسيرا من تاريخنا الحديث- أن يدرك المغزى من إهداء الرواية إلى شهدى عطية

أن حسين عبد الجواد فى هذه الرواية التى تدور أحداثها فى الستينات.. بدأ متأثرا جدا بقصة مقتل شهدى عطية فى معتقل أبو زعبل.

تبدأ الرواية بهذه السطور على لسان سعيد   أحد زبانية  التعذيب الذى كان كثيرا ما يتم تكليفه بتعذيب المعتقلين فى السجن..

"اجرى وعطية الحنفى يجرى خلفى، وفجأة أرى أمامى الطريق وقد سدت بحائط عريض، أحاول السيطرة على اندفاعى حتى لا أصطدم بالحائط...يدا عطية تحيط بعنقى...اصحومن النوم وأنا أتنفس بصعوبة كما لو كنت قد جريت بالفعل.. يا له من كابوس كئيب للغاية.. يبدو أن عطية ما زال يرغب فى الانتقام منى رغم مرور ما يقرب من ثلاثة أشهر من واقعة مصرعه الذى تم على يدى، سوف ندرك كثيرا من أوجه التشابه بين   المعتقل عطية الحنفى الذى  عُذِب وقتل فى الرواية وبين شهدى عطية الذى راح ضحية التعذيب فى معتقل أبو زعبل عام ١٩٦٠.. فعلى لسان حسن عبد الواحد أحد شخصيات الرواية يقول:

عاد أبى بالأمس  من الإسكندرية وقال إنه عرف من أصدقاء له  أن عطية الحنفى زميله فى مدرسة المعلمين العليا قد مات من جراء التعذيب فى المعتقل.. أما شهدى عطية فى الواقع فقد ولد بالإسكندرية  عام ١٩١١، وتخرج فى كلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية، وعمل مدرسا بإحدى المدارس الثانوية ثم سافر فى بعثة إلى إنجلترا، وعاد بعدها ليعمل مفتشا بوزارة التربية والتعليم قبل أن يقبض عليه   على خلفية انضمامه لتنظيم شيوعى، وقد ألف كتابا مهما بعنوان "تطور الحركة الوطنية المصرية  ١٨٨٢-١٩٥٦ ".

 سعيد أحد زبانية التعذيب فى السجون والمتهم بتعذيب عطية الحنفى  تم إيقافه عن العمل مع قائد المعتقل ومع الشاويش غانم أحد زبانية التعذيب القدامى فى السجون.. سعيد شخصية كريهة   يحتلها كوكتيل من الأمراض النفسية، وهو فى الرواية الشخصية المحورية فى العمل الفنى التى ترتبط بها باقى الشخصيات، يترك حسين عبد الجواد العنان لشخصياته المختلفة ليتحدث كل منهم من وجهة نظره، ويسرد الأحداث  باعتباره الشخصية البريئة الطيبة بينما الآخرون فى نظره هم الذئاب الأشرار.

سعيد وزوجته سناء التى خطفها من عباس ثم عباس وخليل.. هؤلاء هم الشخصيات الرئيسية للرواية يتحدث كل منهم  أكثر من مرة فى عملية تدوير روائية مبدعة وملهمة..لأنه رغم هذا التدوير لم يفقد عبد الجواد البوصلة أو الخيط الدرامى الجامع بين هذه الشخصيات  وغيرهم من شخصيات أخرى فى الرواية.. فبدت الحبكة الدرامية متماسكة ولم يته  منا  هذا الخيط الرئيسى للأحداث رغم تشعب العمل ووجود شخصيات فرعية كثيرة فيه مثل فتحية شقيقة خليل وصديقة سناء، ومثل عم سناء ومثل قائد المعتقل ومأمور القسم والأستاذ حميد والنقيب إبراهيم وحسن عبد الواحد وغيرهم من الشخصيات التى ترتبط بأبطال الرواية.. اللقطة الرئيسية فى الرواية  ونقطة انطلاق هذا العمل الروائى هى ذلك الكابوس الذى يطارد سعيد  لعطية الحنفى وهو يجرى خلفه ويحيط عنقه بيديه، خلف هذا المشهد المرعب تتتابع الأحداث   وتتعدد المشاهد وتتشعب الحكايات.. وتتداخل بالأحداث السياسية، فيعلو حديث التأميم والحديث عن تأميم قناة السويس والوحدة بين مصر وسوريا والاعتقالات السياسية، ورغم وجود هذه الأحاديث والأحداث السياسية فى الرواية لكنها تبدو متوارية فلا أثر واضحا  لضجيجها وصراخها  رغم تناثرها بكثرة بين السطور.. وهو الأمر الذى يحسب هنا للكاتب..فالغالب فى الرواية هو علاقات أبطالها وصراعاتهم فى حبكة مشوقة مع أن الطابع السياسى موجود، وتبدو السياسة وكأنها تسير الأحداث من وراء ستار الحديث بين عدد من الشخصيات فى الرواية كان يدور حول أخطاء نظام عبد الناصر وإنجازاته.. يطل مشهد مصرع عطية الحنفى فى مناسبة أخرى

قال النقيب إبراهيم وقد ارتسمت على وجهه دلائل الجدية "نعم إن عطية الحنفى قد قتل من جراء التعذيب، وقد علمت بذلك من مصدر موثوق به يعمل معنا فى المعتقل.. أنه الشاويش غانم  وكان شاهدا على هذه الواقعة..قام سعيد بوضع رأس عطية الحنفى المقيد داخل جردل مياه كبير بعد أن أجبره على الركوع وركع هو إلى جواره وفى كل مرة كان يطلب منه أن يقول إنه امرأة وعندما يصمت عطية الحنفى كان سعيد يعاود الضغط على رأسه مرة بعد مرة ويعاود نفس الطلب، وكان عطية الحنفى فى كل مرة صامتا تماما، وعاود سعيد دفع رأس الرجل إلى المياه إلى أن لفظ أنفاسه الأخيرة.. وتتناثر السياسة وموضوعاتها خاصة فى الجزء الأخير من الرواية عن فشل الوحدة بين مصر وسوريا، ويتسع النقاش بين الشخصيات  حول هذه القضية ويتردد اسم الرئيس عبد الناصر كثيرا ما بين مؤيديه ومعارضيه،  غير أن هذه الأحاديث تبدو طبيعية فى سياق الرواية.. والأهم أنها لم تطغ على الخط الروائى وحبل الحكى والسرد عن تلك العلاقات المهترئة بين جميع أبطالها..  نحن أمام لوحة تسكنها مخلوقات أغلبها شرير.. تتواصل الصراعات بينهم على أنحاء مختلفة.. وتغص العلاقة بينهم بالخيانات الكثيرة فسعيد يخون زوجته سناء فى بيت أم البنات  ويمارس فيه الدعارة مع البنات الأربع وأمهن، وسناء تخون زوجها سعيد مع عباس ومع خليل المصاب بمرض نفسى والذى علمه سعيد الرماية وركوب الخيل، وعباس يخون صديقه خليل مع أخته فتحية.. كم هائل من الخيانات الكثيرة.. والعلاقات الواهية التى يتصدره فيها الحشيش والمخدرات والجنس.. هذه الشبكة المتشعبة من العلاقات بين أبطال العمل.. وفى الخلفية لها يبرز الكلام عن عبد الناصر وأخطائه وإنجازاته وعن تأميم قناة السويس وعن الوحدة بين مصر وسوريا وفشلها..  وأغلب أبطال الرواية.. تجمعهم جلسات متواصلة..وهم يتعاطون الحشيش..ويشربون المشروبات الكحولية.. وكان لا بد أن تنتهى الرواية على وقع كوارث متعددة.. فخليل قتل سعيد بطلق نارى واحد فى بيت أم البنات الذى كان يمارس فيه الرذيلة  لإجادته الرماية التى تعلمها ممن أزهق روحه، _ ومن الواقعة استلهم عبد الجواد اسم الرواية ورأيى أنه كان من الممكن أن يختار اسما أكثر تعبيرا عن أجواء الرواية وصراعاتها_ بعد أن أوهمته سناء أنها ستتزوجه.. بينما كانت هى تخطط للإبلاغ عنه ليخلو لها الجو مع عباس.. وعباس قتل سناء لاعتقاده بأنها  خدعته ثم انتحر بعدما عرف أنها كانت تحبه بصدق ولم تخدعه، وخليل اعترف بقتله لسعيد ليواجه مصيرا محتوما.. وهكذا كانت نهاية أبطال الرواية الرئيسيين فاجعة بكل المقاييس.

هل تأثر حسين عبد الجواد فى روايته "علمته الرماية" بنجيب محفوظ فى "ثرثرة على النيل".. أكاد أجزم أن هناك ثمة أوجه تشابه وثمة تأثير واضح لرواية محفوظ الشهيرة على رواية حسين عبد الجواد الذى كان واحدا من تلاميذ محفوظ.

المرحلة الزمنية.. وأجواء التغييب والــجنـــس والمخـــدرات.. والأجــواء السيـــاسيــة المتخبطة كلها أوجه شبه بين الروايتين.. كــان حسيــن عبد الجواد يريد أن يقول إن تلك المقدمات الكارثية من  التغييب ومن الانفصال عن الواقع.. لا بد بالضرورة أن تؤدى إلى نهايات كارثية.

لغة حسين عبد الجواد مكثفة  لا تحتمل الاستطرادات وهو يريد أن يصل إلى هدفه من خط مستقيم.. ويبدو أنه لا يحب أن يعتمد على صور جمالية بقدر ما يريد أن يعبر بروايته إلى غايتها فى مشهد بين سعيد وزوجته سناء.. يتجلى هذا الطرح على أوضح ما يكون.

قالت وقد تمكن الغضب من ملامحها..أنت لست رجلاً.

عند هذا الحد استبد بى الغضب فتقدمت ناحيتها وصفعتها على وجهها بقوة..صدرت عنها صيحة ألم حاولت أن تتماسك وحاولت أن تصفعنى بدورها.  أمسكت يدها وعاودت صفعها.. وكانت واقعة عنف جديدة واستسلمت فى النهاية.. فى النهاية نستطيع أن نقول إن رواية علمته الرماية لحسين عبد الجواد هى رواية تمزج بين الواقع السياسى والواقع الاجتماعى فى مرحلة خطيرة من تاريخ مصر..مرحلة كان عبد الجواد المولود فى عام ١٩٤٦ خلالها شابا صغيرا طالعاً للحياة عاصر وعرف وكتب.. بعد سنوات طويلة..كتابة روائية مبدعة وكاشفة.

 	محمود مطر

محمود مطر

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

على خطى صاحب نوبل.. مشروع حسين عبد الجواد لكتابة «دفتر الأحلام»

المزيد من ثقافة

شرابات رجالية قطن: أهم المميزات وكيف تختار الجورب المناسب لك

في عالم أصبحت التفاصيل الصغيرة جزءًا أساسيًا من جودة الحياة اليومية، لم يعد اختيار الشرابات أمرًا ثانويًا أو قرارًا سريعًا...

قصة مصورة - سكة سفر

 وحدهم في الشارع الخالي فى الصباح الشتوى المبكر .. الدنيا غارقة، وسيول المطر أبقت الناس في بيوتهم، فلا وجود لشخص...

حكاية القط الخارق فى رواية السيد شحتة

«الأيام الأخيرة فى حياة فرويد».. رحلة فى عالم الذكاء الاصطناعى والتحولات الرقمية محاولة سردية لتقديم صورة غير وردية لعالم يتجرد...

الشريف السنوسى.. عدو الاستعمار الأوروبى فى قارة أفريقيا

شخصيات لها تاريخ «98» تربى فى الزاوية الأكثر أهمية فى تاريخ الحركة السنوسية بواحة الجغبوب وتولى قيادة الحركة بعد رحيل...