جيوش من «الحدايات» من أجل حمايــة مدينة الألف عام

"ثم وصلتُ إلى مدينة مصر، وهى أم البلاد وقرارة فرعون ذى الأوتاد، ذات الأقاليم العريضة والبلاد الأريضة،

 المتناهية فى كثرة العمارة، المتباهية بالحسن والنضارة، مجمع الوارد والصادر، ومحط رحل الضعيف والقادر، وبها ما شئت من عالم وجاهل، وجاد وهازل، وحليم وسفيه، ووضيع ونبيه، وشريف ومشروف، ومنكر ومعروف، تموج موج البحر بسكانها، وتكاد تشق بهم على سعة مكانها وامكانها"..

"ابن بطوطة"

إذا كنا استعرضنا الأسبوع الماضى قصة "دار الحكمة" أول مكتبة عامة تم افتتاحها فى الشرق كله بعد مكتبة الإسكندرية التى يُعتقد أن الإسكندر الأكبر بناها قبل حوالى ثلاثة وعشرين قرناً ـ وقلنا إن مكتبة "دار الحكمة" أقيمت فى أحد قصور الخليفة الفاطمى الحاكم بأمر الله، بالقاهرة عام 1005 ميلادية وكانت فيها قاعات مخصصة للقراءة وأخرى للنسخ وثالثة للتعلم بينما تُقدّم الأوراق والأحبار والأقلام مجاناً، ضمن حديثنا المفضل عن ملامح الحداثة المطمورة فى ثقافتنا وتاريخنا القديم، وفى هذا الأسبوع نستعرض جوانب أخرى من تلك الروح المدنية التى لا نزال نحسبها أصيلة فينا وجذرية فى ثقافتنا، لكن لسبب ما شاءته إرادة "غامضة" أن تدفن هذه الملامح وتطمس معالمها كى لا يصلنا عنها إلا المعلومات الشحيحة والأخبار النادرة، هذه الملامح التى تعكس الروح المدنية فى تراثنا نجد أن عيون المستشرقين كانت أكثر انتباها لوجودها فى ماضينا والأكثر ملاحظة لها فى تراثنا المكتوب، على وجه التحديد.

أحد هذه الكتب التى كشفت فيها عيون المستشرقين بعض سمات المدن الشرقية فى العصور الوسطى كتاب "القاهرة مدينة الفن والتجارة" للمستشرق الفرنسى جاستون فييت (1887 ـ 1971)، والذى صدر لأول مرة فى اللغة العربية بترجمة الدكتور مصطفى العبادى عام 1990 ضمن سلسلة "كتاب أخبار اليوم" بإشراف الكاتب الراحل جمال الغيطانى.

قلنا إن جاستون فييت يتأمل فى كتابه عادات المصريين وطرائقهم فى الحياة والسلوك والبناء، مثلما يتأمل مدينة القاهرة فى عدة عصور، من "قاهرة الفاطميين" إلى "قاهرة صلاح الدين" فسلاطين المماليك واصفاً الشوارع والمنازل والأضرحة والأسواق والأعياد والأفراح والمنشآت المدنية والجبانات العظيمة وقصر السلطان وساحة القلعة، مشيراً فى كل ذلك إلى ملامح مدينة تختلف كلياً عن المدن القريبة منها، والكاتب يفعل كل ذلك  كى يتقصى بعض سمات المدن العربية الكبرى خصوصاً القاهرة، ملتقطاً من كتب القدماء وكتابات الرحالة الغربيين كما من المصادر التاريخية التقليدية والحوليات ما يُعزز وجهة نظره، التى ترى ـ على عكس ما تعلمناه من كتب التاريخ فى مدارسنا ـ أن بعض حواضر المدن العربية كانت وصلت إلى مرحلة متقدمة من الحضارة والتمدن فى الزمن القديم أى قبل ألف عام، وكانت القاهرة هى دليله الأول على صحة هذا الاعتقاد.

 قلنا إن المصريين منذ قديم الزمان قدموا للعالم حضارة عريقة، لدرجة أبهرت حتى الغزاة من الرومان والفرس وحتى العرب أنفسهم، الذين حين دخلوا مصر أذهلتهم فخامة قصور مدينة مثل الإسكندرية، وساعتها اكتشفوا أن هناك أكثر من 12 سلعة مصرية لا يعرفون عن صناعتها شيئا، منها الزجاج والنسيج وعصر العنب، وأن جيوش المسلمين حين دخلت أرض مصر لم تكن تملك سفناً ولا تعرف طريقة لعبور نهر، فقد كانت فنون الصحراء هى فنون بيئتهم التى لا يملكون غيرها، وبالتالى علينا نحن أن نحتفى بفنون بيئتنا متعددة الاتجاهات والأمزجة والخبرات، والتى تعكس تنوع ثقافتنا الإنسانية العريقة كأول أمة زرعت القمح وصنعت الخبز وشربت ثم صدّرت النبيذ والبيرة.

يستعرض فييت تاريخ القاهرة كمدينة ـ منذ تأسست على يد جوهر الصقلى قائد جيوش الفاطميين من قبل الخليفة المعز لدين الله الفاطمى، فوق مدينة الفسطاط عام 969 ميلادية ـ واصفاً ذلك المشهد الذى رأيناه جميعاً فى القرى والأرياف والمناطق العشوائية عموماً، وتحت عنوان "الشوارع والمنازل" يشير إلى أن كثيراً من شوارع القاهرة منذ تأسست كانت غير منتظمة، فالبيوت تبدو وكأنها أقيمت بغير خطة أو أدنى محاولة لصفها بانتظام، يضيف فييت: "ونظراً لأن المالك أخذ من الأرض ما أراد ليبنى عليه فإن على المارة اليوم أن يدوروا فى سيرهم حول البيوت، ولم يترك حيزا فارغا، فالحوانيت والبيوت بنيت متلاصقة على نحو أضر بنظام الشارع، كما هو الحال فى القرى المصرية، حيث تحشر البيوت سوياً حتى لا تأخذ سوى أقل قدر ممكن من الأرض التى يمكن زراعتها".

يشير إلى كثرة مساجد القاهرة ويقول إن عددها فى زمنه كان اثنا عشر ألف مسجد، وأشار إلى مقولة رحالة غربى: "لو جمعت مساجد القاهرة فى مكان واحد لكونت مدينة فى حجم مدينة أورليان".

 بينما يتناول صورة الجماهير المصرية فى القرون السابقة وهى تزحم الشوارع بضجيجها وصخبها المتوارث ويقول:

"يمكننا أن نتصور بسهولة الجماهير المتدفقة من الشوارع الصغيرة، الجانبية حتى تختفى فى زحام كبير، وقد رأى رحالة ساخط خصب الخيال "قوماً يسيرون فى الطرقات وأذرعهم مدلاة دون اهتمام بأى شىء، كأنهم ينتظرون لمسة من عصا سحرية تعيدهم إلى أنفسهم، وتضيء وجوههم المجهدة بالرغبة والأمل". ولا ينبغى أن ننسى أن الشعب المصرى خاصة فى القاهرة كان لين العريكة رقيقاً كثير الضوضاء فى صخبه، ومليئا بالحياة واستمر هذا البحر من البشر فى سيره بروحه المرحة نحو دوامة الحياة اليومية دون أن تشغله قضايا الحكم أو فلسفة الوجود".

 الطيور الفظيعة

ينتقل فييت فى رحلته إلى رسم ملامح لنشاط المدينة وجمالياتها وبحثها الدائم عن النظافة ورغبة القائمين عليها فى تجميلها بالحدائق والمتنزهات وتنظيف وتجميل شوارعها وإنارتها ليلاً، حيث كانت هذه المهمة صعبة قبل زمن العلم والكهرباء الذى نعيشه الآن، وعلى الرغم من ذلك كان هناك المئات من عمال النظافة المهرة يعملون فى القاهرة، وكانت السلطات معنية جداً بتجميل الواجهات وأن تبدو المدينة فى أحسن صورة ممكنة، مشيراً إلى قرار صدر من السلطان عام 1498 يقضى بأن "يقوم جميع أصحاب الحوانيت التى بالأسواق والشوارع بتبييض واجهات حوانيتهم وأن يزخرفوها بالدهان".

وأن عيون المستشرقين قادرة على رؤية ما لا نراه، لاحظ فييت خلال جولته فى القاهرة مطلع القرن العشرين ظاهرة عجيبة فى المدينة القديمة وتحدث عنها باندهاش وفزع، فقد رأى عدداً هائلاً من "الحدآن" أو الحدايات تطير فى سماء القاهرة، حيث كانت الناس على ما يبدو لا تزال تترك جموع الحدآن تعيش بسلام لكى تتخلص ـ نيابة عنهم ـ من جثث الحيوانات النافقة والحشرات الضارة التى تتغذى عليها، وهكذا تبدو مدينة القاهرة فى أعين الأجانب مدينة شرقية مفزعة، يعيش سكانها تحت حراسة جيوش من الحدآن. وينقل عن أحد الرحالة قوله:

"ترى فى شوارع القاهرة عدداً كبيراً من الحدآن لا تكاد تصدقه العين تحوِّم فوق المدينة بحرية تامة، وكثيراً ما رأيت هذه الحدآن بعينى رأسى وهى تأكل اللحم من فوق رؤوس أولئك الذين يحملونه، ولا يستطيع إنسان أن يتعرض لها بأذى، لأنها تأكل الرمم العفنة وغيرها من الفضلات. وبعد أن ينتهى فيضان النيل ويعود إلى مجراه الطبيعى، فإنه يخلف قدراً كبيراً من القاذورات، وحينما يصل الفيضان إلى ذروته يجرف فى الشوارع الرئيسية الحيوانات الميتة وغيرها من الأسماك والثعابين، ولكن هناك عدد كبير من هذه الطيور الفظيعة يكفى لالتهام كل شىء فى الحال".

وينقل عن أحد رحالة القرن السادس عشر قوله: "غير مسموح قانونياً صيد هذه الطيور أو قتلها لأنها تنظف النيل من قاذوراته، وكذلك المدينة التى لا يمكن المحافظة على نظافتها بسبب كبر حجمها".

 تكريم الموهوبين

يستعرض الكاتب من بين ما يستعرض من مظاهر الحياة فى المدينة العتيقة الأسواق وأنواعها وبضائعها ومدى إقبال الناس عليها، مستخلصاً السمات التى يمكن أن يوصف بها كل سوق، مشيراً إلى حديث تقى الدين المقريزى (1364 - 1442م) فى "المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار" عن أن "القصبة هو أعظم أسواق مصر وتحتوى على اثنا عشر ألف حانوت، كأنهم يعنون ما بين  أول الحسينية مما يلى الرمل إلى المشهد النفيسى"، ويعترف فييت بأنه أدرك "هذه المسافة بأسرها عامرة بالحوانيت، غاصة بأنواع المآكل والمشارب والأمتعة، تبهج رؤيتها ويعجب الناظر هيئتها،..، وسمعت الكافة ممن أدركت يفاخرون بمصر سائر البلاد، ويقولون: يرمى بمصر فى كل يوم ألف دينار ذهباً على الكيمان والمزابل". والعبارة الأخيرة تشير إلى ما كان يستعمله اللبانون والجبانون والطباخون من الشقاف الحمر التى يوضع فيها اللبن.

أمتع ما فى هذا الكتاب هو جولة الكاتب فييت فى أسواق مصر التى حضرها فى زمنه واصفاً ما تبقى منها، والذى أصبح الكثير منها الآن محض ماض بعيد، من سوق الشماعين بجوار مسجد "الأقمر" إلى سوق البرازين المختصة فى تجارة الأقمشة وما يتصل بها من حرف مثل النساجين والحلاجين والصباغين والرفائين والخياطين والغسالين، ومن كل هؤلاء إلى باعة الأمشاط والوراقين وصانعى الحلوى (الكعكيين)، ويزور مبانى السلطان الغورى والجامع الأزهر وباب زويلة ويزور سوق تباع فيه الآلات الموسيقية مثل القيثارة والعود، ويضيف: "كان هذا المكان ملتقى أصحاب المجون والشخصيات الخليعة".

ثم ينتقل إلى أهم سمات المجتمع المصرى الذى يصفه بالتماسك كأعضاء الجسد الواحد، مشيراً إلى واحدة من أروع سمات المصريين التى لم يلتفت إليها الكثيرون وهى سمة "تكريم الموهوبين شعبياً"، فهناك واحدة من العادات المصرية التى التفت إليها "ليون الأفريقى"، وأشار إليها:

"وإذا ما حدث أن أنتج أحد الصناع عملاً جميلاً ماهراً لم ير له مثيل من قبل، كان يرتدى رداء من الحرير ويطاف به بين الحوانيت، يصحبه الموسيقيون فيما هو أشبه بموكب النصر، ويعطيه كل شخص بعض المال، وقد رأيت فى القاهرة أحد هذه المواكب التشريفية لرجل صنع سلسلة لبرغوث احتفظ به مقيداً على قطعة من الورق، كما رأيت أحد أعمال القوة العظيمة قام بها أحد السقائين الذين يسيرون فى الشوارع حاملين قرباً من الجلد تتدلى من أعناقهم. فقد تراهن مع شخص آخر أن يحمل قربة عجل مملوءة بالماء تشد إليه بسلسلة من الحديد، وفعلاً استمر هذا الرجل طيلة سبعة أيام متتابعة من الصباح إلى المساء يحمل هذه القربة التى علقت بسلسلة على كتفه العارى ففاز بالرهان، وحاز شرف موكب نصر عظيم تصحبه الموسيقى وجميع السقائين فى القاهرة الذين بلغ عددهم 3 آلاف سقاء".

 	 محمود خيرالله

محمود خيرالله

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - سكة سفر

 وحدهم في الشارع الخالي فى الصباح الشتوى المبكر .. الدنيا غارقة، وسيول المطر أبقت الناس في بيوتهم، فلا وجود لشخص...

حكاية القط الخارق فى رواية السيد شحتة

«الأيام الأخيرة فى حياة فرويد».. رحلة فى عالم الذكاء الاصطناعى والتحولات الرقمية محاولة سردية لتقديم صورة غير وردية لعالم يتجرد...

الشريف السنوسى.. عدو الاستعمار الأوروبى فى قارة أفريقيا

شخصيات لها تاريخ «98» تربى فى الزاوية الأكثر أهمية فى تاريخ الحركة السنوسية بواحة الجغبوب وتولى قيادة الحركة بعد رحيل...

شعبان عيسى: الشيخ إمام مظلوم إعلاميًا رغم تأثيره

شهادات تذاع لأول مرة «11» ابن أخيه الذى جلس تحت قدميه طفلا وغنى معه فى دمشق عرفت من الصحافة أنه...