صبرى موسى يواجه الموت فى الصحراء بسبب حفل عُرس

أوراق ساحر الكتابة «2»

ورث روح المغامرة عن والده.. وعن أمه التى ولدته فوق قارب شراعى!

إذا شئت وصفا مُعبرا عن شخصية صبرى موسى المدهشة وتجربته الإبداعية الزاهية فلن تجد أصدق من وصف "المغامر".

حياته كلها مغامرة عجيبة منذ ميلاده المثير فوق قارب شراعى على نيل دمياط، لتبدأ بعدها تجربة حياة عبارة عن سلسلة متصلة من المغامرات الإنسانية والإبداعية شديدة التنوع والألق والاختلاف: من دمياط إلى القاهرة، ومن الرسم إلى الصحافة، ومن الصحافة إلى الأدب، ومن كتابة القصة إلى جبال الصحراء الشرقية، ومن بحيرات مصر إلى الصحراء الغربية، ومن أدب الرحلات إلى السينما، ليحلق صاحبها بعيدا.. بعيدا.. فى سماء باسمه!

(1)

إنه المغامر الدائم.. وكأن المغامرة قدره..

وفى كل مغامراته كان يخوضها بجرأة وجسارة حتى لو كلفته حياته.

فى مغامرته مثلا فى الصحراء الشرقية، وفى سعيه لاستكشاف تضاريسها الشاسعة والوعرة، وفى أسفاره اللاهثة بين وديانها العميقة وجبالها الشامخة، من السكرى إلى حماطة، ومن أبو غصون وسميوكى إلى زرقة النعام والأبرق، ومن مصرار إلى علبة الجبل الأبيض المقدس، ومن عيذاب إلى الدرهيب.. فإنه كان مستعدا لأن يدفع حياته ثمنا لتلك المتعة اللانهائية التى تفوق متعة الخواجة "نيكولا" بطل "فساد الأمكنة" الذى استولى عليه الجموح واستبدت به نشوة المعرفة فراح يطلبها فى بحر التجوال.

وكما كاد نيكولا يتعرض للهلاك فى مغامرته مع جبل الدرهيب لولا العناية الإلهية، فإن مؤلفه صبرى موسى كاد يلحقه المصير نفسه لولا العناية ذاتها، فقد حدث أثناء مغامرته فى الصحراء الشرقية أن تلقى مع رفاقه دعوة من واحد من "العبابدة" سكان تلك المنطقة لحضور فرح بدوى فوافقوا بلا تردد، وفهموا من صاحب الدعوة أن المسافة إلى مكان العرس قريبة ولا تزيد على "شلحتين"، فركبوا السيارة والبدوى دليلهم وراحت السيارة تسير فى ظلام الليل والصحراء لساعات فى هذا التيه حتى توقفت بعد نفاد الوقود فوق هضبة بين جبلين، فما الذى حدث بعدها؟.. وهل هناك أقدر من صبرى موسى على أن يحكى مغامرته:

"تم الاتفاق على أن يبقى بعضنا بجوار السيارة وأن يذهب الأخرون مع العبادى. على أن يكونوا حريصين على عدم الابتعاد من مكاننا حتى لا يفقدونا نحن أيضا، وكنت من الذين سوف يذهبون.. مشينا إلى نهاية الهضبة الخلفية ثم انحدرنا إلى الوادى.. كانت الصخور الصغيرة المدببة تنزلق تحت أقدامنا، وكان علينا أحيانا أن نسير على أربع إذا أردنا الاحتفاظ بتوازننا.. وبعد نصف ساعة من هذا الهبوط الشاق استولى عليّ اليأس.. واستولى التردد على قلبى فلاح لى الانتظار بجوار العربة أقل مشقة، فقررت العودة إلى السيارة.. وبدأت أعود الصعود على أربع من جديد.

" أبدا لم يكن الانتظار بجوار السيارة أقل مشقة، فهأنذا جالس أحدق فى السماء وأحدق فى الجبال وأحدق فى زملائى.. ربع ساعة.. نصف ساعة.. ساعة.. لا شىء غير التحديق والانتظار والجوع واليأس.. انفجر غيظى فقررت النزول من الهضبة واللحاق بالرجال، وقد واصلت الهبوط حتى تسلخت يداى ولم أتوقف.. كنت أشعر أن التحدى موجه مباشرة إلى شخصيتى.. لقد رفضت أن أترك نفسى فريسة للملل بجوار السيارة، أنا ابن المدينة التى يموت ثلاثة أرباع أبنائها بمرض الملل قررت أن أدفع الثمن، لكننى فزعت عندما وجدت نفسى فى الوادى المظلم وحدى.

"لكن رغبة عارمة جامحة استولت على قلبى أن أترك نفسى لهذه الطرق لعلى أكتشف الصحراء من خلالها.. سأضل طريقى وأكتشف عالما جديدا لم أعشه من قبل، قد أصل إليه سالما وأعيش حياة جديدة، وقد لا أصل وأموت على حافة أحد الجبال ويوضع على قبرى علم من ثوبى.. وقد استغرقتنى هذه الهواجس والجوع يقرص أمعائى.. حفيف مفاجئ حولى جعلنى أستريب، ثم تذكرت الثعابين التى تعيش بين الصخور فاستولى الرعب على قلبى..أصابنى هوس مفاجئ فأخذت أصرخ وأنا أنتفض وأقفز وأتلفت حولى هاربا من الوهم والخيالات، وأخذت أجرى وقلبى يدق.. أجرى وأنا أصرخ وأنادى الأسطى صالح.. وعاودت صعود الهضبة والهزيمة تملؤنى. وفى منتصف الهضبة رأيت الجميع قادمين نحوى من أعلى.. كانوا قد وجدوا نجع العبابدة فى الجانب الآخر فجاءوا ليأخذونا وكانوا هابطين للبحث عنى! ".

ورغم كل ما حدث، ورغم هذا الموقف الذى كاد أن يكلفه حياته، فإن عشقه للمغامرة كان أكبر وأبقى، فما لبثت متعته أن تغلبت وسيطرت وأنسته كل ما حدث وجعلته يهتف بمحبة الصحراء وسحرها وأهلها ويقول:

"وسط هؤلاء الناس البسطاء الذين يعيشون بين الجبال على الفطرة ويصارعون أمهم الطبيعة ويتغلبون عليها.. بدأت أعتقد أن البشر الحقيقيين يعيشون فى الصحراء، وأن هذه المخلوقات التى تسكن المدن ليست سوى حيوانات همجية متأخرة.. ولكم شعرت بالمهانة حينذاك لكونى شخصا متمدينا!"

لتحيا المغامرة إذن فى قلب الصحراء ووسط الجبال.. ولتحيا كذلك فى الإبداع والكتابة.. فكما كانت رحلته إلى صحارى مصر وجبالها الوعرة مغامرة مثيرة قام بها صبرى موسى، فإن رواية مثل "السيد من حقل السبانج" كانت مغامرة لا تقل إثارة وروعة وغرابة فى أدب الخيال العلمى. وهو ما سنعود إليها بالتفصيل، ولكن يكفيها شهادة ناقد مرموق كالدكتور محمد عنانى – الذى غادرنا مؤخرا - ، فقد اعتبر أن الرواية – بنص كلماته - " تضع مزيدا من الأسس اللازمة لهذا النوع الأدبى فى اللغة العربية.. إن الرواية إضاءة جديرة بالثناء من كاتب أثبت مقدرته فى عدة أنواع أدبية فاقتحم واثقا هذا النوع الجديد من أدب الخيال العلمى.. ولم يتردد د. عنانى – بكل ما كان يتمتع به من رصانة – فى أن يضع مؤلف "السيد من حقل السبانج" جنبا إلى جنب مع رواد وآباء أدب الخيال العلمى فى العالم، من أول "فيرن" و"ويلز" إلى الجيل التالى وأيقوناته :"راى براديرى" و"آرثر كلارك" و"هايثلاين".

(2)

لنبدأ المغامرة من أولها.. أو قل من جذورها.

فالمتأمل لسيرة صبرى موسى ورحلته يمكنه أن يكتشف بلا عناء أنه ورث روح المغامرة عن والده.. بل كان ميلاده هو نفسه أغرب مغامرة يمكن أن تقوم بها أم فاجئتها آلام الوضع ولحظة المخاض.

أما والده فكان من مياسير التجار فى محافظة دمياط، ولكنه اعتاد أن يقوم بمغامرة سنوية، ينقل فيها حياته كلها : تجارته ومحلاته وأسرته، وينتقل بهم جميعا إلى مصيف رأس البر، فى موعد محدد كل عام لمدة ثلاثة شهور كاملة، ثم يعود بهم جميعا من جديد إلى دمياط!

لنعود إلى أوراق صبرى موسى ونقرأ ما كتبه عن والده بحس الروائى المهتم دوما بالتفاصيل الدقيقة:

"كان أبى تاجرا فى مدينة دمياط، وكان مصيف رأس البر الذى يقع فى نهاية فرع النيل على بعد عشرة كيلو مترات من هذه المدينة، مصيفا راقيا وشديد الخصوصية، وكان أبى أول من أنشأ تجارة فى هذا المصيف، كان يتاجر فى البقالة والأدوات المنزلية والكماليات، وكان كل ربيع ينقل تجارته بالقوارب عبر النيل من دمياط، ليجهزها فى محلات بالمصيف قبل أن يأتى المصيفون".

وفى واحدة من تلك الرحلات النيلية السنوية ولد صبرى موسى فوق قارب.

يحكى صبرى:

"سقط رأسى المتواضع فى قارب شراعى كان يقطع النيل من دمياط إلى رأس البر، قبل أن يصب النهر فى البحر المالح ببضع مئات من الأمتار.. كان ذلك فى بداية الثلاثينيات.. وتحكى لى أمى بعد ذلك أنهم نقلوها من القارب إلى شاطئ رأس البر، وأنا متعلق بها من الحبل السرى.. وعلى الرمال الصفراء الشديدة التوهج تمت ولادتى بطريقة بدائية.. ولم يكن أحد ممن كان حاضرا وقتها يتوقع أن أواصل الحياة.. لكننى واصلتها!.. تلك الولادة الفجائية فى العراء حيث يصب النهر فى البحر ويدفعه أمامه ويخترقه، جعلت بينى وبين رأس البر رباطا عاطفيا شديد الإحكام..".

فى 19 مارس 1932 جاء صبرى إلى الحياة، بمشهد ميلاد مثير وإلى أفلام السينما أقرب، وكان هو الابن "البكرى"لوالده التاجر الدمياطى محمد حسن موسى، ولوالدته السيدة الدمياطية الجميلة "حبيبة" أو "حبوبة" كما اعتادوا أن ينادونها.

وبالإضافة إلى روح المغامرة عند الأب، ومشهد الميلاد المثير، فإن البيئة التى تفتحت عليها عيون الطفل الصغير كانت تدفعه دفعا إلى المغامرة لاستكشاف هذه البيئة بازخة السحر، حيث يلتقى النهر والبحر، المشهد الذى وصفه القرآن بتعبيره المُعجز: "مرج البحرين يلتقيان".

وفى أوراق صبرى موسى ستجده يتوقف كثيرا عند الحبل السرى الدائم بينه وبين "رأس البر"، مسقط رأسه ومرتع صباه والدنيا التى تفتحت عليها عيناه.

بعيون عاشق يحكى عنها وعن أثرها فى روحه ووجدانه:

"لا أعتقد أن هناك امتيازات معينة يمكن أن يتمتع بها الإنسان إذا ولد فى النهر، لكنى لسبب لا أدريه ظللت معتزا بمسقط رأسى هذا.. وأكاد أكون موقنا أن هذا المناخ الذى أمضيت طفولتى وصباى فيه كان له الأثر الأكبر فى تشكيل مزاجى الذى يميل إلى التأمل والفن.. فلم يكن هذا المصيف فى تلك السنوات ثابت المساكن.. كنا نقبل عليه فى أيام الربيع فنجد هذا المسطح الآخر المقابل لشاطئ النهر، وقد اختزنت ذاكرتى الطفولية آلاف من الصور لعملية بناء المساكن والأسواق فى بداية كل صيف وهدمها وتخزينها فى نهايته.. فترات البداية هذه إلى أن يعود المصيف إلى الخلاء كانت أخصب فترات التأمل فى صباى المبكر.. فى تلك الأيام السعيدة أمكن لى أن أتعرف جيدا على النهر وعلى البحر.. بل إننى قد ذهبت بعيدا مع أقرانى فى مؤخرة الصيف إلى الصحراء الرملية التى تقود إلى بحيرة المنزلة أكبر بحيرات مصر، واكتشفنا البحيرة أيضا وتعرفت على الريف حول البحيرة.. هذه الطبيعة الجميلة المحاطة بالماء من كل جانب كانت مرتع صباى فى إجازات الصيف من المدرسة، ولأنها طبيعة غنية بعنصر العمل، فقد ساعدت على منح وجدانى نوعا من النضج المبكر، حيث شاركت فى كثير من أعمال الزراعة والتجارة والصيد والبيع والشراء."

(3)

ولد صبرى موسى إذن وكل شىء حوله يحرضه على المغامرة وغوايتها.

إنه حفيد أصيل لهؤلاء الصيادين المغامرين من أهل دمياط القدامى الذين استبد بهم الفضول لاكتشاف الضفة الأخرى من البحر المالح، فركبوا البحر فى رحلة بحث شاقة استمرت أجيالا ابتلع منهم الآلاف، لكن فضولهم لم يفتر ومغامراتهم لم تتوقف، حتى أمكنهم أن يكتشفوا أن هذا البحر ينتهى عند بلاد الروم فأسموه بحر الروم المالح.

ولكن حفيدهم المولع مثلهم بالمغامرة ذهب إلى الماء العذب لا المالح، فى رحلة بحث طويلة عن بحيرات مصر، وإلى الصحراء فى رحلة بحث شاقة عن جبالها، وقبلهما إلى الصحافة فى رحلة بحث عن المتاعب، وإلى الأدب فى رحلة بحث عن متعة الكتابة.

كانت حياته مغامرة متصلة بدأت منذ لحظة ميلاده.. ولم تتوقف إلا برحيله.

فكيف جاءت المغامرة الأهم بانتقاله بمفرده صبيا من دمياط إلى القاهرة؟!

 	أيمن الحكيم

أيمن الحكيم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - صلاة الطفولة

  ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...

سهيلة الرملى: «اتكلمى» ركزت على المسكـوت عنه فى كتب التاريخ

الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى

«السيد فى حقل الأدب».. شهادات وقـراءات كاشفة لعالم صبرى موسى

ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية

خالد أمين: وقعت فى غرام الـرعب والغموض

أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد