نهى شوقى: مواجهة المجتمع فكرة صداميــة لا أحبها.. لكن لا مفر منها

نهى شوقى كاتبة وروائية تخرجت فى كلية الصيدلة، وصاحبة مدونة "القصص التى كتبتنى"، صدرت لها روايتها الأولى "مرآة السيدة مو"، وتناولت فيها أزمة المرايا فى حياة الزوجين،

نهى شوقى كاتبة وروائية تخرجت فى كلية الصيدلة، وصاحبة مدونة "القصص التى كتبتنى"، صدرت لها روايتها الأولى "مرآة السيدة مو"، وتناولت فيها أزمة المرايا فى حياة الزوجين، واستطاعت أن تلفت لها الأنظار من خلال هذه الرواية، وحازت على إعجاب النقاد والقراء، تحدثنا معها عن بداياتها وعن الرواية وعن مشروعها القادم.

كيف كانت بدايتك مع الكتابة؟

أكتب طوال عمرى وأستمتع بذلك، موضوعات التعبير والأبحاث وتحليل القصائد كانت من نقاط تميزى أثناء الدراسة.. وفى غير الدراسة كنت أكتب خواطر وانطباعات عن الأحداث.. من المفارقات أن القصة كانت الشىء الوحيد الذى أُنصح بتجنبه حتى لا تُضيّع درجات فى الامتحان، ثم حدث أن توقفت عن القراءة لست سنوات كاملة.. لا أعرف إن كان هذا نتيجة الاكتئاب أم مسببه. عندما قررت العودة للقراءة والكتابة، لم تناسبنى كتابة الخواطر وبدت القصة حلا أمثل للتعافى.

 درست فى كلية الصيدلة فلماذا فضلت الاتجاه الأدبى؟

التحاقى بكلية الصيدلة جاء نتيجة فكرة شاعرية جدا عن أثر الكيمياء على الجسم، سواء أُدخلَتْ إليه، أو كيمياء الجسم نفسه. ومازالت الكيمياء الحيوية علمى المفضل والمنافس الوحيد للأدب فى قلبى. ما معنى أن يموت المرء حزنا؟ أو أن يشرب خالد بن الوليد السم ولا يموت؟ أردت اختبار القصة علميا. إن ثبت فى وجدان الناس أن الحزن يغير كيمياء الجسم؛ فهل يملك اليقين السطوة نفسها؟ كذلك كنت أرى أن دراسة الأدب لاحقا أيسر من دراسة الصيدلة. وسعيدة بهذا القرار، وأشعر بأثر دراستى على كتاباتى سواء الروايات أو المقالات ذات الطابع العلمى.

 حدثينا عن روايتك "مرآة السيدة مو"؟

هى رواية اجتماعية تتناول أزمة المرايا فى حياة زوجين. تُروى من منظور بطليها وتَطرح سؤالا مباشرا: إلى أى مدى يمكن أن نعتمد صورتنا فى عينى شريك العمر؟ هل عيناه مرآة مستوية بما يكفى لتعكس صورة حقيقية؟ وإن لم تكن كذلك؛ ماذا نفعل؟ وإلى أين نتجه؟

 الرواية تتناول قصة تقليدية إلى حد كبير جدا، هل كنت تقصدين أن أول عمل لك يتناول فكرة تقليدية جدا حتى تظهرى مهاراتك فى الكتابة، أم أنها وسيلة سهلة للوصول للقارئ؟

سأبدأ من النصف الثانى من السؤال؛ تناول قصة تقليدية أصعب وسيلة للوصول إلى القارئ، خاصة فى العصر الذى نعيشه. "الترند" هو الحاكم، وأقوى ترند لن يتجاوز عمره أسبوعا، أو أسبوعين على الأكثر. لذا فأنا أرى على العكس؛ أن الكتابة عن التقليدى أكثر تحديا. فى الوقت نفسه لم أقصد ذلك لأظهر مهاراتى. فقط وجدت أن لدى ما أقوله، وما لن يثبُت للأيام إلا إن كان نافعا وهاما بحق، وحرصت على أن تكون الرسالة مكثفة قدر إمكانى.. إن كان ثمة مهارة قصدتُ إظهارها، فلن أنكر أنى أردت أن أكتب كتابا تشعرين بافتقاد أبطاله، وتعودين إليه مشتاقة بعد فترة رغم علمك بنهاية "الحدوتة". وأرجو أن أكون قد وفقت فى ذلك.

 تناولت قضية الطلاق فى الرواية، وسبق تناولها فى العديد من الأعمال، فما الذى دفعك للكتابة عن هذه القضية تحديدا، وهل حرصت على تقديم حلول لها فى الرواية؟

ارتفاع معدلات الطلاق أهم الأسباب. القضية تشغلنى منذ فترة، وأرى الكثير من الحالات كان يمكن أن تنجو من كارثة الطلاق إذا سلمت من القولبة. القولبة ليس فقط بالصورة الحديثة المطروحة لمؤسسة الزواج، ولكن أيضا تأثرا بنموذج مشوه لزيجات تم تلصيمها فى الماضى بدعوى رفض فكرة الطلاق على إطلاقها. كأننا صرنا الآن أكثر حساسية للمشاكل، أكثر كسلا عن محاولة الحل والتعافى داخل الزواج. يجب أن يتم الطلاق أولا حتى يكون تحولنا بعده لافتا ومتحديا للصعوبات، والأهم من ذلك ملكنا وحدنا بغير شريك! مع أن الازدهار مع الشريك أكثر تحديا. وأقول "مع الشريك"، وليس "برغم الشريك". الهدف ليس الإبقاء على أسرة كالجمرة المشتعلة حتى يتولى كبر السن إطفاءها. هذا ما اقترفه المجتمع لسنوات؛ الكثير من جروح الزواج تغلق على قيح، تؤلم من أقل ضغطة. "منيرة" و"مجدي" مثلا كان يمكن أن يعودا بالطريقة القديمة، تسعى لاستعادته ويستجيب لها، وعقل كل منهما مغلق على ما فيه. وقتها كانت منيرة ستجتر شعورها بالخيانة على فترات، ويتقمص مجدى شعور القهر على الفرصة الضائعة. ولكن الجرح فى الرواية نظيف، والالتئام مسئولية الطرفين بعد ذلك.

 القراء أجمعوا على حبهم للجزء الخاص بالأكل وتحضير الطعام ووصفك للأكلات المصرية الشهيرة فى الرواية، فما السبب؟ وكيف للطعام أن يكون لغة حوار؟

لا أستطيع أن أجزم بالسبب، ربما لأننى كتبت عن الطعام بحب كما أعده، ووفقنى الله لضبط الوصفة! أما عن كون الأكل لغة حوار فهو كذلك فعلا فى الرواية. مجدى ومنيرة يتفاهمان بأطباق الطعام، ينفصلان ويتفاوضان ويعبران عن غضبهما، وقهرهما، وشوقهما بها أيضا.

 هناك من يقول إن الكتابات التى تتناول جانب من المشاعر هى انعكاس لحياة المؤلف الشخصية، هل يمكن أن نقول إن شخصية منيرة بطلة الرواية تشبهك؟

بيننا من التشابه والاختلاف ما يكون بين الأصدقاء. فى الواقع لو أن منيرة شخصية حقيقية لكنا أصبحنا صديقتين بسهولة.

 من خلال الرواية حاولت التعبير عن مشاعر المرأة، ولكن هل المرأة تملك القدرة على التغير ومواجهة المجتمع؟

أظن التغير امرأة فى الأساس، ومواجهة المجتمع فكرة صدامية لا أحبها ولكنها للأسف لا مفر منها. المجتمع مثل أفراده يقاوم التغيير بكل طاقته، هذا فى تركيبنا، مرتبط بغريزة البقاء. ما الذى يدفعنى لاتباع نمط صحى للحياة إذا كان بإمكانى بلوغ الصبح التالى دون تعب الرياضة والحرمان من الأكل والإقلاع عن التدخين؟ وما الذى يدفع المجتمع لتعديل قوانين الأحوال الشخصية مثلا؟ لكن التغير حتمي؛ حروب، مجاعات، ارتفاع معدلات الطلاق، البطالة، الجريمة.. على مر التاريخ، وبالذات فى أعقاب كل تحول كبير كانت النساء يغزلن التفاصيل الدقيقة للحياة، ويجعلن المستحيل ممكنا بسلاسة، وبأعلى درجات التراحم. كيف لكائن هذه صفاته أن يُناقش فى قدرته على التغير؟ المجتمع لا يناقش قدرة المرأة على التغير بعد حرب أو مجاعة. فقط فى أوقات دعته يظهر الصدام، بعد أن يكون المجتمع قد استنزف الكثير من قدرات المرأة، أو جار على حقها كإنسان.

 ما رأيك فى مصطلح الأدب النسوى وهل استطاع أن يعبر عن عالم المرأة؟

أحب أكثر أن نتكلم عن المرأة كإنسان، مصطلح الأدب النسوى بشكل ما يعزل المرأة وما يخصها، وهو أمر غير منطقى فى عالم مبنى على اهتمام المرأة بالتفاصيل، وإسهامها فى المجتمع يشبه فى نظرى رسم المنمنمات، كيف نفصله؟ فى الوقت نفسه، التطرف فى الانحياز للمرأة يمنعنا من الاستفادة من نظرة الرجل الواسعة إلى الأمور. فلم نحرم أنفسنا من تكامل النظرتين؟ لو أراد الله أن يخلق الجنسين بالقدرات نفسها لفعل. هذا يسرى على الكتابة وعلى الأسرة أيضا.

 دخلت مجال الأدب من خلال مدونتك (نهى شوقى- القصص التى كتبتنى).. فهل ساعدتك هذه المدونة فى الانتشار واختصار الطريق؟

لم تساعد إطلاقا! وبقدر غرابة الفكرة لم يكن فى بالى الانتشار من خلالها. كانت فقط لتوثيق ما أكتب، وبإلحاح من أصدقاء غيورين على أفكارى أكثر منى، ويخشون عليها من السرقة. قضيت عدة سنوات أكتب لنفسى ولدائرتى القريبة جدا. أفصل بين كل عمل والذى يليه بأخذ "كورس" فى الكتابة الإبداعية، وهى متوافرة على الانترنت ولكن باللغة الإنجليزية. ثم وصلت لمرحلة فى الكتابة أردت فيها معرفة مكانى، كنت وقتها قد أتممت "مو" منذ أكثر من سنة، وقبلها روايات أخرى قصيرة. وحالفنى الحظ بإقامة ورشة للكتابة الإبداعية للروائى عادل عصمت فى مكان قريب منى، وتوقيت يناسب التزاماتى العائلية فالتحقت بها، هكذا ببساطة. ثم ما جاء بعدها كان مذهلا لى حقا من دعم الأستاذ عادل، والتقائى بالكاتبة نورا ناجى وكانت تحضر الورشة أيضا ولكن فى يوم مختلف. لقائى بنورا ملهم على عدة مستويات، أولا ككاتبة متحققة مازالت تصقل موهبتها بالدراسة، هذا يشبه فكرتى عن الكتابة. وثانيا أن كتابها "الكاتبات والوحدة" لمسنى بشدة، وكنت قد قرأته قبل التحاقى بالورشة بفترة قصيرة. ثم على المستوى الإنسانى فى دعمها للرواية ومساعدتى فى عرضها للنشر.

 هل أنصفك النقد وتعامل مع تجربتك بما تستحقه؟

الرواية حظت بمراجعات رائعة من كتّاب أحبهم وأحترمهم، بصراحة لم أكن أتوقع هذا الاحتفاء. خاصة أن الرواية مكتوبة أساسا "للمنيرات" بنَفَس هادئ وبلا ضجة. بمناسبة المنيرات، تصلنى على الخاص صور للرواية على طاولة السفرة وخلفها نيش، أو على طاولة زجاجية تشف أسفلها عن قدمين فى جورب. صور مرتجلة مع عبارات تأثر بالعمل تسعدنى كثيرا.

أما على مجموعات القراءة الأمر مختلف، وأتفهمه تماما. أحيانا، عبور قشرة القصة التقليدية إلى الداخل لا يناسب قارئ متعجل لتحقيق المستهدف، أو قارئ له فكرة مسبقة، ويبقى هؤلاء قليلين والحمد لله، وأحترم تجربتهم فى القراءة.. بوجه عام فى قلبى تقدير لكل قارئ يتوفر على كتابة مراجعة لكتاب قرأه، أيا كان رأيه. فى النهاية أنت تكشفين بعضا من روحك رغما عنك بالكتابة حتى لو كنتِ تكتبين مراجعة لكتاب.


 	أميرة سعيد

أميرة سعيد

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - صلاة الطفولة

  ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...

سهيلة الرملى: «اتكلمى» ركزت على المسكـوت عنه فى كتب التاريخ

الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى

«السيد فى حقل الأدب».. شهادات وقـراءات كاشفة لعالم صبرى موسى

ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية

خالد أمين: وقعت فى غرام الـرعب والغموض

أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد