أن تعلن عن نفسك شاعرا للأغنية، قائلا "آلوه آلوه.. أحنا هنا" وسط جيل من فطاحل الأغنية، الذين رسخوا أقدامهم فى عالم الشعر الغنائى، بل وروضوا أذن السميعة على لون معين من
أن تعلن عن نفسك شاعرا للأغنية، قائلا "آلوه آلوه.. أحنا هنا" وسط جيل من فطاحل الأغنية، الذين رسخوا أقدامهم فى عالم الشعر الغنائى، بل وروضوا أذن السميعة على لون معين من الغناء، مثل أحمد رامى، وأبو السعود الإبيارى، وبديع خيرى، وبيرم التونسى. فهذا هو فرض الذات.
بعد الحرب العالمية الأولى، انحطت الذائقة الشعبية للأغانى، وأصبح الإسفاف والخلاعة هو السائد فى هذا الجيل، عند الغزل، أو وصف المحبوب، فكانت قصائد شوقى العربية الفصيحة بمثابة البساط للجيل الذى بلور شكل الأغنية التى تناسب الذوق المصرى.
فى بداية الأربعينات من القرن الماضى، قرر شاب فى بداية العشرينات من عمره ترك قريته فى محافظة الشرقية، والانتقال للقاهرة للبحث عن فرصة عمل فى الصحف، حاملا معه أزجاله المشبعة بتراث القرية، قدم بعض ما يكتبه لمجلة "البعكوكة" وراجت أشعاره المضحكة، حتى أن القراء، كانوا يرسلون فى طلب كتابته، إذا انقطع عنها.
كانت هذه بداية الشاعر الغنائى "فتحى قورة"، الذى قلب موازين الغناء قى ذلك الوقت، وظل لأربعة عقود يكتب كل ألوان الغناء، لكل مطربى مصر تقريبا.
لم يبدأ " قورة" من حيث بدأ سابقوه فى الكتابة الشعرية، ولكنه بدأ من حيث انتهوا، حيث كان من الذكاء أن يكتب بطريقة "السهل الممتنع"، يستقى كلماته ومطلع أغانيه مما يجرى على لسان العوام من الحكم والأمثال، ويضيف إليها من الوزن والقافية، ما كتب لها الخلود مثل استخدامه للفظ الدارج "عينى بترف"، الذى جعلها مطلعا لأغنية غناها المطرب "كارم محمود" وحتى الآن عندما يتندر شخص بشكوى "رف العين" يرد عليه الآخرون مكملين اللحن "عينى بترف ياحبة عينى". وعلى نفس المنوال جعل من التهكم على فعل شخص آخر بقوله "يا حلاوتك يا جمالك"، فأصبحت "خليت للحلوين إيه؟" هى المكمل الرسمى لزيادة السخرية اللذيذة.
استطاع "فتحى قورة" فى وقت قصير أن يرسخ للون غنائى جديد، بامتلاكه مقومات النجاح لأى شاعر غنائى من تقديم كلمات جديدة، وجيدة، تنتشر وتنال رضا الناس، وتتحول بعض الكلمات إلى أمثال شعبية، لا يستطيع الجيل اللاحق التمييز بين الأغنية، والمثل العام، بل إن الأغنية تكفى وتوفى: "ما راح زمانك ويا زمانى" و"القلب يحب مرة ما يحبش مرتين" و"ابعد عن الحب وغنى له".
"بهلوان الوزن والقافية"، هكذا أطلق عليه الكاتب الكبير "يحيى حقى"، فقد منح الأغنية المصرية نكهة خاصة، بجمل قصيرة، محكمة الإيقاع، وبالغة الدلالة، تعيش لأجيال وأجيال.
يكتب الأشعار وكأنه يتنفس، وهو ملك الأغنية المرحة والخفيفة، والساخرة بدون منازع، يكفى أنه جعل عبد الحليم حافظ يغنى "يا سيدى أمرك"، وفريد الأطرش يغنى "يا سلام على حبى وحبه".
الشاعر صاحب مفردات غير مسبوقة، فى الشعر الغنائى، فقد عبر عن أعظم المعانى بأبسط الكلمات، فجاء أسلوبه متفردا لم يسبقه إليه أحد، ولم يستطع أحد تقليده أو مجاراته، فلم يسبقه شاعر غنائى أو جاء بعده كتب أغنية تجسد كلماتها منافسة على نيل الشهادة العلمية بدرجة جيد جدا، فى مقابل درجة جيد، وتتطور المنافسة إلى معركة، والمطرب يكمل أداءه بكلمات كوميدية غاية فى السهولة والظرف: كالذى حدث فى فيلم الأستاذة فاطمة.
وصل رصيد قورة حوالى 4 آلاف أغنية، نسمعها حتى الآن، وبعضها تحول لأيقونات مثل "وحياة قلبى وأفراحه" أيقونة نجاح طلبة الثانوية العامة، و"الأقصر بلدنا بلد سواح"، و"دقوا المزاهر"، و"م الثانوية ع الكلية".
وتعاون الشاعر مع كل مطربى جيله، ماعدا أم كلثوم وعبد الوهاب، وأوضحت ابنته السيدة "هيام قورة" أن هذا كان بسبب "غيرة والدى على موهبته، وثقته فى فنه وموهبته، فكان لا يسمح لأحد بالتعديل على كلماته، والمعروف عن أم كلثوم وعبد الوهاب التدخل والحذف والإضافة، وهو ما كان يرفضه تماما".
كان مجرد وجود اسم "فتحى قورة" على تتر الأفلام القديمة، كمؤلف للأغانى، يوحى للمشاهد بأنه على موعد مع الضحكة الصافية، ولكن سنوات عمره الأخيرة لم تشبه أغانيه المرحة، والتى تحمل طابع التفاؤل دائما، حيث فقد بصره واضطرته الظروف أن يكتب لشاعر آخر من الباطن، كان يلجأ إليه ليكمل له أغانيه، وكانت تعتصره الحسرة عندما يسمع كلماته تغنى باسم شاعر آخر. كما كان عزوف المنتجين عن تقديم أفلام غنائية من أسباب توارى وأفول نجم الشاعر الكبير "فتحى قورة"، وعندما تحدثت السيدة أم كلثوم والموسيقار عبد الوهاب للرئيس السادات فى علاج الشاعر وسفره للخارج، كان القدر أسبق من إنهاء إجراءات العلاج.
ولم ينل هذا الشاعر من التكريم ما يستحقه حتى الآن، فقد غفلت عن تكريمه الدولة، بالشكل اللائق لتاريخه وإسهاماته التى تعيش حتى الآن، وينصفه باحثو ومؤرخو الشعر الغنائى كمؤسس لهذا الفن، وتمر هذه الأيام الذكرى الخامسة والأربعين لرحيله، ومازالت كلماته حاضرة تعاند الغياب.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
في عالم أصبحت التفاصيل الصغيرة جزءًا أساسيًا من جودة الحياة اليومية، لم يعد اختيار الشرابات أمرًا ثانويًا أو قرارًا سريعًا...
وحدهم في الشارع الخالي فى الصباح الشتوى المبكر .. الدنيا غارقة، وسيول المطر أبقت الناس في بيوتهم، فلا وجود لشخص...
«الأيام الأخيرة فى حياة فرويد».. رحلة فى عالم الذكاء الاصطناعى والتحولات الرقمية محاولة سردية لتقديم صورة غير وردية لعالم يتجرد...
شخصيات لها تاريخ «98» تربى فى الزاوية الأكثر أهمية فى تاريخ الحركة السنوسية بواحة الجغبوب وتولى قيادة الحركة بعد رحيل...