أعتقد أن اختيار "الموضة" أو "الملابس" موضوعًا للكتابة الأدبية سيظل سؤالًا مثيرًا للجدل، حيث يلقى بظلاله على الأهمية التى يحظى بها الجسد فى عالمنا المعاصر خصوصًا "جسد
أعتقد أن اختيار "الموضة" أو "الملابس" موضوعًا للكتابة الأدبية سيظل سؤالًا مثيرًا للجدل، حيث يلقى بظلاله على الأهمية التى يحظى بها الجسد فى عالمنا المعاصر خصوصًا "جسد الأنثى"، وقد صارت "الموضة" عنوانًا لورشة كتابة، نتجت عنها مجموعة قصصية صدرت مؤخرًا تحت عنوان "حتى فساتينى.."، بإشراف الكاتبة والأكاديمية مى التلمسانى، كثمرة للتعاون بين مؤسسة "بيت التلمسانى" ودار نشر "المرايا للثقافة والفنون"، وبمشاركة الكاتبات: نورا ناجى وإيناس الهندى ووفاء السعيد ومريم حسين ونور حلوم "سورية الأصل" وشيماء ياسر وأسماء جمال عبد الناصر، بالإضافة إلى دانى ناجى، الصوت الرجالى الوحيد فى هذه المجموعة.. عن نفسى أرى "الموضة" موضوعا جديرا بالطرح على المبدعين، خصوصا المبدعات بالذات، بُغية إنتاج كتاب قصصى يتضمن علاقة ثمانى كاتبات نساء وكاتب رجل وحيد ـ يعمل مصمما للأزياء ـ بالملابس وعوالمها والفساتين والأزياء الحريمى والماكياج، كأنها صرخة نسائيّة جاءت فى وقتها ضد مَن يحاولون فرض "الحجاب" علينا، أو كأنها محاولة لاستنطاق "شهرزاد" العصر الحديث بقصتها مع الأزياء، ففى بلاد مثل بلادنا ما من امرأة إلا وتحمل قصة حزينة مع الملابس، وحكايات "حتى فساتينى.." تُثبت صحّة ذلك.
الذى لا شك فيه هو أن اختيار "الموضة" كموضوع للكتابة الأدبية اختيارٌ جديد وغير مألوف، نراه موضوعا قادرا على تمثيل اللحظة الراهنة بأبعادها الاجتمــاعيـة والاقتصــاديـة والسيــاسيـــة والدينية بكفاءة، حتى لو كان ينطوى على انحياز "ما بعد حداثى" أو ينتمى إلى نظرية "المجتمع الجسدى" التى تصف كيف أن الجسد فى الأنظمة الاجتماعية الحديثة أصبح "المجال الرئيس للنشاط السياسى والاجتماعى".
يُذكرنا اختيار "الموضة" كموضوع أدبى بالتطورات الكبرى التى تشهدها مجتمعاتنا الحديثة فيما يتعلق بالقيمة المتزايدة للجسد، حتى فى العالم الثالث، وفى المجتمعات العربية كذلك، حيث يعتبر أكبر أثر للحداثة فى زماننا هو ارتفاع درجة تحكم وسيطرة الدول بوجه عام و"المهن الطبية" بوجهٍ خاص على أجساد المواطنين، كما يذكرنا موضوع الملابس كذلك بتراجع نفوذ السلطات الدينية خصوصا بعد جائحة كوروناـ على الأجساد أمام تقدم نفوذ الأطباء والمستشفيــات ومعـــامــــل التحـــاليــل، وهو تطوّر لو تعلمون خطير.
طبعا لا أحد ينكر القيمة الكبرى التى تحظى بها ثقافة الملابس فى مجتمعاتنا على طول التاريخ، كما أنه لا أحد يمكنه أن يقلل من تأثير الموضات والألوان والديكورات على حياتنا وفنوننا الأدبية والبصرية الحديثة وسط التقدم المذهل فى مجال الاتصالات، كما لا يستطيع أحد أن ينكر ـ بعد كل ذلك ـ قيمة الملابس فى المجتمعات الشرقية بالتحديد، أقصد المجتمعات التى تعتبر الملابس جزءا من طقوس ثقافتها الدينية، حيث تجسد الأقمشة بأشكالها المتنوعة نوعا من "التمائم الحارسة" التى تبارك بها دائما الإنسان فى العصور القديمة.
عن نفسى لم يعجبنى عنوان "حتى فساتينى.." كشعار للمجموعة كلها، فهو عنوان يحمل قدرا من الـ "نوستالجيا"، ويبدو كأنه أول ما يتبادر إلى الذهن إذا كان الموضوع هو الملابس، باستعارة كلمتين من أغنية نجاة الصغيرة "أيظن" التى كتبها الشاعر العربى الكبير نزار قبانى، وإن كنت من غير المعجبين بـ "حتى فساتينى.." إلا أننى أستطيع أن أجد فى تجارب الكاتبات ما يفسِّره، فالرؤية العامة للملابس بالنسبة لبعض قصص المجموعة تقف عند حدود رؤية شاعرنا العربى الكبير الراحل، وتعتمد على فكرة أن الملابس هى الفساتين، وأن الفساتين هى إحدى أدوات التجميل الضرورية التى تترجم مستوى الطبقة الاجتماعية لمجتمع الأغنياء، حيث تبدو مى التلمسانى "المحرر العام" حريصة على إبراز الوضع الطبقى المميز لبطلة قصتها، "فستان عند الركبة"، وتلفت نظرنا نحن القراء إلى أن البطلة تعلمت من الأم والجدة ألا تعتذر عن "الطبقة"، بأن تحترم الجميع بخلق مسافة آمنة بينها وبين الآخرين، كما أنها تشير فى قصتها إلى هموم هذه الطبقة ومشكلاتها، وهى هموم قد يجد القراء ـ تربية الفقراء مثلى أزمة فى أن يصدقوها، فالبطلة عانت من الملل بسبب تكرار أشكال حفلات الزفاف فى العائلة، وهى بهذه الطريقة تتحدى المجتمع و"تتحدى الملل" أيضا، بطقس زفاف غير مألوف، بعدما ملت من: "زهق الأفراح المكررة التى تناوبت علينا فى تاريخ العائلة".
«سراى كاظم باشا»
واحدة من قيم هذه المجموعة فى رأيى أنها تُعيد الاعتبار إلى كثير من القضايا النسوية المصرية المعروفة بمتناقضاتها الشهيرة: "الحجاب" فى مواجهة "التعرى"، "المساواة" فى مواجهة "للذكرِ مثل حظ الأنثييْن"، حتى وإن كانت قضايا النساء فى مصر الآن هى الصدى لقضايا النساء فى نهايات القرن التاسع عشر، وهو الأمر الذى يمكن فهمه كجزء أصيل من تناقضات ثقافتنا، حيث استمرت أوضاعنا الفكرية كما هى أكثر من قرن من الزمان، كأنّ الزمن يمضى بالعالم من دون أن يمضى بنا، فتظل قضايا "الحجاب" فى مواجهة "السفور" هى نفسها عالقة لمدة مائة عام، أى منذ الشاعرة زينب فواز (1860 ـ 1914) إلى أن تصل أصداؤها إلى يومنا هذا وتظهر بين سطـــور كتـــاب "حتـــى فساتينى.." الصادر قبل أسابيع.
أعتقد أننا أمام مجموعة قصص يمكن تقسيمها موضوعيا إلى جزءين، الأول يعتبر الملابس والموضة علامةَ تميز اجتماعى ودليلا على الرقى الطبقى، وهو الجزء الذى يحمل رطانة الخطاب النسوى بصوت مسموع، وتكاد صورة الرجل فيه تكون سلبية بشكل مُطلق، وتعتمد قصص هذا الجزء على تيمة "الجماعة فــى مواجهــة الفــرد/ الأنثــى"، ويشمل قصص مى التلمسانى ونورا ناجى وإيناس الهندى ودانى ناجى، والقسم الثانى يعتبر الملابس مدخلا للحديث عن هموم إنسانية عامة بغض النظر عن تصنيفها الطبقى، لكنها فى الغالب تنتمى إلى الطبقة المتوسطة، وتتـــوسل قصص هـــذا القسم بأدوات كتابية أكثر تعقيدا وتعتمد على أبنية صياغية أكثر إحكاما، بينها تقنيات مثل القطع والمونتاج، كما نلاحظ فى قصص مريم حسين ووفاء السعيد وأسماء جمال عبد الناصر.
لكن يبقى السؤال: كيف تعاملت الكاتبات مع موضوع الملابس، كيف وجّهنه ليكشف أحزانهن وعذاباتهن، أول قصص المجموعة هى "صورة جديدة لفستان قديم"، للكاتبة نورا ناجى، وبطلة القصة محررة أزياء شابة تتجنب السياسة قدر طاقتها، حيث كانت تشاهد حلقات المسلسل الكوميدى الأمريكى "Friends"، لكى تتجنب متابعة أحداث ثورة يناير 2011، هذه البطلة عانت من تجربة زواج فاشلة وسريعة، من مصرى مقيم فى إحدى دول الخليج انتهت بالطلاق بعد إنجاب طفلة، وحين عادت مطلقة إلى مصر عادت إلى ملابسها وفساتين صباها واستعادت جزءا من توهجها الذى كان قبل الزواج، حيث حاصرها الزوج التقليدى المحافظ، وجعلها لا تشترى الفساتين إلا لكى تخفيها عنه، والقصة هى حكايتها مع الانشغال بالأزياء وغرامها بأول زيارة إلى مول "سيتى سنتر" مدينة نصر، مرورا بالإحساس بالامتنان تجاه عشرات البلوزات والقمصان والفساتين المرصوصة بألوان زاهية فى كل محلات الملابس الكبرى خصوصا التى تحمل صفة "براند".
الانحياز إلى ماركات الملابس العالمية كان أيضا محورا لقصة "فستان ديور الأخضر" لإيناس الهندى، حيث أسفر الخلاف بين صديقتين على فستان أخضر اللون إلى سرقة إحداهما لزوج الأخرى والزواج منه سرا، أما قصة الشاب الوحيد دانى ناجى بعنوان "مروحة روميو وجولييت"، فتدور أحداثها فى سراى "كاظم باشا" فى حى الزمالك، ويبدو أنها مستوحاة من تراث التليفزيون المصرى، ومن بين أقدم أعماله الدرامية كلاسيكيّة وأكثرها تكرارا.
«طرحة سوداء»
وسط كل هذه العذابات النسوية نحمد الله أن بعضا من قصص المجموعة لم تخل من قصص الحب الجميلة التى تحدث فى حياتنا كل يوم، كما لم تخل بعضها من رواية أحزان نساء الطبقات المتوسطة والفقيرة مع الملابس التى ليس من الضرورى على فكرة ـ أن تكون فساتين من ماركات عالمية، وهى الأحزان التى تستحق ـ من وجهة نظرى أن يدوّنها الأدب، فى مجتمع غالبيته من البسطاء، مثلما لاحظنا فى حالة بطلة قصة مريم حسين "اختلط علينا الأمر"، وهى عمل يتسم بالتماسك البنائى والجرأة فى الطرح بين كل قصص المجموعة.
بطلة قصة "اختلط علينا الأمر" شابة من لحم ودم هى الوحيدة التى تعيش قصة حب فى "حتى فساتينى.." رغم أنها قصة حب غير مكتمل بسبب سفر الحبيب، وبسبب خطأ غير مقصود تتبرع بطلة القصة بأجمل فساتينها التى تحمل ذكرياتها مع حبيبها لبنات البواب، وتتبدّد رائحة حبها على هذا النحو المفجع على أجساد فتيات فقيرات، القصة مليئة بالشجن وتضمن محاولة لأنسنة الملابس والبحث عن ذاكرة لها، فى الوقت الذى تقدم فيه عالما واقعيا بسيطا بلا أية ادعاءات طبقية، على العكس يمكن التعرف فى قصتها على كثير من مشاعر التضامن النسائى بين نساء الطبقات الفقيرة والاهتمام بتوصيل الملابس المستعملة لمن تحتاج إليها من بنات الطبقات الأكثر فقرا.
فى حين دونت أسماء جمال عبد الناصر فى قصتها "لا قصة ولا مناظر" أحزان كاتبة شابة تعمل موظفة فى جهاز الرقابة، بينما توسعت نور حلوم صاحبة "خزانة لا تتسع لكل شىء" فى مناقشة أحزان فتاة تعيش فى سكن وتنتقل منه إلى سكن آخر، وفى سياق الطبقة المتوسطة تحدثت وفاء السعيد أيضا فى قصتها "طرحة سوداء" عن هموم الكثيرات، فأنت أمام مواجهة بين الفتاة الريفية التى تعلمت وتثقفت وقررت أن تخلع الحجاب بعد سنوات من الإقامة فى القاهرة وموقف الأهل والمجتمع الرافض للفكرة، إلا أنها تضطر للتراجع حين ترتدى "طرحة سوداء" عند ذهابها إلى قريتها للمشاركة فى طقس عزاء والدتها.
تبقى المجموعة عملا مميزا على الرغم مما يُمكن أن نلاحظه فيها من الميل إلى مسارات السيرة الذاتية ومآلاتها، وعلى الرغم من النقص الحاد فى معدلات استعمال الخيال أو التعاطى معه، فى ظل الانحياز الواضح لنمط الكتابة التقليدية "الواقعية" ذات النسقين الزمانى والمكانى المحددين، وفى ظل الاعتماد على تقنيات قصصية محدودة تهمل كثيرا من ممكنات السرد، فأغلب القصص فى هذه المجموعة تدور حول الواقع اليومى العادى والبسيط، الواقع المكون من علاقات روتينية يمكن التكهن بها، بمعنى أنها تخلو من الفانتازيا والخيال إلا قليلا.
يُشار إلى أن مى التلمسانى كاتبة مصرية معروفة، حصلت العام الماضى على وسام الفنون والآداب برتبة فارس من الدولة الفرنسية، وهى ابنة المخرج السينمائى عبدالقادر التلمسانى، (1924ـ 2003)، ومى من مواليد القاهرة العام 1965، وحصلت على درجة الماجستير عام 1995 عن أدب الكاتب الفرنسى مارسيل بروست، والدكتوراه فى اﻷدب المقارن من جامعة مونتريال بكندا عن الحارة فى السينما المصرية، ونشرت لها روايات ومجموعات قصصية منها: دنيا زاد وهليوبوليس وأكابيللا التى تحولت عام 2016 إلى فيلم سينمائى باسم "تفاحة حوا".
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...
الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى
ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية
أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد