القاص والروائى عبدالله السلايمة أحد أهم كُتاب محافظة شمال سيناء، حاول تقديم إبداع يليق بمكانة وأهمية سيناء، التى أسهمت فى تشكيل وعيه وثقافته، فهى حاضرة دوما فى أعماله
القاص والروائى عبدالله السلايمة أحد أهم كُتاب محافظة شمال سيناء، حاول تقديم إبداع يليق بمكانة وأهمية سيناء، التى أسهمت فى تشكيل وعيه وثقافته، فهى حاضرة دوما فى أعماله الروائية والقصصية، بموروثها الثقافى وطبيعتها الجغرافية، فكتابته تنتمى لما يسمى كتابة الصحراء، بما تمثله صحراء سيناء من خصوصية، ورغم أنه بدأ حياته شاعرا قبل أن يتحول إلى السرد، قد استطاع أن ينجز 9 أعمال سردية تتنوع بين القصة والرواية.. حول رؤيته للمشهد الثقافى فى سيناء، وأعماله، كان الحوار.
كيف بدأت تجربتك الإبداعية؟
لم يكن يتعدى هدفى من قراءاتى أكثر من ثقافة أتحصن بها، ولم أكن أعرف شيئًا عن ذاتى المبدعة حتى اكتشفتها بانضمامى لنادى أدب "رفح" عام 1994، ومن خلاله بدأت أخطو أولى خطواتى فى طريق عالم الكتابة.
وأعتقد أن ما يميّز تجربتى أنها تستمد خصوصيتها من كونى أكتب عن عالم البادية أو الصحراء، هذا العالم الذى لم يحاول سبر أغواره وفك شفرته إلا قلة من الكُتّاب، أمثال: إبراهيم الكونى، عبدالرحمن منيف، حمدى أبو جليل، ميرال الطحاوى.
من الكتاب الذين تأثرت بهم خلال مسيرتك الأدبية؟
لا يمكن لسارد عربى الإفلات فى بداياته من التأثر بعوالم هؤلاء العظماء والافتتان بكتاباتهم: نجيب محفوظ، يوسف إدريس، إحسان عبدالقدوس، والروائى السودانى الطيب صالح. ومن الكُتّاب الغربيين: تشيخوف، هيرمان هيسة، كونديرا، ماركيز، وآخرون لا تسعفنى الذاكرة الآن لتذكرهم.
ما أهم ملامح المشهد الثقافى فى شمال سيناء؟
عند الحديث عن المشهد الثقافى فى سيناء لابد من الأخذ فى الاعتبار أمورًا من الأهمية الأخذ بها، من بينها، أن سيناء مرت بظروف سياسية فرضت عليها عزلة إجبارية حرمتها مواكبة انفتاح مصر الأم على أوروبا، واكتشاف كُتّابها فن القصة والرواية، لهذا ظل الشعر الشعبى الشفهى (بادية وحضرًا) سيد الموقف خلال فترة ما قبل تحرير سيناء وعودتها لمصرها، ليمثل هذا العام بداية لانطلاقة جديدة أخذ أدباء شمال سيناء المحدثون على عاتقهم جانبها الثقافى والإبداعى.
فقد استطعنا خلال الأربعة عقود الماضية رسم خارطة الأدب فى شمال سيناء، وملء مثالبها بأجناس أخرى غير الشعر، الذى يعد الشعراء: حسونة فتحى، عبدالقادر عيّاد، عبدالكريم الشعراوى، من فرسان عاميته. وتراوحت كتابات الشاعرين: حاتم عبدالهادى وسمير محسن بين شعر التفعيلة والنثر، أما الشعراء: أحمد سواركة، سامى سعد، وصلاح فاروق، فقد جاءوا مختلفين "نثريًا" إلا مع ذواتهم. وإذا تحدثنا عن المنجز السردى قصة ورواية فى شمال سيناء، يمكن التأكيد أن هناك أسماء استطاعت أن تقدم عددًا من الإبداعات السردية القصصية مثل: حسن غريب، وزين الشريف، وشخصى المتواضع.
وهناك من حاول إثراء المشهد الثقافى فى شمال سيناء بعدد من الروايات التى ترصد هموم وقضايا المجتمع السينائى والتغيرات الاجتماعية والسياسية التى مر بها، ومازال يعانى منها، مثل سامى سعد، والذى يتحدث إليكِ. ولكى تكتمل ملامح خارطة المشهد الثقافى لا بد من الإشارة إلى الفن التشكيلى، فقد استطاعت نخبة من فنانى شمال سيناء التشكيليين، على رأسهم الفنان المعروف مصطفى بكير، الوصول بهذا الفن إلى مستوى الاحتراف. أما بالنسبة للمسرح فقد كان متوقفًا نظرًا للظروف التى مرت بها سيناء، ويعلمها الجميع، لكنه، ولله الحمد، عاد يمارس نشاطه من جديد بفضل همة المخرج المسرحى مجدى الشريف.
لماذا تبدو الساحة السيناوية قليلة الإنتاج الروائى؟
أمر مؤسف بالفعل، لكن ما يدعو للتفاؤل ظهور أصوات شابة بدأت تعلن عن نفسها، مثل: يحيى عطية، وإسراء عبد الحميد.
كيف وظفت الموروث الثقافى والفكرى لسيناء فى أعمالك الأدبية؟
المبدع ابن مجتمعه ويتغذى على ثقافته الذى يمثّل الموروث الشعبى جزءًا مُهِمًّا منها، ولا ينفصل عنها، ولإدراكى أن الموروث يمثّل شخصيتنا وهويتنا حاولت توظيفه فنيًّا فى مختلف أعمالى، واعيًا لحقيقة أن الموروث يلعب دورًا مهمًا فى الحفاظ على انتماء الشعب لتاريخه، ولكونى أعى أن رياح العولمة تجتاح جغرافيتنا وتهدد تاريخنا وهويتنا، ارتأيت أن الواجب الوطنى والإبداعى يفرضان عليَّ حماية هذه الهوية والدفاع عنها بإحياء موروثها الثقافى والفكرى لمجتمعى الذى يمثّل جزءًا من تاريخ الوطن وهويته الثقافية.
وبحكم نشأتى، تغذيت منذ صغرى على ثقافة البادية التى شكّلت خلفية وجدانى، لكن التعليم منحنى فرصة لتقليب مبادئها فى رأسى، والنظر إليها بحيادية مكنتنى بمرور الوقت من اكتشاف حقيقة أن ثقافة مجتمع البادية لا تخلو من سلبيات كما هو حال ثقافات المجتمعات الأخرى، وكون الله قد حملنى رسالة الإبداع، وكان عليَّ تأديتها كما يجب أن تكون تجاه مجتمعى، لم أتردد فى الإشارة إلى تلك السلبيات علنًا وكتابة، وذلك ليس "انقلابًا" عليه، كما ذهب البعض فى تفسيره لكتاباتى، بل محاولة منى لحقن أوردة بعض أبناء مجتمعى بالشجاعة الكافية لأن يرتق كل منهم ما استطاع ما يراه من عورات أو سلبيات تشوه صورة مجتمعنا الجميلة، وذلك من شأنه، كما أرى، افتخارهم بالانتماء إليه، وبالتالى حمايته بالوقوف فى وجه رياح العولمة التى تهدد وجوده بالمحو.
تناولت فى أعمالك الصراع بين البادية والحضر، بالإضافة إلى التطور الحضارى الذى غزا الصحراء، كيف استطعت تصوير هذا الصراع؟
تؤرقنى نظرة كل من الطرفين للآخر بدونية، فالبدوى لديه قناعة تصل لحد الإيمان بأن العالم ينقسم إلى قسمين: قسم يمثله البدو وأبناء جلدتهم فى مختلف بقاع الأرض ويعتبرونه الأعلى شأنًا، بينما يمثّل غير البدو القسم الآخر ويرونه البدو أدنى منهم شأنًا ومكانة. ولدى "الحضرى" أو المدينى، أى ابن المدينة نفس النظرة الاستعلائية المقيتة تجاه البدوى، وكونى ابن البادية والمدينة فى ذات الوقت، وتغذيت من ثقافتيهما، وكون الله عافانى من هذا المرض رأيت من واجبى – كمبدع – الإشارة "سردِيًّا" إلى هذا العوار الكبير، وهذا أقل درجات الإيمان. وما يدعو للدهشة أن الطرفين أمكنهما التعايش معًا طوال الوقت بهذه الازدواجية! رغم إدراك كل طرف حقيقة أن الآخر ينظر إليه بدونية! ودفعتنى دهشتى للبحث عن حل لهذا اللغز المُحيّر حتى خلصت إلى أن الحل يكمن فى "الضرورة"، وللضرورة أحكام، كما يُقال، فقد فرضت عليهم حياتهم اليومية ومصالحهم المشتركة ومصيرهم الواحد التعامل بهذه الازدواجية! ليس هذا وحسب، بل هناك ما سميته "بالعلاقة النفعية"، فكل طرف يجد ما ينقصه لدى الآخر، هكذا ببساطة تسير الأمور بينهما، وربما ستظل هكذا إلى ما لا نهاية!
أما بالنسبة للشق الثانى من سؤالك، وهو، كيف استطعت تصوير هذا الصراع؟ يحضرنى دومًا قول "تشى جيفارا": "لا شىء أسوأ من خيانة القلم، فالرصاص الغادر قد يقتل أفرادًا، بينما القلم الخائن يقتل أممًا"، ونفيًا لهذه التهمة عن نفسى، استخدمت مقدرتى – كمبدع - على ملاحظة أمور مُشينة، كالتى ذكرتها سابقًا، ولم أتردد فى إظهارها للعيان، أملًا أن يحالفنى التوفيق فى دفعهم للتخلص من ذلك المرض، وغيره من الأمراض التى بدأت للأسف تهدد أواصر مجتمعنا. وهذا دورى وتلك رسالتى.
هل أثرت الأحداث التى مرت بها شمال سيناء على إبداعاتك وكتاباتك؟
بالتأكيد، وحاولت رصد ما استطعت منها فى رواية "خطايا مقصودة"، ورواية "الذى أحَلَّ دمها".
أين سيناء من إبداعات الأدباء فى مصر؟
معذرة، يجب توجيه هذا السؤال لأدباء مصر، وليس لى. وهم المنوطون بالإجابة عنه.
أعمالك دائما تحمل الصراع بين البدو والسلطة، فكيف ترى هذا الصراع؟
ليس صراعًا بمفهومه السياسى، بل يمكن تسميته "بالصراع الثقافى"، مرده تسليم كافة الأنظمة التى تعاقبت على حكم مصر بمفهوم ابن خلدون عن البداوة، وتعاملها مع البدو بناء على هذا المفهوم الخاطئ، وبالتالى رفض ثقافته، وفرض ثقافتها الرسمية، ولا ضير فى ذلك، لكن يجب عليها الأخذ فى الاعتبار أن لكل مجتمع سماته وخصائصه الثقافية وهويته، وأن هذا التنوّع يُعد رافدًا يضيف للثقافة الوطنية، ولا ينتقص منها. وهذا سبب الإشكالية التى فسرتها فى بعض مقالاتى وأعمالى الأدبية، بأنها إشكالية أو مسألة ثقافية بحتة، فكل منهما – أى السُّلْطَة وأهل سيناء- يتبنى موقفًا ذِهْنِيًّا تجاه الآخر ويؤمن به، ويتقمص، بجهل وربما تجاهل، دور المدافع عن وجهة نظره، بغض النظر عن صحتها من عدمها، دون أن يكون لدى أحدهما الاستعداد لتفهم طبيعة وثقافة الآخر.
وكى لا يجف رافد مهم من روافد الثقافة الوطنية، أرى أن على الدولة، إذا ما كانت تريد فهم الثقافة البدوية فهمًا حقيقيًّا، أن تضع فى اعتبارها ألا تتعامل مع البداوة وفق مفهوم ابن خلدون القديم، على أنها منافية للحضارة، أو كونها لا تتعدى حالة رعوية وفوضوية ولا تستحق غير النفى والإقصاء، وفق الاجتماعيات الأدبية الحديثة. بل تتعامل مع ثقافة البادية من داخلها، لتتمكّن من تكوين رؤية متجردة وصحيحة عنها. لو فعلت الدولة، سيتضح لها، عكس ما هو راسخ فى ذهنها، أن ثقافة البادية ليست رمزًا للفوضى، وإنما ثقافة لها سماتها الخاصة، ويمكنها الانسجام والتوافق مع طبيعة الثقافة الوطنية، تضيف إليها ولا تنتقص منها، كما أسلفت.
بدايتك كانت مع الشعر.. لماذا لم تكرر هذه التجربة مرة أخرى؟
بالفعل كانت بدايتى مع الشعر، وكنت أعتقد بأننى سأستمر، ولم أكن أعلم بأن غواية السرد ستدركنى، وسأستجيب لها بكتابة تسعة أعمال روائية وقصصية حتى الآن، وتتمثّل الأعمال الروائية في: (بركان الصمت، قبل المنحنى بقليل، صحراء مضادة، خطايا مقصودة، الذى أحَلَّ دمها، ورواية صديقى ماسود)، وليس انتهاء – بإذن الله- بروايتى الأحدث قيد الكتابة. ولم أستقر لها على عنوان بعد.
كما صدر لى مجموعتان قصصيتان: أشياء لا تجلب البهجة، وأوضاع محرّمة، وقد فازت بعض نصوصهما بجوائز محلية وعربية، ومنها ما ترجم إلى اللغة الإنجليزية فى كتاب صدر عن مؤتمر أدباء مصر عام2011. فضلا عن كتاب "سيناء.. سيرة الحب والأدب" ويعتبر أول كتاب توثيقى لأعمال أدباء سيناء، إلى جانب بعض الرموز السينائية.
عاد مؤتمر إقليم القناة وسيناء الثقافى بعد توقفه عشر سنوات وكنت أمينه العام فى الدورة 24 .. فماذا عن ذلك؟
كانت دورة استثنائية حقًّا، لكونها عقدت فى 2021 فى مدينة العريش، بعد عشرة أعوام عِجاف عاشتها سيناء، خاصة شمالها، فقد كانت آخر دورة للمؤتمر 2012، وجاءت هذه الدورة معبرة عن بسالة جنود قواتنا المُسلحة فى مواجهتها المصيرية للجماعات الإرهابية التى توهمت أن بإمكانها انتزاع سيناء من جسد أمها مصر. وحملت الدورة عدة رسائل، منها: توجيه الأدباء رسالة للعالم مفادها أن سيناء أصبحت آمنة، وتنتظر من قيادتها الرشيدة وأبناء الوطن الشرفاء احتضانها وإعادة الحياة إليها مرة أخرى. والتأكيد على أهمية دور الثقافة، التى تعتبر أهم أدوات قوة مصر الناعمة التى تتصدى لكل محاولات النيل من عزيمة الوطن.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
في كثير من المنازل السعودية تتكرر شكوى شائعة بين المستخدمين، وهي أن بعض الأجهزة المنزلية تتعطل مرة أخرى بعد فترة...
في عالم الاشتراكات الرقمية، لا يبحث العميل عن المنتج فقط. هو يبحث عن تجربة كاملة تبدأ من لحظة دخوله إلى...
فى ذكرى ميلاده الخامس والتسعين أحدث نقلة فى المسرح الشعرى العربى.. وحرر المسرحية الشعرية من القصيدة الغنائية كان سابقا فى...
الرواية التاريخية مغرية لأى كاتب لا يوجد قالب جاهز أو كتالوج يلتزم به الكاتب اعتبر نفسى كاتبة نسوية