يستحق هذا الرجل وسام المحبة والتقدير والامتنان.. يستحق أن نرفع له القبعة وأن نذكر دائما أن الله قد كتب عمرا جديدا لابن مصر العظيم نجيب محفوظ على يديه.. حين لم يجزع
يستحق هذا الرجل وسام المحبة والتقدير والامتنان.. يستحق أن نرفع له القبعة وأن نذكر دائما أن الله قد كتب عمرا جديدا لابن مصر العظيم نجيب محفوظ على يديه.. حين لم يجزع ولم يخف ولم يهتز وهو يرى مطواة الشاب المتطرف الجاهل الغبى مرشوقة فى عنق أديب نوبل الكبير قبل دقائق من الخامسة بعد عصر يوم الرابع عشر من أكتوبر عام 1994، وهو اليوم الذى وافق مرور ست سنوات ويوم واحد على فوز محفوظ بجائزة نوبل، فتصرف الرجل بمنتهى الشجاعة والحكمة والسرعة مع هذا الموقف الرهيب لينقذ لمصر ابنها النجيب.. إنه الطبيب البيطرى الدكتور محمد فتحى محمد هاشم الشهير بفتحى هاشم، والذى كان من الطبيعى أن نبدأ حوارنا معه عن نجيب محفوظ وأيامه معه من ذلك الموقف الصعب الذى كادت فيه طيور الظلام أن تسلب أرض الكنانة ابنها الكبير.
ذلك اليوم العصيب
يعود الدكتور فتحى بذاكرته إلى ذلك اليوم العصيب منذ أكثر من سبعة وعشرين عاما ليقول: تعودت أن أذهب إلى بيت الأستاذ قبل الخامسة بقليل من كل يوم جمعة فأقف بسيارتى أمام باب منزل الأستاذ، وبعدها مباشرة أراه قادما فأنزل من السيارة وأفتح له بابها الأمامى ليجلس بجوارى لأنطلق به إلى كازينو قصر النيل، حيث ندوته الشهيرة التى كانت ملتقى ثقافيا عظيما لأحبائه ومريديه وكنت واحدا من روادها.. فى ذلك اليوم العصيب أوقفت السيارة وظهر الأستاذ فنزلت منها لأفتح له الباب الأمامى كالعادة ولم ألاحظ شيئا غير عادي، وفتحت باب السيارة وجلس الأستاذ فأغلقته وتوجهت إلى الناحية الأخرى لأجلس على مقعد السائق، وبمجرد جلوسى سمعت الأستاذ يصرخ بصوت خفيض وتخرج منه آهة مكتومة وتلفت سريعا فإذا بشاب فى أوائل العشرينات يجرى مسرعا وأدركت أنه طعن الأستاذ نجيب، ففتحت باب السيارة بسرعة وجريت بكل قوتى خلفه وأنا أصرخ "امسكوا المجرم ده. ضرب الأستاذ نجيب محفوظ وكان"الشاب المتطرف يجرى بسرعة رهيبة وأنا وراءه وأدركت العناية الإلهية الأستاذ نجيب حين سمعت صوت رجل واقف على الرصيف يقول هو الأستاذ نجيب فين فتنبهت للخطر وقلت لنفسى الأهم الآن إنقاذ الأستاذ واستدرت بسرعة وعدت بأقصى سرعة أيضا للسيارة، وكانت الطعنة فى جانب رقبة الأستاذ الأيمن فنزعت المطواة وطوقت عنقه بذراعى اليمنى وكتمت الجرح النازف بيدى وقدت السيارة للوراء بيدى اليسرى بسرعة شديدة ولأن الطريق لمستشفى الشرطة كان فى الاتجاه المعاكس قلت لرجل المرور الموجود وقتها: أرجوك أغلق الاشارة فورا الأستاذ نجيب محفوظ طُعن بمطواة ولازم أوصله مستشفى الشرطة بسرعة، وحين وصلنا المستشفى ودخلت بالسيارة من باب الطوارئ قلت للأستاذ ما تخافش يا أستاذ فجاءنى صوته وكله شعور بالامتنان يقول لي: ما أخافش وأنا معاك.. وقابلنى على باب المستشفى طبيب يرتدى البالطو الأبيض قال لي: "فيه إيه" فأجبته بانفعال شديد "الأستاذ نجيب محفوظ انضرب بمطواة" فين غرفة العمليات وبالفعل صعدنا إلى غرفة العمليات وبدأ الأطباء يتعاملون مع الجرح والنزيف بمنتهى السرعة والمهارة.
ويضيف فتحى هاشم: اللافت جدا أن الأستاذ وهو يدخل إلى غرفة العمليات قال: فتحى عامل إيه طمنونى عليه فقلت له: أنا كويس يا أستاذ أهم شىء سلامتك وبسيطة إن شاء الله ما تخافش.. فقال مرة أخرى بكل محبة وامتنان وكأنه يشكرنى على سرعة تصرفى مع الموقف: أنا أخاف وأنا معاك؟ ثم نظر لى وقال بصوت مسموع وواضح: قل لهم إنى عندى سكر يا فتحي..
يواصل فتحى هاشم: بعد أن دخل الأستاذ غرفة العمليات وأنا أنزل على سلالم المستشفى فوجئت بممرضة من الواضح أنها كانت مثققفة ونابهة تقول: المتطرفون اختاروا ذكرى فوز الأستاذ نجيب بنوبل علشان يضربوه.. ثم وبضحكة ممرورة يواصل هاشم: بعد أن دخل الأستاذ غرفة العمليات جاء ضابط من مديرية أمن الجيزة ليحرر محضرا بالواقعة وكتب فى بداية المحضر "حضر السيد محمد فتحى محمد هاشم مصطحبا الأستاذ نجيب محفوظ مدعيا بأن شخصا طعنه بمطواة" وبمجرد أن قرأت هذه السطور صرخت فى وجهه: يعنى إيه مدعيا دى هو أنا بألف يعني، فنظر لى قائلا كلاما غريبا استهجنته تماما قال مش جايز تكون حصلت خناقة بين الأدباء وتطورت بينهم مناقشة معينة وصلت لهذ العمل الجنائى فنظرت إليه غاضبا وقلت له: علشان تريحوا نفسكم وتريحونا أكيد اللى طعن الأستاذ نجيب ينتمى إلى نفس المتطرفين الذين اغتالوا فرج فودة دوروا هاتلاقوه من ضمن الجماعة اللى اغتالت فرج فودة.. وحين نزلت إلى الاستقبال وجدت السيدة عطية الله زوجة الأستاذ فسألتني: فيه إيه؟ فأجبتها مفيش حاجة اطمنى ووجدت بجانبها الأستاذ ثروت أباظة يجهش بالبكاء وكأنه طفل صغير ويسالنى بلهفة عن حالة الأستاذ فطمأنته.. وبالمناسبة أعرف أن علاقة الأستاذ توطدت بثروت أباظة حين دله أباظة على شقته بسان ستيفانو التى كانت عبارة عن حجرتين وصالة ولا أعرف إن كان قد اشتراها وقتها أم استأجرها إيجارا قديما لكنه امتن له لأنه "اترحم من الفنادق واللوكاندات أثناء الصيف فى الإسكندرية".
موقف عجيب
ويعود هاشم لحادث الطعنة ليقول: لم يكذب رجال الأمن خبرا وأخذوا اتهامى للجماعة الإرهابية التى قتلت فرج فودة مأخذ الجد، وفعلا بالبحث والتحرى استطاعوا أن يقبضوا على ذلك الشاب المتطرف الغبى فى اليوم التالى للحادث مباشرة.. وبعد أن شفى الأستاذ وتجاوز هذه المحنة كنت أحيانا أذكره بها وأقول له: يا أستاذ احنا الاتنين اتكتب لنا عمر جديد فينظر لجميع الحاضرين فى الجلسة ويقول: أنا مدين بحياتى لهذا الرجل.. وحين كانت تجىء سيرة الحادث أيضا كان يقول عن الشاب الذى طعنه: مش فاهم حاجة لخبطوله مخه فاتصرف غلط.
ويواصل فتحى هاشم: من غرائب القدر أنه بعد شهور من حادث الطعنة ذهبت إلى مزرعة دواجن بعين شمس بحكم عملى كطبيب بيطرى لشراء كتاكيت تسمين، ورأيت فى المزرعة رجلا نحيلا يرتدى ملابس بسيطة ومتواضعة وكنت أراه للمرة الأولى ومال على واحد ممن يعرفوننى من قبل وهمس فى أذني: عارف مين الراجل ده؟ إنه والد الشاب المتطرف الذى حاول اغتيال نجيب محفوظ فى حادث الطعنة.. واندهشت وتعجبت أن يجمعنا القدر أنا ووالد الشاب الذى طعن الأستاذ فى مكان واحد والذى كان لى دور كبير فى كشفه والقبض عليه وبالطبع لم أعرف الرجل بشخصي.
فى ندوة قصر النيل
وكيف تعرفت على الأستاذ وأصبحت واحدا من كبار مريديه ورواد ندواته وكيف بدأت حكاية قيامك بتوصيل الأستاذ بسيارتك من بيته إلى ندواته؟ يجيب فتحى هاشم: ما زلت أتذكر ذلك اليوم جيدا.. كنت وأسرتى نقضى أجازة الصيف بالإسكندرية، واصطحبت زوجتى وابنى الأكبر رامى بسيارتى للاحتفال بعيد ميلاد زوجتي، وكان ذلك يوم 14 أغسطس عام 1982، واتجهت بهما إلى المنتزه للاحتفال، وفى الطريق رأيت الأستاذ توفيق الحكيم يسير فى مواجهتنا بمفرده، فركنت سيارتى على الفور واتجهت للأستاذ الحكيم وسلمت عليه وقبلت يده وسألته - وكنت أعرف صداقته الكبيرة بالأستاذ نجيب- هل الأستاذ نجيب معك يا أستاذنا؟، وأجابنى على الفور إنه موجود الآن فى فندق الشانزليزيه حيث يعقد ندوته، وسريعا اعتذرت لزوجتى عن الاحتفال بعيد ميلادها لأتجه مباشرة إلى الفندق لأجد عميد الرواية العربية جالسا على كرسيه بين أصدقائه.. صافحته بحرارة وعرفته بنفسى وجلست أتابع الندوة وأتعرف إلى روادها.. وكان منهم الزجال السكندرى المعروف إسماعيل القباني، وكذلك سيد قناوى وشقيقه أحمد وثلاثتهم كانوا أولاد نكتة حاضرى الذهن سريعى البديهة، وأذكر وقتها أنى كنت قد انتهيت قبلها بأيام من قراءة ملحمة "الحرافيش" وسألت الأستاذ بشأنها سؤالا أجابنى عليه بكل تواضع وبساطة، وداومت على حضور الندوة طوال إقامتى بالإسكندرية، ولما حان موعد العودة للقاهرة قلت للأستاذ أين ومتى تعقد ندوتك بالقاهرة، فقال لى كل يوم جمعة بكازينو قصر النيل فى السادسة مساء، وبالطبع لم أتوان عن الذهاب إلى الندوة فكنت أصل إليها فى تمام السادسة ثم اكتشفت أن الأستاذ يصل فى تمام الخامسة فصرت أحرص على الحضور قبل وصوله.. أما قيامى بتوصيل الأستاذ من بيته إلى ندواته وقد بدأت بتوصيله لندوة قصر النيل فلها قصة، حيث كان محفوظ متعودا أن يأتى ندوة قصر النيل سيرا على قدميه، وذات مرة جاء وفى وجهه خدش بسيط فسألته عن سبب هذا الخدش فقال إنه وهو قادم تعثر واتكعبل فى حبل ربط به مركب بجوار الكوبرى فوقع على وجهه فقلت له طيب يا أستاذ أنا مستعد أوصلك وأرجعك البيت فوافق قائلا بامتنان شديد: ماشي.. وبالفعل ذهبت إلى بيته قبل الندوة التالية وقمت بتوصيله لكازينو قصر النيل وعدت به أيضا إلى بيته بعد انتهاء الندوة، وفى الأسبوع اللاحق ذهبت بسيارتى إلى منزله لتوصيله كما حدث فى الأسبوع السابق ففوجئت بوجود زميلنا فى الندوة زكى سالم بسيارته يريد توصيل الأستاذ فغضبت لأننى كنت أول المتطوعين بتوصيله، ولما خرج الأستاذ من منزله لاحظ علو صوتينا فيما يشبه الشجار وعرف الحكاية فقال: أنتم ها تتخانقوا وأنا موجود وأشار إليّ قائلا انت توصلنى من البيت للندوة وهو يرجعنى ومنذ ذلك الوقت كنت أقوم بتوصيله من بيته إلى الندوة بينما يقوم زكى سالم بتوصيله من الندوة إلى البيت..
على الطريق الزراعي
وبالمناسبة- يواصل هاشم: قمت بتوصيل الأستاذ مرتين إلى الإسكندرية مرة بالطريق الزراعى وأخرى بالطريق الصحراوي، وقد لاحظت أنه فى أول يونيو من كل عام كان نجيب محفوظ يسافر إلى الإسكندرية ويحجز لنفسه مقعدا فى أتوبيس السوبرجيت فى موعد محدد هو الثامنة صباحا ويمكث فى الإسكندرية أسبوعين ثم يعود إلى القاهرة وبعدها يسافر مرة أخرى للإسكندرية ولما عرضت عليه توصيله بسيارتى وافق على الفور وكان ذلك فى عام 1989 عقب فوزه بنوبل بعام واحد.. وأذكر أنه أثناء رحلتنا بالطريق الزراعى شاهدنا بعض القطارات تسير باتجاه الإسكندرية أو القاهرة وفوجئت بفرحته الطفولية الجميلة وهو يشاهد بعض القطارات وكأنه لم ير القطار من قبل والحقيقة أنه غالبا ما كان يسافر بالأتوبيس عبر الطريق الصحراوى ولم يكن قد رأى قطارات منذ مدة طويلة، وأذكر أننا قد توقفنا فى استراحة فى طنطا وجاء العاملون بها وطلبوا من محفوظ أن يوقع لهم فى دفتر الزيارات فوقع لهم مرحبا، وكانوا يعرفون طلبه تماما فقدموا له فنجان قهوة سادة ارتشف منه رشفتين، وفى نهاية استراحتنا أعطانى مبلغا كبيرا جدا لكى أعطيه لهم كبقشيش، وهو موقف يؤكد تماما أنه كان رجلا كريما وأبعد ما يكون عن البخل وهو الذى كان أحيانا ما يعزمنا على حسابه فى بعض الندوات، ودائما ما كان يدفع حساب ما يشربه حارسه الخاص محمد عبد التواب، وفى تلك الرحلة أبدى الأستاذ أسفه الشديد على انحسار مساحة اللون الأخضر لصالح المبانى والكتل الخرسانية التى كانت قد طغت على الأرض الزراعية، أما فى المرة الثانية التى أوصلته فيها بالطريق الصحراوى فلم يتكلم كثيرا ولم يكن هناك ثمة ما يلفت نظره على الطريق.
دموع الأستاذ
وعودة إلى ندوات الأستاذ يضيف هاشم: لفت نظرى أن أهم شخصية كانت تحضر ندوة قصر النيل ويكن لها الأستاذ تقديرا كبيرا هو الأستاذ مصطفى أبو النصر الذى كان يشغل منصبا هاما بالرقابة على المصنفات الفنية، وكان صديقا قديما للأستاذ وكان يتمتع بحظوة كبيرة لديه، وهو الذى كان دليلى المرشد فى ندوة قصر النيل، وكان أكثرنا فهما وتفاعلا مع الأستاذ، وأذكر مثلا أنه كانت قد صدرت رواية جديدة لمحفوظ وكان يوم صدورها الخميس السابق مباشرة لندوة الجمعة بقصر النيل فاشتراها أبو النصر وقرأها وجاء ليناقش نجيب محفوظ فى كل تفاصيلها، فيما أبدى عميد الرواية العربية اندهاشه وتقديره العميق لمصطفى أبو النصر وهو يقول له : يعجبنى فيك إنك بتعرف وتفهم كويس جدا يا مصطفى بيه غرض الكاتب وهو عايز يقول إيه..
وكثيرا ما كان أبو النصر يمازح نجيب محفوظ، وأذكر مثلا أنه جاءت فى إحدى الندوات سيرة فيلم "المذنبون" المأخوذ عن قصة لنجيب محفوظ والذى أقيل أبو النصر من منصبه بالرقابة بسبب إجازته لهذا الفيلم، ويومها قال أبو النصر ضاحكا: أنا مش عارف عاقبونى أنا ولم يعاقبوك إنت يا نجيب بيه مع إنك صاحب القصة، فرد محفوظ ضاحكا أيضا: أنا كتبت القصة إنما ما عملتش الفيلم يا مصطفى بيه، وهنا أذكر أنه حين مرض أبو النصر وشعر بدنو أجله أوصى ابنه أن يبلغنى حال وفاته، ولما توفى الأستاذ مصطفى يوم الأحد الخامس من نوفمبر عام 1996 وكان الأحد يوافق ندوة شبرد أبلغنى ابنه وكان عليَّ مهمة شاقة فى إبلاغ الخبر للأستاذ نجيب واتصلت بالدكتور يحيى الرخاوى لكى يدلنا إلى الطريقة التى نبلغ بها نجيب محفوظ برحيل واحد من أعز أصدقائه، وذهبت إلى بيته ووجدت حارسه محمد عبد التواب ودخلت للأستاذ فى بيته وكانت تلك هى المرة الأولى التى أدخل بيته وأخبرته بالتدريج برحيل الأستاذ مصطفى وقلت له بعد مرور فترة من جلوسى معه البقية فى حياتك فى الأستاذ مصطفى أبو النصر فاغرورقت عيناه بدموع الحزن الشديد وقال لي: "لازم أحضر الجنازة" وانطلقنا بالسيارة إلى شارع رمسيس حيث منزل الأستاذ أبو النصر ونجيب محفوظ شارد حزين أشد الحزن وتجمع الناس حوله وقلنا لهم اتركوه فى حاله فهو حزين ويؤدى واجب العزاء فى صديق مخلص له.. وبالمناسبة دخلت بيت الأستاذ مرة ثانية حين ظهرت عليه أعراض الأنفلونزا فى إحدى ندوات سوفيتيل المعادى وكان يشعر بالرعشة فنقلناه ليستريح فى البيت ويتناول الدواء، وبالمناسبة كان محفوظ لا يحب الأدوية ويعالج السكر وفق نظام غذائى دقيق وصارم، وكان لا يتناول السكر فى طعامه على الإطلاق، وكان إفطاره عبارة عن شريحتين من البقسماط وقطعة زبدة صغيرة وقطعة جبنة خفيفة الملح، وكان غداؤه قطعة لحم مشوية أو صدر دجاجة فقط ولم يكن يزيد لقمة واحدة عن الكميات المحددة له بل كان ينقص، وهو الأمر الذى جعله يسيطر على السكر تماما بالإضافة إلى المشى لمسافات بعيدة.. وليس صحيحا أنه أصيب بالسكر بعد أن تعرض لعملية نصب فى شراء قطعة أرض بالمعادي.. هو فعلا تعرض للنصب لكنه لم يصب بالسكر لحزنه الشديد بعد تعرضه للنصب كما أشيع.
دموع نجيب محفوظ رأيتها ثلاث، مرة عند رحيل الأستاذ مصطفى أبو النصر ومرة عند رحيل الأستاذ هارفى أسعد صديقه القديم منذ الأربعينيات وكان يجلس معه دائما فى كازينو صفية حلمى بالأوبرا أما المرة الثالثة التى رأيت فيها دموع الأستاذ فكانت فى ندوة فندق سوفيتيل المعادى حين جاءت سيدة عرفت نفسها بأنها ابنة أخت عايدة التى كتب الأستاذ شخصيتها فى "الثلاثية" بأنها حبيبة كمال عبدالجواد، واتضح بعد ذلك أنها شخصية حقيقية وأن محفوظ أحبها فى شبابه الباكر.. ووقتها كان بصر الأستاذ قد ضعف جدا فمال عليّ وقال لي: اوصف لى الست دى هى حلوة ولا وحشة فقلت له هى حلوة ووصفت له ملامحها ففوجئت بدموعه العزيزة تنهمر من عينيه فقد استعاد حبه القديم وأيامه القديمة فى تلك اللحظة النادرة..
أحداث وشخصيات
ويواصل فتحى هاشم عن ظواهر لفتت نظره فى ندوات الأستاذ فيقول: رغم أن نجيب محفوظ كان يحب أن يسمع لمريديه وتلاميذه وأحبته ولا يحب الكلام الكثير لكنه فى ذات الوقت لم يبخل بإجابة أى سؤال كان يسأله له أحدنا فى الندوة، وكنت أسأله كثيرا عن أحداث وأشخاص، وأذكر مثلا أننى سألته مرة عن السادات فأجاب: له ما له وعليه ما عليه لكنه لم يكن يستحق هذه الموتة الشنعاء.
وحين كانت تجىء سيرة الوفد كان يقول: أنا اللى أكلمكم عن الوفد وعن سعد زغلول.. أنا عاصرت وشفت الأيام دي، وسعد زغلول هو الزعيم الحقيقى وهو الوحيد اللى جاء بإرادة شعبية.. كانت هناك حرية أكثر وكانت هناك ثورة 19 ودستور 23 وحين يجىء ذكر عبد الناصر كان ينتقده بلا تحفظ وكذلك السادات ومبارك، غير أن كل هذه الملاحظات كانت تأتى فى سياقات نادرة، لكن محفوظ كان يقول رأيه بكل صراحة.. وسألته ذات مرة عن طفولته فى بيت القاضى بالجمالية فسرح قليلا ثم قال: إن المبنى الذى بُنى مكان بيتهم القديم هو مبنى قبيح المنظر.
ولفت نظرى أيضا أن مسئولا اسرائيليا بارزا يدعى شلومو ألون جاء ذات ليلة إلى إحدى ندوات الأستاذ وكان يتكلم العربية بطلاقة، وحين عرف الأستاذ هويته صمت تماما ولم ينطق بكلمة واحدة طوال جلوس ذلك الاسرائيلى وكأنه يقول له إن وجوده غير مرغوب فيه.وفى الندوات المختلفة كان محفوظ حريصا على تدخين سيجارة واحدة يأخذ بين كل فترة وأخرى نفسا مع رشفتين أو ثلاث من فنجان القهوة .. وحين كانت تحين الساعة الثامنة مساء بالضبط ودون أن ينظر فى ساعته كان الأستاذ يقوم ليدخل الحمام ولا أدرى كيف كان يعرف بالضبط أن الساعة قد وصلت إلى تمام الثامنة.. إنه الانتظام الدقيق الذى أصبح لدى محفوظ أشبه بالساعة البيولوجية التى تسير حياته وفقها تماما، وهنا أقول إن محفوظ هو الذى فرض نظامه وانضباطه وإرادته ليلزم نفسه بالكتابة والقراءة فى مواعيد محددة وفق نظام صارم دقيق.. وهنا أذكر موقفا طريفا جدا حين ذهبت إلى بيته مبكرا بضع دقائق ونزل لنتجه إلى ندوة قصر النيل وكأنه قبل أن نصل استشعر أننا سنصل مبكرا عما اعتدنا فى الخامسة بالضبط فسألنى عن الساعة فقلت إنها الخامسة إلا عشر دقائق فطلب منى أن "آخذ لفة" ثم أعود، بحيث نصل فى الخامسة بالضبط، وهو ما حدث بالفعل .. فاتجهت به إلى كوبرى الجامعة وحديقة الحيوانات وحيث كان المرور أكثر انسيابية خاصة فى يوم الجمعة وعدنا تماما فى الخامسة فلما سألت الأستاذ مندهشا عن هذا التصرف قال لي: إنه نظام ومواعيد ألزم نفسى بها "فما تحاولش تلخبط نظامي".
نوبل .. والوداع
وأسأل فتحى هاشم عن يوم نوبل فيقول: فى بيت الأستاذ حدث ما لم يكن يتوقعه طوال حياته، زحام وضجيج ودوشة ودخول العشرات من رجال الصحافة والإعلام .. طبعا كان يوما عظيما وفرحة كبرى، وكان موعد ندوة قصر النيل فى اليوم التالى مباشرة الموافق يوم الجمعة واتصلت بمنزله استفسر عما إذا كان الأستاذ سيذهب للندوة فأجابتنى زوجته أنه بالقطع سيذهب فلن يغير أبدا من برنامجه المعتاد وذهبت إلى بيته بالفعل وركب السيارة واتجهنا إلى كازينو قصر النيل وكان فى انظاره حشد كبير من الإعلاميين والصحفيين فقال لى ضاحكا: إوعى تسيبنى ليهم وأمسك بذراعى واتجهنا إلى المكان الذى يجلس به وكانت لحظة للتاريخ .. وفى الحقيقة فإن نوبل "ولا ألف نوبل" يمكن أن تغير من نجيب محفوظ.. نفس الزهد والتواضع والبساطة والإنسانية والمحبة والتسامح.
وأسأل فتحى هاشم عن المرة الأخيرة التى رأى فيها الأستاذ فيقول: الله يسامح زوجته منعتنى من زيارته فى المستشفى فى أيامه الأخيرة ولا أعرف إلى الآن لماذا لكن لم يكن معقولا – وقد كنت من أقرب الناس إليه ولصيقا به- ألا أراه قبل أن يأتى الأجل.. دخلت إلى غرفته خلسة بمساعدة حارسه الشخصى محمد عبد التواب، وحين عرف أننى موجود بجواره حاول أن ينظر لى وأن يرانى رغم ضعف بصره الشديد وقال لى "إزيك يا فتحى .. عامل إيه" وكأنه كان يعرف تماما أنها كلمات الوداع الأخيرة بينما غلبنى البكاء الشديد وأنا أدرك أن الرجل العظيم الذى ملأ الدنيا وشغل الناس يقول كلماته الأخيرة فى هذه الحياة.. انتهى الحوار ولا ينتهى الإبحار فى عالم ذلك العبقرى الاستثنائي.. نجيب محفوظ.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
تطرح شركة طلعت مصطفى القابضة مشروعها الجديد في شرق القاهرة وهو مشروع ذا سباين طلعت مصطفى The Spine TMG New...
ناقشت اللجنة الثقافية والفنية بنقابة الصحفيين كتاب "صانع النجوم.. حلمي رفلة.. سيرة سينمائية بلا ماكياج" للناقد والكاتب الصحفي جرجس شكري،...
مع التطور السريع في عالم التكنولوجيا، أصبحت تجربة السفر أكثر سهولة وراحة بفضل الابتكارات الرقمية التي تهدف إلى تبسيط حياة...
بدأ الربيع بعواصف تراب ومطر، وانتهى بعد البروق والرعود إلى سماء صافية ومناخ نقى النسمات وشمس لينة تطبطب على الناس...