فى عهد «الخديو إسماعيل» شهد «الأزهر» إصلاحات عديدة, تمثلت فى وضع قواعد للدراسة والتدريس فيه وتنظيم طرق الحصول على شهادته العليا «العالمية» الحملة الفرنسية أحدثت
فى عهد «الخديو إسماعيل» شهد «الأزهر» إصلاحات عديدة, تمثلت فى وضع قواعد للدراسة والتدريس فيه وتنظيم طرق الحصول على شهادته العليا «العالمية»
الحملة الفرنسية أحدثت الزلزال الفكرى لدى «العلماء» فتبين لهم أنهم «حفظة» وليسوا «علماء» وأنهم يعيشون فى الماضى السحيق
قادة ثورة يوليو كانوا يعرفون مكانة الأزهر لدى الشعب المصرى والعالم الإسلامى
طوال العصر المملوكى، كان "الجامع الأزهر" يستقبل "المجاورين" - الطلبة - القادمين من القرى والمدن المصرية ومن البلدان العربية والتى فيها مسلمون، وكانت "الأوقاف" التى أوقفها أمراء المماليك، هى مصدر الإنفاق على طلابه وشيوخه، فى ظل مجموعة من الامتيازات حددها "المماليك" من أهمها إعفاء "العلماء" ـ شيوخ الأزهرـ من أعمال "السخرة" المقررة على "الفلاحين، وهى أعمال قهرية كانت تفرضها السلطات المحلية على الأهالى للعمل فى إصلاح الطرق والجسور والترع وغيرها من المرافق العامة بدون أجر، وكانت هناك فرص كبيرة للحصول على مساحات من الأراضى الزراعية يتمتع بها "العلماء" على هيئة "هبة" من الوالى أو الأمير، وظل هذا الامتياز قائما حتى عصر "محمد على" وأولاده من بعده، فكان "الباشا" يهب "العلماء" المرضى منهم مساحات كبيرة ضمن ما سمى "الأبعاديات" و"أراضى المسموح"، وأشهر من استفاد بهذا الامتياز "رفاعة الطهطاوى" الذى امتلك مئات الأفدنة، عبر الهبات التى تلقاها من "محمد على" وأولاده من بعده، وكانت لخريجى "الأزهر" مكانة كبيرة فى نفوس الناس.
كان من الأعراف السائدة فى الريف المصرى، أن تهب العائلات الميسورة أحد أولادها للعلم الشريف، أو الدراسة فى الأزهرالشريف، وذلك لتتحقق لها الهيبة والمكانة الأدبية بين سكان القرية أو البندر، فالشيخ الأزهرى كانت له القدرة على مخاطبة الحاكم ومعارضة قراراته ونقل رغبات الأهالى إلى ممثلى الدولة دون خوف من الإهانة أو السجن.
الأزهر منبر الشعب
عقب وقوع "مصر" تحت الاحتلال العثمانى "1517 ميلادى" نشأت فى البلاد سلطة مزدوجة، فكانت مصر "ولاية عثمانية" يأتيها "الوالى" المعين من قبل "السلطان العثمانى"، وكانت "الإدارة المحلية" فى أيدى "المماليك" حكام البلاد السابقين، العارفين كل شىء عنها وعن الأراضى التى يزرعها الفلاحون والضرائب وطرق تقديرها وفرضها ووسائل جمعها وتحصيلها، ولما كان "الجامع الأزهر" عبارة عن مكان يتلقى فيه الدارسون العلم الدينى، فكان لابد له من "قائد" يضبط الحركة والحياة فيه، فابتكر العثمانيون منصب "شيخ الأزهر"، فهم "عسكر" يؤمنون بالتراتب والتدرج والأقدمية، وكان تعيين "الشيخ الأكبر" أداة الدولة العثمانية للتحكم فى مصائر الآلاف من "المجاورين" المقيمين فى أجنحة من الجامع تسمى أروقة "رواق المغاربة، رواق الصعايدة، رواق الشوام.."، وابتداء من القرن الثامن عشر الميلادى، شهدت "مصر" حالة من الفوضى السياسية، نشأت عن ضعف الدولة العثمانية، الأمر الذى أغرى بعض "المماليك" باستعادة "حكم مصر" من قبضتهم، وأشهر هذه المحاولات، محاولة "على بك الكبير"، وكانت تلك الفوضى التى أدت إلى صعود نجم المماليك، فرصة مناسبة لسطوع نجم "العلماء" ـ شيوخ الجامع الأزهرـ فقد كان منهم عدد كبير يتولى إدارة إقطاعات وأراضى بعض المماليك الكبار، وعدد منهم امتلك الثروات التى مكنته من الانضمام إلى طبقة الحكام، وينقل لنا المستشرق الفرنسى "أندريه ريمون" صورة معبرة عن الوضعية الاجتماعية والسياسية لعلماء الأزهر وعلاقتهم بالطبقات الشعبية وطبقة الحكام المماليك فى تلك الفترة، ضمن كتابه "المصريون والفرنسيون فى القاهرة 1798ـ1801" ترجمة "بشير السباعى":
ـ كان الربع الأخير من القرن الثامن عشر، فترة مضطربة فى القاهرة، فأعمال العنف والإتاوات المالية أثارت غضب الشعب، وجعلت "العلماء" يتدخلون للوساطة بين "المماليك" و"الشعب"، ففى مارس 1776 انتفض أهالى "الحسينية" ضد الأمير "حسين بك شعث"، وتم إغلاق "الدكاكين"، وتم ترديد شعارات من أعلى مآذن الأزهر.
لكن الحدث الأكثر أهمية فى تاريخ العلاقة بين "الأزهر" و"الشعب" وقع فى العام 1795 وينقل لنا "الجبرتى" فى كتابه "عجائب الآثار فى التراجم والأخبار" وقائع ما حدث فيقول إن هناك تعديات وقعت من جانب رجال "محمد بك الألفى" فى إحدى قرى "الشرقية" ـ حيث توجد أملاك الشيخ الأزهرى الكبير عبدالله الشرقاوى ـ فلجأ الأهالى إلى الشيخ، فتوجه الشيخ بدوره إلى كبار شيوخ الجامع الأزهر، وعقدوا اجتماعا اتفقوا خلاله على مخاطبة "إبراهيم بك" أحد الأميرين الحاكمين آنذاك "إبراهيم بك ومراد بك"وخاطبوه بقولهم "نريد العدل ورفع الظلم والجور وإقامة الشرع" وأن يتعهد المماليك بحسن التعامل مع الناس "أن يسيروا فى الناس سيرة حسنة"، واتفق "كبار العلماء" مع "كبار الأمراء" على كتابة وتوقيع "حجة 1795" التى تضمنت تعهد الأمراء بإلغاء الضرائب التى فرضت على الفلاحين والتجار، وعقب توقيع "الحجة"، سار "شيوخ الأزهر" محاطين بالجماهير، وكان المنادى يقول "حسب ما رسم سادتنا العلماء، فإن جميع المظالم والحوادث والمكوس باطلة من مملكة الديار المصرية "ومعنى هذا النداء بلغة عصرنا أن جميع الضرائب التى تم فرضها على الفلاحين والتجار ألغيت بموجب الحجة التى تم توقيعها بين "العلماء" و"الأمراء المماليك"، وأهمية هذا الحدث هو تبلور "قيادة طبيعية" من بين "العلماء" الأزهريين، لقيادة "الجماهير" الغاضبة، وهذه القيادة التى ظهرت فى معركة "الضرائب" وحققت مكسبا للجماهير، لجأ إليها "نابليون" عند وصوله القاهرة وسيطرته عليها فى "يوليو 1798" فاختار أفرادها لعضوية "الديوان" معتبرا إياهم نوابا عن الشعب يتمتعون بالمكانة الأدبية والسطوة الروحية على المصريين.
العلماء وحملة نابليون
والمجال لا يتسع لسرد قصة الدور الذى لعبه "العلماء" ـ الأزهريون ـ فى التاريخ السياسى المصرى الحديث، لكن من المهم أن نعرف أن جماعة "العلماء" انقسمت طبقيا إلى قسمين، القسم الأول يسمى "كبار العلماء" وهم الذين استطاعوا الارتباط بالأمراء المماليك، فأصبحت لهم أملاك زراعية و"دكاكين " وعقارات وقصور فى أحياء "القاهرة " الراقية، والقسم الثانى يسمى "صغارالعلماء"، وهم شيوخ الصف الثانى الذين لم يتمكنوا من تحصيل الثروة أو تحقيق الحظوة لدى الأمراء وكانوا يؤدون دورهم العلمى بالتدريس فى الجامع الأزهر، ويمارسون أنشطة أخرى تحقق لهم استقرار حيواتهم، فكان من بينهم من يقوم بأعمال "نسخ الكتب" ـ أى كتابتها يدوياـ وبيعها مقابل أجر للطلبة "المجاورين"، ومنهم من يتاجر فى "الفاكهة" والأدوات المنزلية، ولما تفجر الغضب الشعبى فى "أكتوبر 1798" احتجاجا على الضرائب التى قررها "نابليون" على التجار والحرفيين فى "القاهرة" بغرض تمويل حملته إلى "بلاد الشام"، التى اعتزم القيام بها لتحقيق موارد مالية ومكاسب سياسية فى الشرق، تولى عدد من "صغار العلماء" قيادة هذا الغضب الشعبى المعروف لدى المؤرخين باسم "ثورة القاهرة الأولى"، وكان الرد من جانب "نابليون" عنيفا قاسيا، فقد اقتحمت قواته "الجامع الأزهر" بالخيول، وخربت كل شىء فيه، وضربت "المدفعية" بطلقاتها جدرانه فتصدعت، ولحق الدمار بهذا البناء المقدس لدى المصريين، وقبض على خمسة من "صغار العلماء" الذين اتهموا بقيادة التمرد وحوكموا بالإعدام وهم الشيوخ "أحمد الشرقاوى، إسماعيل البراوى، سليمان الجوسقى، يوسف المصيلحى، عبدالوهاب الشبراوى".
وتجاوز دور "صغار العلماء" فى مقاومة "حملة نابليون" حدود "القاهرة" فامتد إلى الأقاليم، ويذكر الكاتب الشيخ الأزهرى "خالد محمد خالد" بعض تفاصيل هذا الدور فى مذكراته التى حملت عنوان "قصتى مع الحياة" فيقول:
"بجوار قريتنا قرية تسمى "بيشة"، ذهب الفرنسيون إليها ليجمعوا منها الخيول التى يمتطون ظهورها، خائضين بها معاركهم الغاشمة ضد الشعب، ولما بلغ الخبر "لجنة الشيوخ" فى القاهرة، اختارت اثنين من أعضائها الذين سبقوا الغزاة إلى القرية، ونظموا مقاومتها، وحين أقبل جنود "نابليون"، فوجئوا بجحيم يحاصرهم ويبيدهم، وانتقل الشيوخ الظافرون إلى "بلبيس" التى كانت عاصمة لمديرية "الشرقية "، ومنها إلى "طنطا"، ومنها إلى بعض العواصم التى شبت الثورة فى حضرها وقراها ونجوعها، واشترك فيها الأطفال والنساء والرجال، مما جعل الفرنسيين يقولون: خسائرنا فى الأرواح والعتاد، تطوق أعناق الذين أفهمونا أننا ذاهبون إلى "مصر" لنتفرج على نوع من الفلاحين رعاة الشاة والبقر..".
بذور النهضة الحديثة
كان قدوم "الحملة الفرنسية" إلى "مصر" فى العام 1798 هو "نهاية " العصور الوسطى المظلمة التى عاش المصريون فى أسرها بسبب الاستبداد "المملوكى" و"العثمانى"، ولم يكن "الجامع الأزهر" بعيدا عن هذا الظلام الشامل، فكانت العلوم التى يدرسها طلابه عبارة عن "شروح" و"حواشى" وكتب قديمة كتبها مؤلفون عاشوا فى أزمنة قديمة، ولكن الحملة رغم جانبها الدموى "قتلت 250 ألف مواطن مصرى"، أحدثت الزلزال الفكرى لدى "العلماء"، فتبين لهم أنهم "حفظة" وليسوا "علماء"، وأنهم يعيشون فى الماضى السحيق، ورغم قبول الشيوخ الكبار، الانخراط فى العمل السياسى، سواء من خلال قبول التعاون مع "نابليون" أو من خلال قيادة وتنظيم المقاومة الشعبية ضد قوات الحملة، لم يحدث تعديل فى العلوم المدروسة فى الجامع، ولم تتغير النظم المعمول بها، لكن الحملة وما صاحبها من أحداث فتحت الباب أمام النابهين والمتميزين من "المجاورين" و"العلماء" الأزهريين، فاقترب الشيخ "حسن العطار" من علماء الحملة، وأدرك أهمية التواصل مع أوربا وامتلاك المعرفة والعلوم الحديثة، وكان "العطار" هو من احتضن "رفاعة الطهطاوى" وهو الذى رشحه ليكون إمام "طلبة البعثة " التى أرسلها "محمد على" إلى "فرنسا"، لكن "رفاعة" لم يقنع بدور"الإمام ومقيم الشعائر"، بل تعلم الفرنسية وترجم عنها وعاد إلى القاهرة ليشارك فى مشروع "محمد على"، فكان رائد النهضة الحديثة، فهو مؤسس أول مدرسة لتعليم البنات، ومؤلف أول نشيد "وطنى" للجيش المصرى، ومؤسس أول جريدة باللغة العربية "الوقائع المصرية" ومؤسس أول مدرسة للترجمة "مدرسة الألسن، ومن عباءته خرج المجددون والرواد "على مبارك، محمد عبده، طه حسين"، والمقصود هنا التفرقة بين "الأزهر" باعتباره "الوعاء الجامع" لكل أصحاب القدرة على الإبداع والتعلم، وبين "الأزهر" المؤسسة، فلم يكن لهذه المؤسسة الدينية فضل السبق فى استقبال العلوم الحديثة والقيام بأعباء النهضة، بل إن قطاعا كبيرا من الأزهريين السلفيين تصدى لكل إصلاح وكل تطوير وكل محاولة للتقدم.
الأزهريون والثورة العرابية
فى عهد "الخديو إسماعيل"، شهد "الأزهر" إصلاحات عديدة، تمثلت فى وضع قواعد للدراسة والتدريس فيه، وتنظيم طرق الحصول على شهادته العليا "العالمية "، وتحسين رواتب وأجور الشيوخ القائمين بالتدريس، وإضافة العلوم الحديثة إلى جانب العلوم الشرعية، وانضم المصلح الإسلامى "جمال الدين الأفغانى" لفريق المحاضرين فيه، ولكن على المستوى الاجتماعى والاقتصادى، لم يتمتع الأزهريون باستثناءات كالتى يتمتع بها ضباط الجيش أو العاملون فى الجهاز الإدارى للدولة، وفرضت الأزمة الاقتصادية الناتجة عن "الديون الخارجية" التى استدانها "إسماعيل" شروطا قاسية على كل الطبقات، بدرجات ونسب متفاوتة، فأجبرت الحكومة "شيوخ الأزهر" من حائزى الأرض الزراعية على دفع الضرائب، ومن امتنع منهم كان نصيبه الإهانة والضرب "بالفلقة والكرباج" ـ حسب ما روته الدكتورة لطيفة محمد سالم ـ فى كتابها "القوى الاجتماعية فى الثورة العرابية" موضحة الظروف التى كانت سائدة فى المجتمع المصرى ومحددة موقع ودور الأزهريين منها:
"كان للأزهريين دور كبير فى الثورة العرابية، ومروا بظروف صعبة، فقد أجبروا على دفع الضرائب، ومن امتنع كان جزاؤه "الفلقة والكرباج" لدرجة أن أحدهم لم يتمكن من العودة إلى منزله على قدميه بعد أن انهال عليه "القواسون" ـ عساكرالشرطة ـ بالضرب حتى إن العلماء تضرروا من ذلك فتكون منهم وفد وقصد "سراى عابدين" وشكا ـ الوفد ـ من معاملة "العلماء" كسائر الفلاحين. وتضيف الدكتورة قولها: "عندما قامت حركة الضباط الأولى فى "فبراير1879 " كان الأزهريون يؤيدونها، فقد عثر على إعلانات "داخل الأزهر" مهيجة للأفكار، فلما بلغ أمرها شيخ الجامع "محمد العباس" أمر بتمزيقها وأوصى "الخدمة " ـ العمال والفراشون ـ بأنهم إذا عثروا على فاعليها أن يقبضوا عليهم ويسجنوهم.
ولم يكن هذا هو كل شىء عن دور الأزهريين فى الثورة العرابية، فقد انضم "الشيخ محمد عبده" إليها بعد تردد، وكان هناك شيوخ آخرون يرفضون ما قام به الخديو إسماعيل وما قام به ولده "الخديو توفيق"، ومن بين هؤلاء الأزهريين من حوكم عقب هزيمة الثورة العرابية، ومنهم "الشيخ محمد عبده" الذى صدر ضده حكم بالنفى، فاختار "لبنان" منفى له، ثم لحق بأستاذه "الأفغانى" فى "باريس" وهناك أصدرا مجلة "العروة الوثقى" وقادا حملة مضادة للاحتلال البريطانى.
وانتهت فترة حكم "الخديو توفيق" وتولى ولده "الخديو عباس حلمى الثانى" حكم البلاد وحاول القيام بحركة إصلاح فى الأزهر، ذكر تفاصيلها فى مذكراته التى حملت عنوان "عهدى ـ مذكرات عباس حلمى الثانى خديو مصر الأخير"، وهى حركة كان ظاهرا فيها دور "الشيخ محمد عبده" لكن علاقة الشيخ باللورد "كرومر" المندوب السامى البريطانى أزعجت "الخديو عباس حلمى" فأثار"الشيوخ السلفيين" ضد مشروع الإصلاح، ويقول الخديو عباس فى مذكراته:
"ـ كان المصلح الكبير "الشيخ محمد عبده" برغم علاقاته ـ مع الأسف ـ مع "كرومر" وعواطفه تجاه المحتلين، من دعاة التقدم، وكنت قد حلمت دائما ودون أن أنتزع هؤلاء العلماء الورعين من مهامهم المقدسة أو منابرهم الطاهرة فى أن أعطيهم وفى خط مواز لمعارفهم الدينية، معارف إنسانية تسمح لهم بتهيئة النفوس وتجعلهم يفهمون ما هى الإنسانية، واصطدمت باتجاه تقليدى كان يصل إلى مرحلة العناد، وظل الأزهر منغلقا أمام محاولاتى إعطاء العلماء تعليما آخر يختلف عن التعليم الدينى".
أما الإصلاحات التى بذلها "الشيخ محمد عبده" مدعوما بدعم شيخ الأزهر "حسونة النواوى" فتمثلت فى تشكيل مجلس إدارة الأزهر، وتحديد مدد محددة للتقدم للامتحانات، وإضافة علوم الجغرافيا والحساب والجبر والهندسة والأدب والمنطق والفلسفة، وتقسيم الشهادات التى يمنحها الأزهر للمتخرجين إلى "الأهلية" وهى شهادة تمكن حاملها من الخطابة والوعظ والإمامة فى المساجد، و"العالمية" وهى الشهادة الأعلى، يوقعها "الخديو" وتتيح لحاملها التدريس فى الجامع، والانضمام إلى "هيئة كبار العلماء"، وتزامن هذا مع إنشاء "مدرسة القضاء الشرعى" التى كانت تتولى إعداد القضاة الشرعيين.
شيخ الجامع والملك
مع بداية الحرب العالمية الأولى، قرر الإنجليز خلع "الخديو عباس حلمى" من العرش، وجاءوا بالسلطان "حسين كامل"، ومن بعده جاءوا بالسلطان "فؤاد"، وانفجرت ثورة 1919، وكان الأزهر قلعة من قلاع الثورة، ونقطة حصينة من نقاط تطبيق الشعار الثورى الشعبى "عاش الهلال مع الصليب"، فكان القساوسة يعتلون منبره ويخطبون الخطب الوطنية، ولكن عندما أصدرت بريطانيا "تصريح 28 فبراير 1922" الذى منح "مصر" حق كتابة "دستور" ومنح "السلطان فؤاد" لقب "الملك فؤاد" ومنحه حق التمثيل الدبلوماسى لشخصه وعرشه من خلال السفارات الأجنبية، استطاع أن يكسب قطاعا كبيرا من الأزهريين ويجعلهم يطالبون "لجنة كتابة الدستور" بأن يكون "الأزهر" وشئونه كلها ضمن اختصاصات وسلطة "الملك المباشرة"، دون المرور من بوابة "الحكومة" أو "البرلمان"، وكانت لدى الأزهريين كراهية قديمة تجاه "سعد زغلول"، فهم يعتبرونه ـ وهو الأزهرى مثلهم ـ من الذين دعموا فكرة إنشاء "مدرسة القضاء الشرعى" التى تخصصت فى تخريج القضاة المختصين بمحاكم الأحوال الشخصية، وحرمت الأزهريين من فرصة تولى منصب القضاء، وخضعت لجنة كتابة الدستور لمطالب الأزهريين "والملك"، وفى العام 1924 تقدم الأزهريون بمطالب للزعيم "سعد زغلول" وكان يرأس الحكومة، فأخبرهم بأن الأمر فى يد "الملك" بنص الدستور، فهاجوا وغضبوا وسيروا المظاهرات التى هتفت "لا رئيس إلا الملك" بعد أن كان هتافهم السابق هو "لا رئيس إلا سعد"، وفى الفترة ذاتها داعب حلم "الخلافة " عقل "الملك فؤاد" بدعم بريطانى، بعد سقوط هذه الخلافة على أيدى "كمال أتاتورك"، وعلى الفور أمر الملك رجاله فى الأزهر بتشكيل لجان من الشيوخ سميت "لجان الخلافة"، تولت الدعاية لأحقية الجالس على عرش "مصر" بتولى خلافة المسلمين، لكن فى العام 1925 خرج شيخ أزهرى يعمل قاضيا فى محكمة المنصورة، ويحمل شهادة "العالمية "، اسمه "على عبدالرازق"، ينتمى لعائلة ثرية لها سطوة ونفوذ سياسى فى حزب "الأحرار الدستوريين"، بكتاب حمل عنوان "الإسلام وأصول الحكم"، نفى فيه وجود أى نص قرآنى، ينص على أن "الخلافة " ركن من أركان الإسلام، وشن حملة على الاستبداد باسم الدين، وقامت الدنيا ولم تقعد، فقد أصاب الكتاب حلم "الملك فؤاد" فى مقتل، وجرده من الغطاء الدينى الذى كان يسعى إليه ليكون "الخليفة" الذى لا تجوز محاكمته ولا مساءلته بالدستور، أو الرأى العام، لأنه سيكون "حاكما باسم الله"، واستخدم "الملك" رجاله فى الأزهر، فانعقدت "هيئة كبار العلماء" وحاكمت "الشيخ على عبدالرازق " وأصدرت حكمها بإخراجه من زمرة العلماء وتجريده من "شهادة العالمية" وفصله من وظيفته "قاضٍ بمحكمة المنصورة الشرعية"، وتوالت الأحداث، فأخرج الملك من الحكومة الوزير"عبدالعزيز فهمى" لأنه أحال قرار هيئة كبارالعلماء إلى "قلم قضايا الحكومة " لإبداء الرأى، فعزله الملك وكلف "على ماهر" بمهام منصبه "وزير الحقانية " ـ العدل ـ واحتج الوزيران المنتميان لحزب الأحرار الدستوريين على إخراج زميلهما بهذه الطريقة المهينة، فاستقالا من الحكومة، وانتهى التحالف السياسى الذى ضم "حزب الاتحاد " ـ حزب القصرـ و"الأحرار الدستوريون" الذى رفض قبول فكرة أن يصبح الملك فؤاد خليفة للمسلمين.
وإلى جانب القرار الذى اتخذته "هيئة كبار العلماء" ضد "الشيخ على عبدالرازق"، أصدر واحد من كبار الشيوخ "محمد الخضر حسين" كتابا أسماه "نقض أصول الحكم فى الإسلام" أهداه لخزانة حضرة صاحب الجلالة الملك فؤاد الأول، تبرع فيه بالرد على الحجج الدينية والتاريخية التى ساقها الشيخ ـ عبدالرازق ـ ومن عجائب الأمور أن هذا الشيخ تولى منصب شيخ الأزهر عقب قيام ثورة يوليو 1952.
وانتهى حلم "الخلافة "، ومات "الملك فؤاد"، لكنه قبل موته دخل فى صدام ومعركة مع الأزهريين، فقد وافق الملك على تعيين الشيخ "مصطفى المراغى" شيخا للأزهر، ووافق المراغى على مشروع تقدمت به الحكومة يجعلها شريكة فى إدارة الأزهر، فغضب الملك على الشيخ واعتبر ذلك انتقاصا من سلطاته، وتقدم ـ المراغى ـ باستقالته فى العام 1930، وقبلها الملك، وغضب الأزهريون وخرجت مظاهراتهم تطالب بعودة الشيخ إلى منصبه، وفى العام 1935 أجبر "فؤاد" على إعادة "المراغى" إلى منصبه، ومات الملك فؤاد وتولى ولده "الملك فاروق" فأصبح "المراغى" حليفا له وداعما فى مواجهة "حزب الوفد" وكان ـ المراغى ـ من دعاة إقامة "حفل دينى" فى القلعة يقلد خلاله "جلالة الملك" سيف جده "محمد على" ويصلى مأموما به ليكون "خليفة وإماما" للناس، ويكون شيوخ الأزهر نوابا عنه، ولكن صلابة وعلمانية "مصطفى النحاس" زعيم "الوفد" حالت دون تحقيق هذا الحلم الملكى المدعوم من الأزهر وشيخه.
ثورة 23 يوليو والأزهر
جاءت ثورة يوليو 1952، ولديها خطة قومية للتصنيع والتحديث الكلى للمجتمع، وكان قادتها يعرفون مكانة الأزهر لدى الشعب المصرى ولدى العالم الإسلامى، ولذلك فقد حرصت على حمايته من "الاختراق الوهابى" و"الإخوانى"، رغم أن "الشيخ الباقورى" وزير الأوقاف فى بدايات عهد الثورة كان عضوا فى "جماعة الإخوان" وخرج منها، ولكن فى بداية ستينيات القرن الماضى وضعت ثورة يوليو خطة التحديث الخاصة بالجامعة الأزهرية، وجعلت طلابها يدرسون العلوم الحديثة والعلوم الدينية، حتى يكون هناك "طبيب أزهرى" و"مهندس أزهرى" يستطيع مخاطبة المسلمين فى أفريقيا وآسيا، وتوسعت الدولة فى استضافة البعثات الدراسية من دول العالم الإسلامى، وكان هذا التوجه خط دفاع مهما ضد "الغزو الإرهابى" القائم على "الفكر الوهابى" المعادى للوسطية والاعتدال الذى امتاز به علماء الأزهر عن غيرهم، الأمر الذى جعل "الأزهر الشريف" حصنا يحمى العقيدة ويحمى المجتمع المصرى من موجات التطرف والإرهاب، وكانت سنوات الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضى شاهدة على الدور الكبير الذى لعبه الأزهر فى مواجهة التكفيريين والوهابيين والخوارج أعداء الدين، ومازال علماء الأزهر يقومون بدورهم فى حماية العقيدة الإسلامية وحماية المجتمع من موجات الإرهاب بتوضيح جوهر الإسلام وشرح أصوله الرافضة للفكر الوهابى المعادى للحياة.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
في عالم أصبحت التفاصيل الصغيرة جزءًا أساسيًا من جودة الحياة اليومية، لم يعد اختيار الشرابات أمرًا ثانويًا أو قرارًا سريعًا...
وحدهم في الشارع الخالي فى الصباح الشتوى المبكر .. الدنيا غارقة، وسيول المطر أبقت الناس في بيوتهم، فلا وجود لشخص...
«الأيام الأخيرة فى حياة فرويد».. رحلة فى عالم الذكاء الاصطناعى والتحولات الرقمية محاولة سردية لتقديم صورة غير وردية لعالم يتجرد...
شخصيات لها تاريخ «98» تربى فى الزاوية الأكثر أهمية فى تاريخ الحركة السنوسية بواحة الجغبوب وتولى قيادة الحركة بعد رحيل...