هذه سلسلة حوارات صحفية فى محبة النجيب نجيب محفوظ.. مع تلاميذه ومحبيه ومريديه.. رجال كان لهم شرف وحظ وسبق الجلوس الى اديب مصر الكبير صاحب نوبل.. سمعوا منه وتحدثوا معه
هذه سلسلة حوارات صحفية فى محبة النجيب نجيب محفوظ.. مع تلاميذه ومحبيه ومريديه.. رجال كان لهم شرف وحظ وسبق الجلوس الى اديب مصر الكبير صاحب نوبل.. سمعوا منه وتحدثوا معه وحاوروه.. وكان يعرف كل واحد منهم باسمه ويناديه به.. ويقول حين يخاطبه: يا فلان بيه.. فتحوا لنا قلوبهم.. وأفضوا إلينا بمخزون ذكرياتهم مع العملاق النجيب.. نقلوا الينا كثيرا مما قاله.. كثيرا من ذكرياته ومن آرائه فى الأدب وفى السياسة وفى الأحداث المختلفة.. ونبدأ هذه الحلقات مع رجل من أسرتنا.. من أسرة الإذاعة والتليفزيون.. الأستاذ إبراهيم عبد العزيز مدير تحرير مجلة الإذاعة والتليفزيون السابق الذى كان واحدا من المقربين جدا لنجيب محفوظ وكان يسجل كثيرا من يوميات وندوات الأديب الكبير ومن حصيلتها أصدر ثلاثة كتب هى "أنا نجيب محفوظ.. سيرة حياة كاملة "و"أساتذتى .. نجيب محفوظ" و"ليالى نجيب محفوظ فى شبرد".. مع ابراهيم عبد العزيز نبدأ الحوار والحلقات.
حدثنا عن لقائك الاول بنجيب محفوظ... كيف كان وماذا عن ذكرياتك معه؟
كان لقائى الأول مع نجيب محفوظ فى يناير 1983 بعد أزمة نفسية مهنية، فقد كنت لم أستكمل إلا بضعة شهور كصحفى تحت التمرين بمجلة "المصور"، فقد كان رئيس قسم التحقيقات الذى أعمل معه يهملنى، ويهتم بالزملاء الآخرين الذين جاءوا بخطابات توصية أو لهم واسطة نافذة، أما أنا فقد جئت مع نفسى، ولم أكن أتوقع أن الأمر سيكون سهلا، ولكننى كنت مصمما، ولذلك قررت أن أعمل مع نفسى دون استشارة رئيس قسم التحقيقات الذى طالما طالبته بممارسة العمل الصحفى وهو يعدنى قريبا والوقت يمضى بلا طائل، فاتصلت مباشرة فى يوم واحد بالكبيرين توفيق الحكيم ونجيب محفوظ، وكان الأمر بسيطا بساطة الرجلين العملاقين بمجرد اتصال تليفونى بلا واسطة ولا سكرتارية، الحكيم أو محفوظ يرد عليك مباشرة، وقد حدد لى محفوظ موعدا فى الساعة التاسعة والنصف صباحا والحكيم فى الثانية عشرة ظهر نفس اليوم، لا تتصور كيف كانت معنوياتى فى ذلك اليوم الذى كان من أسعد أيام حياتى الصحفية ، قابلنى نجيب محفوظ وهو يسمع اسمى لأول مرة ، وتعامل معى كما يتعامل مع صحفيين قدامى، رغم أننى يومها كنت قد بلغت الرابعة والعشرين عاما، صحفى تحت التمرين ولكن محفوظ أعطانى من وقته كما أريد وأجاب على اسئلتى بكل اهتمام حتى أننى طلبت منه موعدا آخر لمراجعة حوارى معه، وقد حدث وقرأته عليه ولم يبخل بتوقيعه بخط يده على آخر صفحة من الحوار الذى لا زلت أحتفظ به حتى اليوم، لأنه لم ينشر، فمن أنا حتى ينشر لى "المصور" حوارا مع نجيب محفوظ فى وجود صحفيين كبار؟!
المهم بعد أن فرغت من حوارى مع محفوظ كان على الانتظار حتى موعد لقائى الآخر مع توفيق الحكيم، فجلست فى مقهى خلف جريدة "الأهرام" ورحت أدير جهاز التسجيل للاستماع إلى صوت نجيب محفوظ، وعلى فكرة كنت "مستلف " جهاز التسجيل من أحد أقاربى، فلم تكن عندى إمكانيات إطلاقا لشراء جهاز تسجيل، فقد كنت لا أزال أتقاضى مصروفى من والدى، ولم أكن قد تقاضيت أى مكافأة من مجلة "المصور" التى أعمل بها تحت التمرين، المهم لفت صوت نجيب محفوظ، القهوجى فسألنى، فلما أجبته أنه صوت نجيب محفوظ تهلل، وصمم إن المشاريب على حسابه، ورفض تناول أى نقود، فماذا تكون يومية هذا المواطن الغلبان ليدفع لى ثمن المشاريب، ألهذه الدرجة يحب نجيب محفوظ، منذ تلك اللحظة علمت أن محفوظ قد وصل إلى قلوب البسطاء وسكن حبه فى نفوسهم، ربما لأن أفلامه التى شكلت نقلة للسينما المصرية، قد قربت هذا الأديب الكبير إلى قطاع كبير من البسطاء وبعدها كثيرا ما اتصلت بنجيب محفوظ للحصول على رأيه فى موضوع أو تحقيق صحفى أو لتحديد موعد لإجراء حوار معه، نشر أم لم ينشر، ولم يبخل على أبدا حتى رحيله بأى عون صحفى، لا أدعى أنه فعل معى ذلك أنا وحدى، فقد كان مشجعا لكل الشباب, بابه مفتوح لهم، سواء فى ندواته أو مكتبه بالأهرام، ولم يضبط يوما يرفض أى طلب لحديث معه، حتى أن صديقه وأستاذه - باعترافه- توفيق الحكيم طلب منه أو أنه اقترح عليه كصديق ألا يجرى حوارات مع كل من هب ودب، ولكن نجيب محفوظ مع احترامه لأستاذه وصديقه كان مؤمنا دائما ومقتنعا دائما بضرورة تشجيع الشباب وإعطائهم فرصة النجاح وإثبات وجودهم المهنى بالحوار مع قيمة وقامة كنجيب محفوظ.
كرم محفوظى
ويواصل ابراهيم عبد العزيز :استمرت علاقتى بنجيب محفوظ منذ يناير 1983 حتى رحيله فى أغسطس 2006 أى على امتداد 23 سنة أجريت معه الكثير جدا من الحوارات، وأعتقد أننى حظيت بثقته, لأنه احترم أمانتى فيما أنقله عنه، ومن ثم فقد تجاوزت علاقتى به مجرد العلاقة الصحفية إلى ما هو أبعد من ذلك، فعندما اصدرت كتابى الأول عن توفيق الحكيم "الملف الشخصى لتوفيق الحكيم" تجرأت بحكم علاقتى به وطلبت من محفوظ أن يكتب له مقدمة، بحكم معرفتى بعلاقته بتوفيق الحكيم، ووافق نجيب محفوظ على كتابة المقدمة بأن يملينى ذكرياته عن توفيق الحكيم، وبعد أن أعيد صياغتها فى شكل مقدمة أقرؤها عليه ثم يوقعها بخطه وقلمه، ويالها من فرحة وياله من فخر شخصى أن أصدر كتابا يكتب له نجيب محفوظ مقدمة بتوقيعه.
شجعنى كرمه على أن أطلب منه بعد حصوله على جائزة نوبل أن يساعدنى فى إصدار كتاب عنه، فقال لى ضاحكا: رجاء النقاش جاب ضلفها! إشارة إلى كتاب النقاش الذى سجل فيه ذكريات نجيب محفوظ عن مراحل حياته المختلفة، ولما كان نجيب محفوظ قد ذكر بعد حصوله على نوبل فضل أدباء كبار أهدى إليهم الجائزة كمستحقين لها، وهم طه حسين وتوفيق الحكيم والعقاد ويحيى حقى، فقد اقترحت عليه أن يكون موضوع كتابى عنه خاصا بأساتذته الذين تأثر بهم ولعبوا دورا فى تكوينه الأدبى والثقافى، فراقت له الفكرة، وحدد لى موعدا أسبوعيا بمنزله على كورنيش العجوزة السابعة والنصف مساء كل يوم سبت, اختار سبع شخصيات يتحدث عنهم وهم: العقاد، طه حسين, توفيق الحكيم، يحيى حقى، د. حسين فوزى، الشيخ مصطفى عبدالرازق، سلامة موسى.
كان يتحدث عن علاقته بكل شخصية وتأثيرها فى مسيرته الأدبية، واللقاء التالى أكون قد قمت بصياغة هذه الذكريات فى سياق متصل، ثم أقرؤها عليه فيقرأها ويمهرها بتوقيعه وتاريخه ثم أقوم بعد ذلك بالمقارنة بين كل شخصية من هذه الشخصيات ونجيب محفوظ نفسه، ومن ثم صدر كتاب "أساتذتى.. نجيب محفوظ" وعندما أهديته له، قال لى إنه تذكر شخصيات أخرى حددها لى وهم: د: محمد حسين هيكل، المنفلوطى، المازنى.. وقد ضمنتهم الطبعة الثانية.
طبعا توقيعات نجيب محفوظ فى كتب مطبوعة لى أثارت غيظ البعض، وربما حرضوه أو عاتبوه، ذكر لى هو ذلك بشكل عرضى دون تفصيلات، ولكنه لم يتخل أبدا عن فضيلته فى دعمى وتشجيعى لأنه وجدنى جادا لا أهتم بالتصوير معه كآخرين ونشر الصور لمجرد الظهور الإعلامى كما حدث مع كثيرين حتى من المشاهير الذين تكالبوا حوله بعد حصوله على نوبل، حتى أن أحدهم، بدون ذكر أسماء قدم استقالته من اتحاد الكتاب لمجرد أن مجلة اتحاد الكتاب لم تنشر صورته على غلافها كبقية من عرفوا نجيب محفوظ، فاعتبر هذا المشهور جدا أن ذلك تعريض به وانتقاص منه، ولكن نجيب محفوظ كان يعرف جيدا من هو المحب الحقيقى، ومن هو المزيف، ولكن صدره كان يتسع للجميع صغار وكبارا، وكان وحتى وهو فوق التسعين يقوم مرحبا بضيوفه، ومفسحا لهم فى ندوته، وقد كانت حافلة بكل ألوان الطيف.
ليتنا نعرف منك الكثير عن هذه الندوات؟
كان نجيب محفوظ حريصا على حضور ندواته الموزعة على أيام الأسبوع ما عدا يوم السبت الذى يخصصه للراحة فى بيته وإجراء بعض المقابلات كما فعل معى، لم يكن شىء يجعله لا يذهب للقاء أصدقائه ومريديه مهما كانت الأسباب والمبررات التى يمكن أن تبيح له العذر، حتى أنه ذات مرة وهو يتمشى على النيل وقع على الأرض وأصيب فى رأسه إصابة ظهرت واضحة، ولكنه حضر الندوة، واعتبر كأن شيئا لم يحدث، وهون مما حدث له وقال إنها إصابة بسيطة، وحين حصل على نوبل لم يجعله ذلك يغير مواعيده مع أصدقاء ندوته، ظل نجيب هو نجيب الأديب الكبير جدا، المتواضع جدا، البسيط جدا.
أتذكر أن الهجوم الصحفى والتليفزيونى كان شديدا عليه بعد نوبل، خصصوا له فى الاهرام مكتب توفيق الحكيم الاكثر اتساعا كى يستقبل ضيوفه، العجيب حياؤه فى عدم جلوسه على كرسى توفيق الحكيم ومكتبه واختار كرسيا يجلس عليه الضيوف لإجراء مقابلاته، ولما سألته عن السبب ذكر لى حكاية الشيخين على عبدالرازق ومصطفى عبدالرازق اللذين رآهما يقدمان أخاهما المزارع على نفسيهما، تقديرا لفضله- وأضاف نجيب: فما بالك وتوفيق الحكيم هو زارعنا جميعا.
المعنى الذى قصده نجيب محفوظ أنه لا يتقدم على استاذه توفيق الحكيم ويجلس بعيدا عن مكتبه تواضعا واحتراما لفضله حتى بعد رحيله، حتى أنه فى أحاديثه الصحفية صرح بأنه لم يكن يتصور أن يفوز بنوبل فى حياة الحكيم، لأنه ساعتها قد يهرب من البلد -حسب تعبيره - لأنه كان يرى أحقية أستاذه بالجائزة الكبرى.. كان مخصصا لكل صحفى ربع ساعة فقط للحوار مع نجيب محفوظ بعد نوبل، وحين انتهت مقابلتى معه قلت له: أنا لا تكفينى الربع ساعة، فحدد لى موعدا خاصا فى اليوم التالى بقهوة على بابا بميدان التحرير وأكرمنى بساعتين من حواره وذكرياته.
مواقف مع محفوظ
ماذا لفت نظرك خلال جلساتك وحواراتك مع اديب نوبل؟
لفت نظرى أنه لم يغير حتى لغته البسيطة الكلاسيكية وهو يقول للناقد فتحى العشرى- عينته الأهرام سكرتيرا له لتنظيم مقابلاته : هل جاء موعد "الأتوموبيل" يا فتحى؟ تعبير أو اسم "الأتوموبيل" أدهشنى وأعجبنى فى نفس الوقت.
ومرة نقلت إليه تحيات يحيى حقى عندما كنت فى زيارته، وهو من الأسماء الكبيرة التى أهداها جائزة نوبل، فطلب منى أن أطلبه تليفونيا ليرد على تحيته، وقد فعلت، وجمعت بين الأديبين الكبيرين على التليفون ولم يكونا قد اجتمعا منذ سنوات، وقد جمعهما عمل واحد فى مصلحة الفنون حينما كان يحيى حقى رئيسا ونجيب محفوظ مرؤوسا، قال لى يحيى حقى إن نجيب محفوظ كان يقوم دائما لتحية رئيسه، مع أنهما كانا صديقين، وكان حقى يريد إعفاءه من حكاية الرئيس والمرؤوس باعتباره أديبا كبيرا، ولكن محفوظ لم يتخل أبدا عن صفاته الوظيفية، سألته عن ذلك فقال أنا موظف ولابد من القيام بواجباتى نحو رئيسى فى العمل.
دعنى أذكر لك ما هو أعجب: الرئيس الراحل مبارك كتب فى مجلة "الهلال" رسالة تحية لنجيب محفوظ بمناسبة عيد ميلاده ، سألته يومها ألم تفكر فى أن ترد على تحية الرئيس؟ قال إنه كتب برقية شكر للرئيس، سألته: أرسلتها فعلا للرئيس؟ قال: أرسلت البرقية لزكريا عزمى ليسلمها للرئيس! أبديت دهشتى وسألته : لماذا لم ترسل برقيتك للرئيس مباشرة؟
فقال لى إنه لابد أن يتبع قواعد مخاطبة المرؤوسين للرئيس ولا يتجاوز البروتوكول!
وكما ترى لا يزال نجيب محفوظ بعد حصوله على نوبل وشهرته العالمية يتعامل وكأنه لا يزال موظفا يتبع البروتوكول فى مخاطبة رؤسائه، لا أقول أنه لا يعرف قيمة نفسه وأنه بقيمته وقامته أخلد وأبقى من الرؤساء، ولكن طبيعة الموظف فيه ظلت لا تفارقه طوال حياته، حتى أن هيكل عندما طلب منه أن يكتب فى الأهرام وخصص له مكتبا، لم يذهب إلى مكتبه إلا بعد إحالته على المعاش، لم يضح بالوظيفة رغم عائدها القليل، مهما كانت المغريات المادية، كان حريصا على الاستمرار فى الوظيفة حتى نهاية مدة خدمته فيها.
ويواصل ابراهيم عبد العزيز:
رغم صلتى المبكرة بنجيب محفوظ من خلال حواراتى معه، إلا أن عملى الصحفى كسكرتير لتحرير مجلة الإذاعة شغلنى كثيرا عن حضور ندواته التى لم أحظ بحضورها إلا فى سنواته الأخيرة، وتمنيت لو أننى واظبت على حضورها منذ عرفت طريقى إليه حتى أسجل ما يدور فى هذه الندوات التى للأسف لم يسجلها أحد، وهى حافلة بكل جديد وطريق، ولكن ما لا يدرك كله لا يترك كله، سجلت فى مجلدين "ليالى نجيب محفوظ فى شبرد" ما حضرته فعلا، وأعترف أن محفوظ كان مشجعا لى ، حتى أنه كان يسألنى أحيانا: لم نسمع صوتك اليوم؟ وذلك لانشغالى بكتابة يوميات هذه الندوات ، وذات مرة داعبنى: أنت لم ترفع عينك عن الكتابة- وكان أحيانا أخرى يتطوع بإملائى بعض أخبار شراء قصصه لتمثيلها فى الخارج للسينما، ويداعبنى: كم ستدفع على هذه الأخبار؟
وأتذكر أننى نشرت ذكريات الموسيقار مدحت عاصم فى مجلة "نصف الدنيا"، وكان يسكن وهو صغير فى العباسية التى كان يسكنها نجيب محفوظ، وقال لى مدحت عاصم ضمن ما قاله أن نجيب محفوظ كان حريفا فى لعب الكرة، وأنه كان يلعب حافيا!
فى ذلك اليوم ذهبت متأخرا عن ندوة "شبرد" فوجدت الحاضرين يقولون لى: اتأخرت ليه؟ الأستاذ نجيب قالب عليك الدنيا..
تعجبت لأننى قبل ذلك كنت أتأخر فى الحضور ويمر الأمر كما يحدث لآخرين يتأخرون لظروف مختلفة، سلمت على نجيب محفوظ فوجدته يبادرنى بقوله - قبل أن أسأله عن سبب سؤاله عنى: أنا لم أكن ألعب الكرة حافيا!
وكانت فرصة لأجرى معه حوارا حول هوايته كلاعب قديم للكرة.. مرة أخرى نقلت إليه ملخصا لحوار ممدوح الليثى مع الزميل أيمن الحكيم والذى تبرأ فيه من أفلام نجيب محفوظ التى انتقدت العصر الناصرى، رغم أنه الذى كتب السيناريوهات الخاصة بهذه الأفلام، وأبدى محفوظ استعداده للرد على الليثى، وقال إنه هو بنفسه الذى كان يأتى ليطلب شراء رواياته لكتابة السيناريوهات لها، فكيف يتبرا مما هو مشارك فيه؟
ويبدو أن حوارى مع محفوظ ردا على الليثى قد أحرجه فقال فى رد لطيف على محفوظ - أبدى فيه تراجعا - أن الأستاذ إبراهيم عبدالعزيز قد حاول الوقيعة بينهما، فقلت لمحفوظ: هل أنا فعلت ذلك ؟ فقال لى: جاء دورك للرد عليه.. والتزم الصمت بعدها.
آخر احتفال بعيد ميلاد نجيب محفوظ حدث مرتين حضرتهما، فى لقاء بفندق سوفيتيل المعادى، وهو اللقاء الأهدأ والذى كان يضم مجموعة محدودة.
أما الاحتفال الثانى فقد كان فى شبرد وكان الأكثر حضور وضجيجا ربما لأنه وسط البلد، فندوات محفوظ مقاه مفتوحة لمن يريد ، ولا يمنع أحدا من حضورها، ولكن فى ندوة الاحتفال بعيد ميلاده امتلأ المكان عن آخره، ويبدو أن محفوظ كان يعلم فطلب منى أن أجلس على يمينه والمهندس محمد الكفراوى على يساره، وكانت تعليماته مشددة ألا نبرح مكاننا مهما كانت الظروف حتى تنتهى الندوة، وفهمت أنه لا يريد لأحد أن يزعجه من المتطفلين الذين يريدون القفز على أكتافه للتصوير والشو الإعلامى. ولم نكن نعلم أنه عيد الميلاد الأخير لنجيب محفوظ.
آراء جريئة
حدثنا عما كان يتحدث به محفوظ إليكم فى ندواته؟
أستطيع أن أقول أنه على قلة كلام نجيب محفوظ فى ندواته التى حضرتها إلا أنه كان يدلى فيها بآراء جريئة وصريحة، ويضيف إلى معلوماتنا عنه الجديد الذى لم نكن نعرفه من قبل، ولكن قبل الدخول إلى التفاصيل أتذكر أننى حصلت على نسخة من على الرصيف لطبعة لبنانية من رواية "أولاد حارتنا"، فقد كانت ممنوعة فى مصر كما هو معروف لاعتراض بعض شيوخ الأزهر عليها، ومن الغريب أنه فى أحد حواراتى مع محفوظ سألته متى سيسمح بنشر روايته فى مصر؟ فاشترط لذلك أن يكتب لها مقدمة واحد من ثلاثة: خالد محمد خالد، أو د. أحمد كمال أبو المجد، أو الشيخ الغزالى، ولم يكن محفوظ يعرف أن الشيخ الغزالى كان أحد أشد المعارضين لنشر أولاد حارتنا والذين كتبوا بشأنها مذكرة للرئيس عبدالناصر احتجاجا على نشرها فى الأهرام، كان خالد محمد خالد هو الذى استجاب لدعوة محفوظ، وتحمس، وطلبت منه أن يعبر عن استجابته بحديث مسجل سأل فيه محفوظ عن غرضه من هذه الرواية، وأسمعت محفوظ صوت خالد محمد خالد، ورد هو أيضا بصوته مجيبا على سؤاله، وطلب خالد منى تحديد موعد مع محفوظ للقائه لمزيد من الاستفسارات، ولكن الموعد للأسف لم يتحدد ومن ثم فقدنا مقدمة المفكر الإسلامى الكبير خالد محمد خالد، وإن كان د. أحمد كمال أبو المجد قد كتب مقدمة لأولاد حارتنا بعد وفاة محفوظ، ونشرت الرواية فى مصر دون أن يترتب على نشرها شىء بالمرة، ولكن يبدو فى اعتقادى أن المقصود لم تكن الرواية بقدر ما كان نجيب محفوظ نفسه هو المطلوب، بدليل أنه لما مات ونشرت الرواية فى مصر لم يعترض أحد، ولكن شخص محفوظ هو الذى كان مستهدفا من التكفيريين، أعادوا الهجمة عليه بعد حصوله على نوبل وأحلوا دمه، فكانت الطعنة الغادرة التى كتب له بعدها عمر جديد بعد أن أنقذته العناية الإلهية على يد صديق محب مخلص هو د. فتحى هاشم الذى كان معه فى سيارته لحظة طعنه بالسكين، فسارع إلى إنقاذه بمستشفى الشرطة القريب من موقع الحادث، وقد حكى لى نجيب محفوظ أنه كان صبيحة يوم الحادث يتمشى على النيل وحده، وكانت فرصة لطالبى رأسه أن يخلصوا عليه، ولكن القدر الرحيم شاء ألا يقع الحادث إلا ومنقذه بجواره وليس أى منقذ، فالدكتور فتحى هاشم قد وضع يده على مكان الطعنة حتى لا يستمر النزيف، وقاد السيارة بيده الأخرى إلى مستشفى الشرطة القريب، ولولا ذلك ربما لانعرف ما الذى كان يمكن أن يحدث لولا عناية الله ورفقه بالأديب الكبير.
أعود إلى "أولاد حارتنا" فرحت بحصولى على نسخة منها وذهبت إليه ليكتب لى إهداء عليها بخط يده- ولعلها المرة الوحيدة التى رأيت فيها نجيب محفوظ تتغير ملامح وجهه ويقول لى فيما يشبه الغضب: ولماذا أولاد حارتنا بالذات؟ووجدتنى ألتزم الصمت.
عرف نجيب محفوظ بخفة دمه المصرية الجميلة هل تذكر لنا ما يدل على ذلك؟
يتمتع نجيب محفوظ بخفة دم طبيعية وفطرية فلديه القدرة على الرد الذكى السريع, فهو سريع البديهة وله القدرة على التخلص من أى سؤال محرج وإنهاء الموقف بنكته أو توليد نكتة، سألنى ذات مرة عن اسم رئيس تحرير مجلتنا وكان وقتها يشغل المنصب الزميل أبوبكر عمر فقال لى "خليفتين فى وقت واحد"؟ وهنا يجب أن أذكر له موقفا يتعلق بمجلة الإذاعة التى يعتز بها ويحبها، فقد نشرت له رواية "المرايا" بريشة سيف وانلى ايام أن كان رجاء النقاش رئيس لتحريرها، وعندما أشرفت على عدد خاص بعيد المجلة الماسى خصها بتحية وتهنئة، ولما تولى الوزير أنس الفقى حقيبة الإعلام أراد من باب التغيير والتطوير من وجهة نظره التخلى عن اسم مجلة "الإذاعة والتليفزيون" إلى مجلة "ماسبيرو"، يومها أبدى الزملاء احتجاجا ووقعوا مذكرة للوزير يرفضون فيها تغيير اسم مجلتنا العريقة، يومها حكيت لنجيب محفوظ ما حدث فأبدى امتعاضه من تغيير اسم المجلة، واعتبرها كالماركة المسجلة التى تزيد قيمتها ويغلو ثمنها بمرور الزمن، والتزم الصمت بعض الوقت، واعتبرت أنه قد أعلن موقفه المتضامن مع صحفيى مجلة الإذاعة وانتهى الأمر، ولكنى فوجئت به معقبا بكلمة حادة على موقف الوزير لم أتوقع أبدا أن يقولها نجيب محفوظ، وحدث أن تراجع الوزير فنقلت ذلك لمحفوظ فأبدى سعادته وهنأنى باستمرار اسم المجلة، وطلب من الحاضرين تهنئتى، إلى هذا الحد كان نجيب محفوظ صاحب موقف وليس كما يردد خصومه أنه كان صامتا ومتوافقا مع كل عصر، فقد نشر أعماله الناقدة لنظام عبدالناصر فى عهد عبدالناصر رغم تحريض بعض من حول عبدالناصر، ولكن وزير بقيمة وقامة ثروت عكاشة كان الصوت الآخر لدى عبدالناصر لدعم حرية الأدب، صحيح أن حرية الفكر كانت تؤدى لصاحبها فى غياهب المعتقلات والسجون ولكن النظام حاول أن يحتفظ بمسحة من الحرية للرواية والقصص، وإن كان بعضها قد كاد أن يسبب الأذى لنجيب محفوظ، ومنها قصة "سائق القطار" التى فسرت على أن المقصود بها جمال عبدالناصر، ولكن محمد فريد أبو حديد نشر مقالا نقديا أدبيا للقصة أبعد هذا التصور عن الأذهان، وهو الجميل الذى أشاد به محفوظ فى أكثر من مناسبة، ولم يتردد نجيب محفوظ عن التوقيع مع توفيق الحكيم على بيان الأدباء الذى كان ينتقد حالة اللاسلم واللاحرب أيام الرئيس السادات.
ومن قبل فى العصر الملكى كتب نجيب محفوظ روايته " القاهرة الجديدة " التى ينتقد فيها الأوضاع السيئة فى ذلك الوقت ، وكان وقتها موظفا فى وزارة الأوقاف وكان من حسن حظه أن الذى حقق معه أحمد طه حسين ، أخو طه حسين والذى قام "بكلفتة" التحقيق إنقاذا لنجيب محفوظ خاصة عندما قال له محفوظ أنه يكتب قصصا كالتى يكتبها أخوه طه حسين, فنصحه أن يكتب قصصا فى الحب بعيدا عن السياسة ، وهى نصيحة قريبة من نصيحة المازنى له بالابتعاد عن الأدب الواقعى لخطورته، ولكن نجيب محفوظ كان قد تخلى عن رواياته التاريخية كـ "رادوبيس, كفاح طيبة" التى كان يسقط فيها أحداث التاريخ على الحاضر وقرر مواجهة الحاضر بوقائعه الفاسدة رغبة فى تغييره، وإلا فقد الأديب رسالته فى استنكار الواقع الأليم واستشرافه المستقبل المأمول، ومن ثم ظل نجيب محفوظ صاحب موقف سواء فى أدبه أو حواراته التى عبر فيها عن مواقفه بصراحه ووضوح.. وكنا نلمس ذلك فى ندواته.. مثلا كان لا يستنكر الأعمال الانتحارية التى يقوم بها الفلسطينيون دفاعا عن حقوقهم بعد أن سدت الطرق أمامهم، ورغم أنه كان ضد الإخوان المسلمين، ورفض دعوة أحد أصدقائه لزيارة المرشد المؤسس حسن البنا، إلا أنه كان لا يستبعد أن يأتوا من خلال الانتخابات إذا أراد المصريون، على سبيل التجربة، وأتذكر أن المهندس محمد الكفراوى كان من أشد المعارضين لحكم الإخوان رافضا مجرد التفكير بمجيئهم إلى الحكم لأنهم فاشيون وإرهابيون، ولا ضمان لسلوكهم إذا تولوا الحكم، ولكن نجيب محفوظ ببصيرته النافذة قال بوضوح: إن الجيش المصرى هو الضامن من أى انحراف للإخوان بالحكم. وكأنها نبوءة محفوظية لما حدث بعد ذلك وكأنه يقرأ كف المستقبل، جاء الإخوان إلى الحكم، ولما انحرفوا به، تدخل الجيش بدعم من الشعب وأسقطهم، فأى بصيرة كانت لمحفوظ وهو يتوقع ما حدث فعلا وكأنه زرقاء اليمامة.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
شخصيات لها تاريخ «98» تربى فى الزاوية الأكثر أهمية فى تاريخ الحركة السنوسية بواحة الجغبوب وتولى قيادة الحركة بعد رحيل...
شهادات تذاع لأول مرة «11» ابن أخيه الذى جلس تحت قدميه طفلا وغنى معه فى دمشق عرفت من الصحافة أنه...
تطرح شركة طلعت مصطفى القابضة مشروعها الجديد في شرق القاهرة وهو مشروع ذا سباين طلعت مصطفى The Spine TMG New...
ناقشت اللجنة الثقافية والفنية بنقابة الصحفيين كتاب "صانع النجوم.. حلمي رفلة.. سيرة سينمائية بلا ماكياج" للناقد والكاتب الصحفي جرجس شكري،...