ميكى ماوس.. صاحب الحكايات والحلويات وفتافيت السكر

حين كان الصبى الصغير عبد الله أحمد عبد الله فى عمر السابعة عشرة طالبا بمدرسة باب الشعرية الثانوية.. اتفق مع مجموعة من زملائه وأصدقائه على عقد مؤتمر كبير عن السينما

حين كان الصبى الصغير عبد الله أحمد عبد الله فى عمر السابعة عشرة طالبا بمدرسة باب الشعرية الثانوية.. اتفق مع مجموعة من زملائه وأصدقائه على عقد مؤتمر كبير عن السينما لحماية الفيلم المصرى فى مواجهة الأفلام الأجنبية، ولجأوا الى أبو الاقتصاد المصرى طلعت حرب لكى  يرعى ويدعم المؤتمر، ثم حصلوا على موافقة رجل من الوجهاء فى العصر الملكى يدعى عبد الرحمن باشا رضا كان وكيلا لوزارة الحقانية لكى يترأس هذا المؤتمر، ولكى يسبغ عليه من منصبه ونفوذه قوة وحضورا، وهو ما حدث بالفعل، وافتتحت الفنانة الكبيرة عزيزة أمير إحدى رائدات السينما هذا المؤتمر، أما سكرتير المؤتمر فكان الفتى العاشق للسينما الدينامو عبد الله أحمد عبد الله،  الذى صار منذ ذلك الوقت محررا فنيا شهيرا يعرفه الفنانون ويذهب القراء وجمهور الفن بل والنقاد الفنيون الى أخباره ليعرفوا كل أسرار وأحوال أهل الفن فى ذلك الزمان، ليصبح عبد الله أحمد عبد الله أشهر مؤرخ فنى مصرى.

المؤتمر أصدر أنذاك توصيات لعل أهمها هو المطالبة بإعادة افتتاح معهد التمثيل الذى كان قد افتتح عام 1931 لمدة عام واحد ثم تم إغلاقه، كما طالب المؤتمر بتسهيلات  فى استيراد المعدات والأجهزة السينمائية وبزيادة دور العرض السينمائى  وبالعمل الجاد على  ترجمة الأفلام الأجنبية ترجمة عربية صحيحة، وكان من إسهامات عبد الله أحمد عبد الله الكبيرة بعد ذلك أنه اكتشف أنيس عبيد رائد الترجمة العربية للأفلام الأجنبية، وبعد مؤتمر السينما الذى كان لميكى ماوس الفضل الأكبر فى إقامته مع أن عمره وقتها لم يكن قد تجاوز السابعة عشرة، أصبح الشاب الصغير مصدرا مهما لكثير من الأخبار الخاصة بالفن والفنانين، وأصبح يتواجد باستمرار فى كل تجمعات فنانى ذلك العصر، وارتبط بعلاقات صداقة مع نجوم ذلك الزمان من أمثال نجيب الريحانى وإسماعيل ياسين وسليمان نجيب غير أنه لم يكتسب لقب المؤرخ الفنى فقط لكنه أيضا ارتبط بفن الصحافة الفكاهية الساخرة وأصبح واحدا ممن يشار إليهم بالبنان عند تناول الصحافة الساخرة فى  بر مصر المحروسة،  خاصة بعد أن ترأس عبد الله تحرير مجلة البعكوكة  إحدى أشهر المجلات الفكاهية المصرية. لكن كيف اكتسب عبد الله أحمد عبد الله لقب ميكى ماوس الذى أصبح مرتبطا  طوال حياته واشتهر به على الدوام؟

نجيب بان عبد الله فى شبابه وتحديدا عام 1938 كان يعمل فى جريدة صغيرة اسمها الحديقة والمنزل،  وكان وقتها يكتب أزجالا على صفحاتها، وذات يوم فارق فى تاريخ عبد الله جاء له رئيس التحرير إسماعيل كامل  برسم كاريكاتورى نشرته مجلة لايف  الفرنسية عن ميكى ماوس، وطلب  منه أن يكتب زجلا يناسب الرسم، وكتب عبد الله زجلا جميلا أعجب به رئيس التحرير فطلب منه أن يوقعه باسم ميكى ماوس، فلما نشر الزجل وعليه توقيع ميكى ماوس  التصق اللقب باسم عبد الله وأصبح مرتبطا به طوال حياته.

كان والد عبد الله أزهريا ولاحظ موهبة ابنه وقدراته فى البلاغة واللغة العربية وتوقع له مستقبلا صحفيا باهرا فى الصحافة الدينية التى أراد توجيهه إليها، لكن الفتى كانت له ميول فنية مبكرة فكتب منذ عام 1934 ، ومع بداية إرسال الإذاعة المصرية فى جريدة الراديو بابا صحفياً بعنوان عفريت الراديو، وكتب عبد الله  قصيدة زجلية تنتقد معاهدة 36 انتقادا شديدا قال فيها:

المعاهدة وضبوها.. ثم قالوا لنا اشربوها

الله يخرب بيت أبوها.. دى معاهدة مع الشيطان

تعملوا زفة وركبة.. المعاهدة ديا نكبة

وبريطانيا فوقنا راكبة.. زودوها ركوب كمان 

وبسبب هذا الزجل العنيف تعرض عبد الله أحمد عبد الله للحبس والاعتقال،

وفى ذلك العام 1936 كان عبد الله يحرر  فقرة فكاهية بعنوان قانون الضحك العام  فى مجلة ساخرة اسمها ألف نكتة ونكتة لصاحبها حسين فوزى، الذى أصبح بعد ذلك المخرج الشهير المعروف، وكانت تصدر فى الإسكندرية، وقيل إنه بسبب انشغال عبد الله بالعمل فى الصحافة الفنية لم يكمل تعليمه الثانوى، فيما ذكر آخرون أن ميكى ماوس أكمل فقط تعليمه حتى البكالوريا ثم انخرط انخراطا كليا فى العمل الصحفى، وفى الصحافة الفنية والفكاهية لدرجة  أنه كان يعمل فى حوالى 13 صحيفة ومجلةفى وقت واحد وكان سكرتيرا لتحرير مطبوعات مهمة  مثل روز اليوسف والسياسة والشعلة.

 حكايات ميكى ماوس

أصبح عبد الله أحمد عبد الله ميكى ماوس أشهر محرر فنى فى مصر غير أنه صار أيضا مؤرخا فنيا من الطراز الرفيع يعرف كل كبيرة وصغيرة عن أحوال وأخبار وأسرار النجوم، لذلك كان طبيعيا أن يقدم ميكى ماوس برنامجا تليفزيونيا يؤرخ فيه لكثير من نجوم الفن المصرى وأسرارهم وحكاياتهم اسمه نجوم لها تاريخ..  كما قدم أيضا برنامج حكايات ميكى ماوس، وقد حكى وأذاع ميكى ماوس كثيرا من أسرار أساطير التمثيل فى مصر مثل حسين رياض وزكى رستم وزكى طليمات ناهيك عن كثيرين من نجوم الأجيال التالية لهؤلاء العمالقة مثل صباح و رشدى أباظة وعمر الشريف، وقد كشف ميكى ماوس كثيرا من حكايات نجوم الفن المصرى منها مثلا.. مشهد الماستر سين فى فيلم هذا جناه أبى بين زكى رستم وصباح حين استفزت صباح زكى رستم فى أثناء اندماجه فى دوره كمحام يدافع عن  الفتاة البريئة المتهمة بجناية قتل الواقفة فى القفص، فإذا بها تقوم بحركات صبيانية نكاية فى منتجة الفيلم آسيا تخرج زكى رستم عن تركيزه فإذا به يهجم عليها هجوما ضاريا، ولم ينقذها منه إلا حظها الحسن حين    عرقلت بعض الأشياء الموجودة فى قاعة تصوير المشهد زكى رستم فسقط أرضا قبل أن يفتك بصباح.

 وكان عبد الله أحمد عبد الله هو أول من ابتكر التسويق التجارى والدعاية التجارية فى السينما المصرية، وعمل بشكل رسمى مديرا للدعاية لعدد من الأفلام مثل.. عفريتة إسماعيل ياسين، ونحن بشر وبنات بحرى وكفاية يا عين وتفاحة آدم وسرى للغاية.

 عاشق الصحافة الفكاهية

 ولم تكن الصحافة الفنية والتاريخ الفنى هما المجالان المحببان فقط لميكى ماوس، لكنه كان عاشقا كبيرا للصحافة الفكاهية فهو واحد من أبرز أساتذتها وروادها فى تاريخ الصحافة المصرية، وله كتب ومؤلفات تؤكد على تفرده فى هذا المجال نذكر منها.. كتب الصحافة الفكاهية و50 سنة فكاهة وألوان من الضحك واضحك يضحك لك العالم.

وكان ميكى ماوس صاحب أسلوب طريف محبب وخاص فى الكتابة له إيقاعه الخفيف، وكان يتميز بتضفير اللغة العامية بين ثنايا اللغة الفصحى  فيبدو أسلوبه دائما متفردا وخفيفا ومحبوبا، وتميز عبد الله أحمد عبد الله بقدرته الباهرة فى المعارضة الشعرية التى كان يستدعى فيها نماذج شعرية قديمة وحديثة معاصرة، فهو مثلا قد عارض معلقة عمرو بن كلثوم،   كما عارض قصيدة شوقى رمضان ولى ونظم فى معارضتها شعرا يقول:

ألا هاتى خشافك فطرينا... رعانا الله قوما صائمينا

قضينا اليوم فى صوم ونسك... ونعم الصوم صوم الناسكينا

... على هدى الإله نصوم شهرا.. لوجه الله رب العالمينا

على ود على حب ونور... نصوم مع الدنا دنيا ودينا

 وقد رأس ميكى ماوس تحرير مجلة البعكوكة أشهر المجلات الفكاهية المصرية بعد رحيل مؤسسها محمود عزت المفتى التى كانت تخاطب القارئ هكذا: جريدة تصدر حسب التساهيل.. لسان حال الغلابة اللى زيى وزيك شارع آنست يا نور العين.. نمرة لا طلعت ولا نزلت.. صاحبها مالوش دعوة بيها.. قارئها ما يستغناش عنها.. وقد كان مؤسس هذه الجريدة الفكاهية العريقة محمود عزت المفتى هو أول من أدخل الاشتراك الشهرى والسنوى للقراء فى شراء المجلة التى كانت توزع 160 ألف نسخة، وكانت تحفل بأبواب غاية فى الطرافة والظرف والفكاهة الجميلة مثل الشيخ بعجر ودكتور مكسوريان وأم سحلول  ومغامرات هواش بكاش وشاعر البعكوكة الهجاص.

 ظهرت هذه المجلة الفكاهية لتكمل مسيرة عدد من المجلات الفكاهية العريقة مثل التنكيت والتبكيت  والكشكول وحمارة منيتى لتتسلم البعكوكة راية الصحافة الفكاهية، وليكمل عبد الله أحمد عبد الله مسيرتها بعد وفاة مؤسسها ليحافظ لها على وجودها وتأثيرها وريادتها غير أنها بمرور الزمن وبتفاعل الأحداث الكبيرة فى تاريخ مصر المعاصر وطغيانها، تعرضت البعكوكة  للتراجع كان طبيعيا قياسا إلى ظروف وأوضاع مجتمع كانت نسبة التغيير فيه كبيرة وهائلة.

تميز النصف الأول من القرن العشرين بانتشار ظاهرة الصحافة الفكاهية على نطاق واسع، وقد وجد فيها المصريون وسيلة مؤثرة لجلد الاحتلال والملكية  بالسخرية والنكتة والضحكة، وظهرت عشرات الصحف والمجلات الفكاهية مثل الضحوك وأبو نواس وآخر نكتة وألف صنف،  بالإضافة الى البعكوكة التى كانت درة تاج الصحافة الفكاهية، وقد أنشاها محمود عزت المفتى فلما رحل  تولى عبد الله احمد عبد الله مهمة إصدارها،  وحمل على عاتقه  أعباء مالية ومواجهة  مستمرة للسلطة لتستمر البعكوكة عشرين عاما من عام 1934وحتى عام 1953، وهو رقم قياسى لاستمرار مجلة فكاهية فقد كانت أغلب الصحف والمجلات الفكاهية آنذاك لا تستمر أكثر من  أشهر معدودة   بسبب هجومها اللاذع على الاحتلال والحكومات المتعاقبة التى كانت تطارد هذه الصحف والمجلات، وقد أفرزت تلك الفترة وما سبقها كتابا ساخرين كبارا مثل عبد البشرى وعبد القادر المازنى وفكرى أباظة ومحمد مصطفى حمام وطه حراز،   وجاء ميكى ماوس ليكون حلقة فى هذه السلسلة العظيمة من  الكتاب الساخرين.

كان ميكى ماوس  متعدد المواهب فقد عمل فى السينما كمساعد مخرج وكتب سيناريو عدد من الأفلام مثل نور العيون وحلوة وكدابة وأبو الدهب، وكتب كثيرا عن السينما وحكاياته فيها فى كتابه  60 سنة سينما، وألف للإذاعة أوبريت آدم وحوا، وكتب عشرات التمثيليات الإذاعية، وكان  أول من كتب الفوازير، كما  كتب أوبريت عويس ومسعدة  فى أول يوم إرسال للتليفزيون المصرى فى 23 يوليو عام 1960 بتكليف من الدكتور عبد القادر حاتم، وكتب أيضا أول رسوم متحركة للتليفزيون المصرى بعنوان سلامة وبيسة، وألف  ميكى ماوس ديوانين من الزجل الجميل هما فتافيت السكر والحلويات، وكتب  عددا من كلمات الأغانى منها أغنيتان لمحمد قنديل هما على فكرة ازيهم والحلو ابو شامة.. باختصار كان ميكى ماوس كاتبا وفنانا متعدد المواهب فى كل مجالات الكتابة، وكان ظريفا يتمتع بخفة دم مصرية محببة كما كان متواضعا ورجلا مصريا شعبيا يعيش وسط أبناء البلد البسطاء الطيبين، و  قد رسا المقام بميكى ماوس بعد رحلة صحفية وفنية سينمائية طويلة  ككاتب فى جريدة المساء كان يحرر بابا فنيا هو انت تسأل وميكى ماوس يجيب، وظل يكتبه حتى رحيله فى الثامن عشر من ديسمبر عام 1996 عن عمر ناهز السابعة والسبعين.. رحمه الله.

 


 	محمود مطر

محمود مطر

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

شرابات رجالية قطن: أهم المميزات وكيف تختار الجورب المناسب لك

في عالم أصبحت التفاصيل الصغيرة جزءًا أساسيًا من جودة الحياة اليومية، لم يعد اختيار الشرابات أمرًا ثانويًا أو قرارًا سريعًا...

قصة مصورة - سكة سفر

 وحدهم في الشارع الخالي فى الصباح الشتوى المبكر .. الدنيا غارقة، وسيول المطر أبقت الناس في بيوتهم، فلا وجود لشخص...

حكاية القط الخارق فى رواية السيد شحتة

«الأيام الأخيرة فى حياة فرويد».. رحلة فى عالم الذكاء الاصطناعى والتحولات الرقمية محاولة سردية لتقديم صورة غير وردية لعالم يتجرد...

الشريف السنوسى.. عدو الاستعمار الأوروبى فى قارة أفريقيا

شخصيات لها تاريخ «98» تربى فى الزاوية الأكثر أهمية فى تاريخ الحركة السنوسية بواحة الجغبوب وتولى قيادة الحركة بعد رحيل...