ثورة «الضباط الأحرار» من الميدان إلى البرلمان

ليس فى قانون "الثورات" قاعدة يصلح تطبيقها فى كل البلدان، لكن هناك ثورات تشبه بلدانها، وهناك ظروف تجعل "قيادة الثورة " خاضعة لها، وفى "مصر" كانت القوى المدنية الحديثة

ليس فى قانون "الثورات" قاعدة يصلح تطبيقها فى كل البلدان، لكن هناك ثورات تشبه بلدانها، وهناك ظروف تجعل "قيادة الثورة " خاضعة لها، وفى "مصر" كانت القوى المدنية  الحديثة الطامحة للتغيير وتوزيع الثروة بصورة عادلة وطرد المحتل البريطانى، أضعف من أن تنظم نضالا شعبيا يؤدى إلى تشكيل قيادة ثورية تقود خطة الثورة وتطبق البرنامج الثورى، فكانت "القوات المسلحة" هى التى دفعت  الظروف بها لتقوم بعملية التغيير الثورى، وشهدت مرحلة ما بعد 23 يوليو 1952 صراعات بين الثوار ـ العسكريين ـ وأنفسهم، وبينهم وبيـــــن  "الوفد" و"الإخوان" و"الحركة الديمقراطية للتحرر الوطنى" وهى حركة "شيوعية،" اتفقت مع "الضباط الأحرار" وأسهمت  فى نجاح الثورة، ثم انتهى التعاون إلى صدام، وهو الأمر الذى حدث مع القوى السياسية الأخرى..

فى الحلقتين السابقتين تناولنا العلاقة بين "الضباط الأحرار،" والإخوان والشيوعيين، وقلنا إن "الإخوان" كانوا "محطة قصيرة" فى حياة "عبدالناصر"، مؤسس تنظيم "الضباط الأحرار،" وهو التنظيم العسكرى "الوطنى،" الذى استوعب ضباط الجيش الوطنيين، المهزومين نفسيا منذ حادث" 4 فبراير 1942" الذى أهين فيه "الملك فاروق" القائد الأعلى للقوات البرية والبحرية المسلحة، الذى يقسم الطالب فى الكلية الحربية على الولاء له ولعرشه، وللوطن، ورغم "الجرح النفسى" الذى شعر به ضباط الجيش المصرى وهم يرون بعيونهم "مصطفى النحاس باشا" يأتى إلى الحكم على "ظهر دبابة إنجليزية،" اقتحمت قصر عابدين  لتكسر أنف "فاروق" وتجبره على تكليف رئيس حزب "الوفد" بتشكيل الحكومة، وتوالت الأحداث، ليضيع "الحب" الذى حمله ضباط الجيش لجلالة الملك "القائد الأعلى" للجيش، وتحل "الكراهية" محله، لأنه دفع بهم إلى "حرب فلسطين ،"ليقاتلوا عصابات الصهيونية، من دون أن يكون لديهم القدر الكافى من التدريب، والذخيرة والسلاح، فسافروا، وحاربوا، وعادوا مهزومين، وبداخل كل واح د منهم رغبة عارمة فى القضاء على "الملك الفاسد" الذى قتل الجنود والضباط فى حرب لم تكن خاضعة للعلم، بل كانت حربا استهدفت، تثبيت دعائم "الحكم الملكى" الآيل للسقوط.

وكان "الضباط  الأحرار" حاضرين مشهد الحرب الشعبية "حرب الفدائيين" التى اندلعت فى منطقة "قناة السويس" والمدن المحيطة بها" الإسماعيلية  وبورسعيد والسويس"، فقدموا السلاح  ـ المختلس من مخازن الجيش ـ للقوى الشعبية التى حملت السلاح فى  قناة السويس عقب قيام " النحاس باشا" بإلغاء "معاهدة 1936"، والتنسيق كان قائما بين" الأحرار" و"الشيوعيين" و"الإخوان" داخل  معسكرات الجيش، فكل القوى السياسية استطاعت أن تخلق" خلايا" لها داخل الجيش، ولكن "الأحرار" استوعبوا الشيوعيين واستفادوا من خبراتهم فى العمل السياسى السرى، وقطعوا العلاقة ـ تماما ـ مع الضباط المنتمين لجماعة " الإخوان"، رغم أن "الميدان" ميدان الحرب فى فلسطين ـ هو الذى خلق فكرة "الخلاص من الملك "الفاسد،"  إلا أن" الميدان" الآخر فى "معركة القنال"، ضد الاحتلال البريطانى، أفاد "الضباط الأحرار "وأعطاهم" الثقل الوطنى" داخل  الجيش، وداخل المجتمع السياسى المصرى، وكان  نجاح "العملية نصر" ليلة" 23 يوليو 1952" هو البداية للتغيير فى المجتمع المصرى، و"نصر" هو اسم "التحرك العسكرى" الذى قامت  به القوات التابعة لتنظيم "الضباط الأحرار،" ولكن بعد هذا النجاح، وقعت وقائع كثيرة جعلت الضباط المسيطرين على "مقاليد الحكم" يتحركون للصدام مع القوى الموجودة فى المجتمع، مثل "العائلة المالكة" و"الباشوات الإقطاعيون " ملاك آلاف الأفدنة، وخلال ثلاثة أيام أعقبت نجاح الحركة العسكرية، قرر الضباط "الحكام "إجبار "الملك فاروق "على التنازل عن العرش لولى عهده "الأميرأحمد فؤاد"، وخرج "فاروق" إلى "إيطاليا"، ويتخذه ا منفى اختياريا، حتى موته، وفى الشهور التالية لنجاح الحركة العسكرية، اتخذ "الضباط الأحرار" قرارا مهما، هو" مصادرة أملاك العائلة المالكة" وتخصيصها لبناء مدارس ووحدات صحية فى القرى المصرية، وقرارا آخر لا يقل أهمية هو "تحديد الملكية الزراعية" توزيع الأراضى على الفلاحين الفقراء، وهو القرار الذى خلق "جماهيرية" للضباط الأحرار فى الريف، ومن المهم التوقف أمام قضية "السلطة " و"الديمقراطية" و"الأحزاب"  و"الحياة النيابية"، فهذه القضايا "المركبة"، كان استقبال الضباط الأحرار لها مختلفا عن استقبال القوى السيا سية القديمة لها، فالحزب الشعبى الذى كان فى "السلطة" وقت قيام "ثورة الضباط الأحرار"  كان يرى أن "الديمقراطية" هى الوسيلة الوحيدة للحكم، وأداتها "صندوق الانتخاب"، وكان "الإخوان" يعتقدون أنهم القوة الشعبية ذات الجذور الضاربة فى الريف والمدن الصغيرة، وكانوا  يحرضون الضباط الأحرارـ الحكام الجدد ـ على عدم تطبيق "الديمقراطية" التى كانت كلمة "سيئة السمعة" فهى التى كان يحكم بها الملك ويلهو بالحكومات، مستفيدا بالمواد المنصوص عليها فى "دستور1923" التى تعطيه حق تشكيل الحكومات وحق تسريحها، وكانت "الطبقة المتوسطة" تعانى وتكره مفردات "الديمقراطية"، "الأحزاب" ،"الحياة النيابية"، وهذا جعل أسلوب الحكم الذى اتبعه "الضباط الأحرار" هو الحكم العسكرى، بمعنى أن "تنظيم الضباط الأحرار" كان يضم فى عضويته "مائة ضابط ،"ومنهم اختير أعضاء "مجلس قيادة  الثورة"، وكان "الحوار" هو الأداة  التى  يستخدمها أعضاء "مجلس قيادة الثورة" مع "تنظيم الضباط الأحرار"، حتى ظن "الضباط الأحرار" أنهم "البرلمان" الذى يعبر عن رغبات الشعب، بعد حل برلمان "الوفد"، وإلغاء "دستور1923"، وكان أعضاء "مجلس قيادة الثورة " يحكمون البلاد، مع رئيس لهم "اللواء محمد نجيب" ، فلا هو يستطيع الانفراد بالقرار، ولا هم يستطيعون، ولأن" محمد نجيب" يحمل تصورا عن الحكم والسلطة، يختلف عن التصور الذى يحمله "عبدالناصر" القائد الفعلى لحركة "الضباط الأحرار" والمؤسس للتنظيم، فكان من الطبيعى أن يقع الصراع بين "عبدالناصر" و"نجيب،" وكان"مجلس قيادة الثورة" ينحاز إلى "عبدالناصر"، وكان "نجيب" مشغولا بالتواجد الجماهيرى والإعلامى والتمتع بمظاهر السلطة، وجاءت "أزمة مارس 1954" لتخرج الصراع المكتوم بين التصورين أو الرجلين، إلى العلن، ويصبح الأمر صراعا مكشوفا ومريرا، فقد استقال "محمد نجيب"، وعاد بعد الاستقالة، وانقسم "الشارع المصري"، وأصبح الفلاحون الذين استفادوا من قرارات  "مصادرة أملاك عائلة محمد على، وأملاك الباشوات "يدافعون عن "ثورة الضباط الأحرار،" ويعتبرون "نجيب" هو "الرمز" الذى  يجب أن يظل فى الحكم، رغم أن "تنظيم الضباط الأحرار" هو من إبداع "عبدالناصر"، لكن "الشعب" رأى"محمد نجيب"، الضابط الطيب المبتسم الذى وزع الأرض على الفلاحين، ولم يكن أحد يعرف "عبدالناصر،" ولكن فى العام 1954، عرف الناس عبدالناصر، الذى نجا من الاغتيال فى "ميدان المنشية" بالاسكندرية، وهو الذى تولى منصب"وزير الداخلية" ومنصب "رئيس الوزراء"، وكان "مجلس قيادة الثورة " قد حدد فترة الانتقال من "الحكم الثورى" إلى "الحكم المدنى" بثلاث سنوات "من 16 يناير 1953" حتى"16يناير1956"، ولكن لنتوقف قليلا أمام  "أزمة مارس 1954"، وهى التى يعرفها المؤرخون باسم" أزمة الديمقراطية"، وفيها ظهر الضابط "خالد محيى الدين " فى صورة المدافع عن "الديمقراطية" و"الحياة النيابية"، واعتقد الناس أنه من "رجال، محمد نجيب"، والحقيقة أن"محمد نجيب" كان يدافع عن "منصب رئيس الجمهورية" الذى منحه له"الضباط الأحرار"، أما "خالد محيى الدين" فقد كان مدافعا عن "الديمقراطية " والحياة النيابية، منذ اليوم الأول للحركة العسكرية التى قام بها تنظيم "الضباط الأحرار"، وعندما وقعت أحداث "أزمة 1954"، انحاز "سلاح الفرسان "إلى" محمد نجيب"، وكان "خالد محيى الدين" هو المحرك لهذا السلاح، فظن "أعضاء مجلس قيادة الثورة" أن  "خالد" و"نجيب" يخططان للانقلاب على "ثورة الضباط الأحرار"،وانتهى الموقف، بتعيين "خالد" رئيسا للوزراء، وعودة محمد نجيب للسلطة، وبعد فترة قصيرة، استعاد "مجلس قيادة الثورة " زمام الأمور، وتم إبعاد "خالد محيى الدين" إلى "سويسرا"، وتحديد إقامة "اللواء محمد نجيب"، ومضت الأيام، وكان" عبد الناصر" قد نجا من محاولة" الإخوان" لاغتياله فى "ميدان المنشية " بالإسكندرية، وانفرد بالساحة، وانتصر على خصومه، وفى العام 1956، جرى الإعلان عن "الدستور" وطرحه على الشعب للاستفتاء عليه، وتضمن "الدستور" النص على ترشيح "قائد الثورة" جمال عبد الناصر، لمنصب رئيس الجمهورية، ووافق الشعب على الدستور، ووافق على"جمال" واختاره رئيسا للجمهورية، وطويت صفحة "نجيب وفاروق والوفد والإخوان" وألغيت الأحزاب، وأصبح المصطلح الذى يتكرر على  ألسنة الجماهير هو"الديمقراطية الاجتماعية " وترجمتها "توزيع الثروة" على الطبقات المحرومة، ولكى يكون هناك "وعاء جماهيرى" لتنظيم "الدعم والتأييد "لثورة "الضباط الأحرار" ظهرت على الساحة تنظيمات سلطوية مثل "هيئة التحرير" و"الاتحاد القومى" و"الاتحاد االاشتراكى"، وكلها تنظيمات ورقية، لم تحقق المأمول منها، وهنا نقتطف عبارات قالها "خالد محيى الدين" فى مذكراته التى حملت عنوان "والآن أتكلم" تعليقا على "أزمة مارس 1954" أو "أزمة الديمقراطية: " 

"انتصر "عبدالناصر" فى"مارس 1954"، لكنه لم يدرك أن كسب جولة، شىء، وكسب المسار التاريخى شىء آخر، وفى اعتقادى أن "هزيمة 1967" لم تكن هزيمة عسكرية، بل هزيمة سياسية لنظام فشلت آلياته فى اكتشاف ما إذا كانت البلاد جاهزة للحرب أم لا"..

ورغم انتهاء "ثورة الضباط الأحرار" بنهاية حياة قائدها "جمال عبد الناصر" فى يوم"28 سبتمبر 1970" إلا أنها ما زالت تشغل المؤرخين، وما زالت رغم كل النجاح والفشل الذى عرفته تمثل ثورة "التحرر الوطنى" والاستقلال السياسى والاقتصادى الذى دفع الشعب المصرى ثمنه، وحارب من أجله، وقدم الشهداء، فالوطن عندالمصريين مقدس، وحبه عندهم يأتى بعد حب "الله" عزوجل. 

 


 	خالد إسماعيل

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

شرابات رجالية قطن: أهم المميزات وكيف تختار الجورب المناسب لك

في عالم أصبحت التفاصيل الصغيرة جزءًا أساسيًا من جودة الحياة اليومية، لم يعد اختيار الشرابات أمرًا ثانويًا أو قرارًا سريعًا...

قصة مصورة - سكة سفر

 وحدهم في الشارع الخالي فى الصباح الشتوى المبكر .. الدنيا غارقة، وسيول المطر أبقت الناس في بيوتهم، فلا وجود لشخص...

حكاية القط الخارق فى رواية السيد شحتة

«الأيام الأخيرة فى حياة فرويد».. رحلة فى عالم الذكاء الاصطناعى والتحولات الرقمية محاولة سردية لتقديم صورة غير وردية لعالم يتجرد...

الشريف السنوسى.. عدو الاستعمار الأوروبى فى قارة أفريقيا

شخصيات لها تاريخ «98» تربى فى الزاوية الأكثر أهمية فى تاريخ الحركة السنوسية بواحة الجغبوب وتولى قيادة الحركة بعد رحيل...