أسطورة بنت الشاطئ صنعتها امرأة أُمية

فى مذكراتها وذكرياتها كانت الدكتورة بنت الشاطئ من الكرم والأصالة أن منحت امتنانها وشكرها لكل أصحاب الفضل فى مسيرتها ونجاحها، ظلت تحفظهم بالاسم ولم تنس كل من علمها

فى مذكراتها وذكرياتها كانت الدكتورة بنت الشاطئ من الكرم والأصالة أن منحت امتنانها وشكرها لكل أصحاب الفضل فى مسيرتها ونجاحها، ظلت تحفظهم بالاسم ولم تنس كل من علمها حرفا: من شيخ الكُتاب فى "شبرا باخوم" قرية والدها، إلى شيوخها الأوائل فى دمياط-بلد أمها- الذين تلقت على أيديهم العلوم الشرعية.

لم تنس محمد جبر والخضرى وبدوى، بل والشيخ إبراهيم مصباح الذى علمها فن الخط العربى.. وكذلك لم تنس أساتذتها ومرشديها فى سنوات دراستها بالقاهرة، من الشيخ دسوقى جوهرى الذى قرأت عليه التاريخ الإسلامى، إلى الشيخ موس قمر الذى درست على يديه علم البلاغة، إلى الشيخ مصطفى عبد الرازق الذى شربت منه الفلسفة الإسلامية، إلى مصطفى السقا الذى نهلت من فيضه فى النحو والصرف، إلى الشيخ فرج السنهورى الفقيه الموسوعى.. وصولا إلى أستاذ الجيل أحمد لطفى السيد، جارها وأستاذها الذى فتح لها آفاقا رحبة من المعرفة، وعميد الأدب العربى طه حسين الذى أشرف على رسالتيها فى الماجستير والدكتوراه فى شعر "المعرى".. بل لم تنس معلماتها فى مدرسة "اللوزى" الأميرية للبنات بدمياط ومدرسة المعلمات بالمنصورة ومدرسة المعلمات بحلوان.. لكن بالرغم من الدور المهم والمؤثر الذى لعبه كل هؤلاء فى حياة بنت الشاطئ إنسانيا ومهنيا فإننا يمكننا أن نقف طويلا عند شخصيتين بالذات: امرأة ورجل، كانا هما الأهم والأخطر فى تلك المسيرة، بل لولاهما ما كانت بنت الشاطئ، وما وصلت إلى ما وصلت إليه من شهرة ومجد.

 (1)

أما المرأة فهى أمها، تلك السيدة الدمياطية البسيطة التى قررت أن تضحى بكل شيء وأى شيء فى سبيل تعليم ابنتها.. فعندما قرر الأب أن يحرم عائشة من طموحها، وأن يصدر فرمانه بعقلية أب ريفى ورجل دين فى مجتمع شديد المحافظة، بأن يسحب أوراق ابنته من مدرسة المعلمات بالمنصورة، وأن يعيدها إلى البيت اكتفاء بما حصلته من علم وتعليم، وأن يفرض عليها التقاليد "المقدسة" التى تمنع البنات وبنات الشيوخ بالذات من مواصلة مراحل التعليم بعد وصولهن لسن البلوغ.. عندها كان السيناريو المنتظر هو أن تلحق عائشة بمصير بنات جيلها، وأن تدفن نبوغها وتفوقها على باب بيت الرجل الذى يرضاه لها والدها زوجا.. هنا تتدخل الأم لتنقذ عائشة من مصير محتوم، وتنقذ هذه الشعلة المتقدة من الذكاء والنباهة والتفوق، والذى أثبتته بجداره وجعلها الأولى على القطر المصرى فى امتحان الكفاءة عام 1929.

بذكاء فطرى نادر سافرت إلى رجل بعينه رأت أنه الوحيد الذى لن يرد له الأب كلمة، وهو شيخه "منصور أبو هيكل الشرقاوي"، وفى مقره بقريته بمحافظة الشرقية راحت تستعطف الشيخ وتقنعه بأن يتدخل لدى والد عائشة ليسمح لها باستكمال تعليمها، ورق قلب الشيخ ولم يكن أمام الأب سوى الرضوخ.. لكن فرحة الأم لم تكتمل، فعندما أخذت عائشة وسافرت إلى المنصورة لتلحقها بمدرسة المعلمات فوجئت أن وقت التقديم قد فات، ورق قلب مديرة المدرسة لدموع الأم فأعطتها خطاب توصية لإلحاقها بمدرسة جديدة للمعلمات فى حلوان، وتوقعت عائشة أن تستسلم أمها لقدرها وتعود بها إلى دمياط لتواجه قدرها المحتوم.. أو على الأقل لتدبر أمر السفر للقاهرة، لكنها فوجئت بموقف لم يخطر لها على بال وكان سببا فى تغيير مصيرها.. فى مذكراتها تحكى بنت الشاطئ: "وخرجنا من مدرسة المنصورة وفى ظنى أن أمى سوف تعود بى إلى دمياط ريثما تدبر أمر الرحلة إلى مدينة حلوان التى لم نكن سمعنا باسمها من قبل ولا كان لنا علم بطريقة الوصول إليها وما يتكلفه من نقود.. لكن أمى لم تلبث فى المنصورة إلا ريثما باعت إسوارا ذهبيا كانت تتزين به وقطعت لنا تذكرتى سفر بالدرجة الثالثة فى أول قطار إلى القاهرة، وألقى بنا القطار فى ضجيج الزحام بمحطة مصر ضائعتين لا نكاد ندرى موضع أقدامنا فى ذلك العالم الصاخب المجهول، وأذكر أننى أغمضت عينى كأنى أتقى شبح الضياع، على حين مضت أمى تسأل من تتوسم فيهم الخير عن طريق الوصول إلى شارع زين العابدين بالسيدة زينب، حيث كان خالها يسكن فى بيت يملكه هناك.

"وصحبنا الخال إلى حلوان لنفاجأ بأن المدرسة الجديدة لن تبدأ الدراسة فى ذلك العام إلا بفصول الفرقة الأولى، وتشاغلت ناظرة المدرسة عن لمح ما بدا علينا من بوادر الخيبة بقراءة الخطاب الذى حملناه إليها من المنصورة، ثم أقبلت علينا بوجه باش فأعربت عن ترحيبها بقبولى لو تنازلت عن حقى فى دخول السنة الثانية التى نجحت فى امتحان القبول بها.. ووقع خالى إقرار التنازل ونحن لا نكاد نصدق أن باب الفرج قد فُتح أمامنا بعد يأس غالب.. وأحست أمى كأن عبئا ثقيلا أزيح عن كاهلها فاسترسلت متأثرة بلطف حضرة الناظرة وأنس محضرها تفضى إليها بما لقيناه فى طريقنا من نصب.. فما كان من السيدة الكريمة إلا أن أذنت لى فى الاقامة بالمدرسة إلى أن يحين موعد افتتاح الدراسة بعد أسبوعين.. وودعتنى أمى وهى مطمئنة إلى رعاية الله لى فى ضيافة هذه السيدة الطيبة.. وعادت إلى دمياط لتقف وحدها فى مهب الإعصار وعلى وجهها نور الاستشهاد".

ويمكنك أن تعود إلى مزيد من التفاصيل والحكايات والمواقف فى مذكرات بنت الشاطئ التى تحمل عنوان "على الجسر.. بين الحياة والموت" لتدرك أنه لولا هذه الأم المقاتلة ما سمعنا عن مفكرة مرموقة قدر لها أن تكون ملء السمع والبصر اسمها بنت الشاطئ.

(2)

ساق لها القدر هذه الأم المذهلة فى شجاعتها لتلتحق بالمدرسة.. ومنها إلى كلية الآداب بجامعة القاهرة لتبدأ مشوار نبوغها العلمى.. وفى الجامعة ساق لها القدر هذا الرجل المذهل الذى غيّر مسار حياتها..

ومثلما وقفت بنت الشاطئ فى وجه المجتمع وتحدته وأصرت على تحقيق حلمها العلمى، فقد وجدت نفسها من جديد تتحدى المجتمع وتقف فى وجه الدنيا من أجل رجل رأت فيه حلم حياتها وفارسها، وامتلكت الشجاعة لأن تكتب عن حبها العظيم له: "تجلت فينا ولنا وبنا آية الله الكبرى الذى خلقنا من نفس واحدة، فكنا الواحد الذى لا يتعدد والفرد الذى لا يتجزأ، وكانت قصتنا أسطورة الزمان، فلم تسمع الدنيا بمثلها من قبلنا وهيهات أن تتكرر إلى آخر الدهر".. وفيه كتبت شعرا من أجمل وأصدق ما كتبت امرأة فى رجل وحبيبة فى حبيب، وهل هناك أروع وأرق من تلك الأبيات التى كتبتها إليه فى ذكرى رحيله الأولى:

مضى عام وما زلت هنا/ أثقل الخطو على الجسر إليك

مرت الأيام تعذونى الجوى / كيف لم أهلك حزنا عليك

كلمت قلت دنا ميعادنا / خاننى الظن ولم أرحل إليك

مزقت أيدى المنايا شملنا/ وأرانى دائما بين يديك

فقد اعتبرت حياتها بعد رحيل زوجها وحبيبها وأستاذها الشيخ أمين الخولى مجرد سراب، ومحطة انتظار عابرة فى طريقها إليه فى الآخرة، ورغم أنها عاشت طويلا بعده (توفى عام 1966 ورحلت هى 1998) إلا أنها ظلت وفية له مخلصة لحبه عارفه بفضله معتبرة أنها بعده (على الجسر) الفاصل بين الحياة والموت تنتظر لحظة العبور إليه، وهو المعنى الذى قصده الأستاذ هيكل عندما كتب يودع بنت الشاطئ يوم رحيلها: إنها صداقة عمر وصحبة زمن ورفقة أيام وليال طوال حتى جاء عليها الدور لعبور الجسر من هذه الحياة إلى الضفة الأخرى، وقد عبرت فى سكون وكرامة وكبرياء.. سلام عليها هناك على الضفاف التى تشوقت إليها طويلا حتى تلحق بمن أحبت وافتقدت فى سنى حياتها الأخيرة".

المدهش أن قصة الحب الأسطورية التى جمعت بين بنت الشاطئ والشيخ أمين الخولى بدأت بخناقة عارمة، فقد سمعت به بنت الشاطئ قبل أن تراه واستغربت أن يتحدث عنه تلاميذه ومريدوه بكل هذا الزهو والإعجاب، إذ كانت تظن أنه لن يضيف إليها شيئا عندما جاءت لتدرس فى كلية الآداب وهى التى تربت على أمهات الكتب وقرأت فى مكتبة والدها عيون التراث وأعمدة كتب الفقه والحديث والتفسير وحفظتها ووعتها.. فما الجديد الذى يمكن أن يقوله هذا الرجل؟!

بهذه الروح من التحدى حدث اللقاء بين الأستاذ والتلميذة، كان الشيخ الخولى يُدرس مادة علوم القرآن بقسم اللغة العربية، وطلب من كل طالب فى القسم أن يختار مبحثا يعد عنه ورقة بحث مختصره يناقشه فيها، واختارت بنت الشاطئ أن تعد بحثا عن (نزول القرآن) وراحت تستعد للمواجهة أو ما ظنته كذلك، وكان الشيخ الخولى معروفا بجديته وصرامته وهيبته التى رسخت فى قلوب تلاميذه، فالتفوا حوله ينهلون من فيض علمه، وأسسوا جمعية ثقافية من محبيه ومريديه أطلقوا عليها (جماعة الأمناء) وكان من أبرز أعضائها صلاح عبد الصبور وعبد القادر القط وعبد الحميد يونس وفاروق خورشيد وأنور المعداوى وعز الدين إسماعيل.. مع حفظ الألقاب والمقامات، فجميعهم أصبحوا نجوما فى الحياة الأدبية والثقافية فيما بعد وكانت تلمذتهم على يد الشيخ الخولى مصدر فخار لهم وزهو.. كان الشيخ بحق رجلا متفردا بعلمه الفياض وعقله المستنير وشخصيته الجذابة، كان على حد وصف أستاذنا خيرى شلبى: (أمة وحده.. يعتبره المؤرخون أنضج العقول التى لبست العمامة على طول التاريخ المصرى الحديث ويضرب به المثل فى عظمة الإسلام المصرى واتساع أفقه وتحرره العقلى).. كما أن السنوات التى عاشها فى أوروبا أكسبته ثقافة عصرية ومنهجية فى الإقناع ورؤية شمولية للدين والحياة.

وجاء اليوم الموعود، ووقفت الطالبة عائشة عبد الرحمن لتلقى بحثها أمام الشيخ المهيب، وبكل ثقة عرضت البحث وبكل صرامة انتقدها، فقد بدأت بمقدمة تتخللها كلمة (أرى) فقاطعها ساخرا: هذا بحث علمى وليس مقالة صحفية!، فردت متحدية بأنها مجرد مقدمة للدخول إلى البحث، فسلقها من جديد بسخريته اللاذعة: حضرتك عاملة (كوريدور)؟ ما تدخلى فى الموضوع على طول!

ودخلت بنت الشاطئ فى الموضوع وعندما انتهت من بحثها الرصين ظنت أنها فازت فى المواجهة، فلما ناقشها وأفاض بعلمه واحتكم إلى منهجه اكتشفت كم هى ضئيلة أو على حد وصفها هى: "لم أصمد سوى دقائق معدودات أقررت بعدها أن حصيلتى من كنز الثقافة الإسلامية الذى حسبت أنى ملكته لا تعدو القشور والأصداف، وأن بينى وبين ذخائره المكنونة حُجبا وأرصادا تحول دون النفاذ إلى الجوهر واللباب.. وفهمت لماذا ارتاب الأستاذ فى معرفتى للقراءة، فما كانت قراءتى لذخائر مكتبتنا سوى مطالعة سريعة مرتجلة تلتقط الدلالة العابرة والملحظ الغريب المبذول ويعوزها ضبط المنهج".

منذ ذلك اليوم وقعت التلميذة فى هوى الأستاذ رغم أن له سابقة زواج وعنده أولاد، ورغم أنه يكبرها عمرا بـ 18 سنة (هو من مواليد 1895 وهى من مواليد العام 1913)، وتحول الإعجاب بالعلم إلى إعجاب بالرجل، وانقلب التحدى إلى حب، والحب إلى عشق فشلت فى كتمانه فذاع خبره فى الأوساط الجامعية.. وأفضى الحب إلى زواج، وارتبطت التلميذة بالأستاذ، وأثمر عن ثلاثة من الأبناء (أمينة) وأكمل وأديبة.. وظل الشيخ الخولى هو رجلها الأول والأخير.

(3)

تخرجت بنت الشاطئ فى كلية الآداب بجامعة القاهرة (1939) وعينت معيدة بها، وحصلت على الماجستير بعدها بعامين، ولكنها فاجأت الجميع باستقالتها لتتفرغ لبيتها وأولادها ورعاية زوجها.. ومن أجل الشيخ أمين أيضا وبتشجيعه عادت إلى الجامعة، لتحصل على درجة الدكتوراه عام 1950، ولتتدرج فى سلك التدريس الجامعى وتحقق منجزا غير مسبوق فى الدراسات الإسلامية جعل منها أبرز مفكرة إسلامية فى القرن العشرين بشهادة وزير الأوقاف والمفكر الإسلامى الراحل د. محمود زقزوق: "تُعد الدكتورة بنت الشاطئ رائدة شجاعة من رواد الفكر الإسلامى المستنير فى القرن العشرين، وقد أثبتت على مدى ستين عاما من العطاء العلمى الإسلامى المتواصل أن العلم الدينى ليس مقصورا على الرجال، وفتحت الطريق أمام بنات جيلها ومن بعدهن لإثبات مواهبهن فى جميع المجالات، وبإرادة حديدية، وعزيمة لا تلين تغلبت على كل ما صادفها من عقبات فى سبيل مواصلة تعليمها، وتركت تراثا علميا ثريا للأجيال، وامتدت أستاذيتها إلى ربوع العالمين العربى والإسلامى".


 	أيمن الحكيم

أيمن الحكيم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - صلاة الطفولة

  ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...

سهيلة الرملى: «اتكلمى» ركزت على المسكـوت عنه فى كتب التاريخ

الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى

«السيد فى حقل الأدب».. شهادات وقـراءات كاشفة لعالم صبرى موسى

ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية

خالد أمين: وقعت فى غرام الـرعب والغموض

أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد