السيدة نفيسة.. حبيبة المصريين وملاذ العاشقين

ما أكثر الجميلات والمميزات فى التاريخ المصرى.. لكن ندرة منهن اللاتى منحن الشعب المصرى تذكرة مرور دائمة للقلب.. إننا فى هذه الحلقات نستعيد تاريخ وذكرى الساكنات فى

ما أكثر الجميلات والمميزات فى التاريخ المصرى.. لكن ندرة منهن اللاتى منحن الشعب المصرى تذكرة مرور دائمة للقلب.. إننا فى هذه الحلقات نستعيد تاريخ وذكرى الساكنات فى قلوبنا.. صاحبات العصمة.. منهن من لهن قداسة خاصة كالسيدة نفيسة.. والسيدة مريم.. أحبهن المصريون حباً استثنائياً يفوق الوصف.. ومنهن المبدعات صاحبات البصمة والتأثير، ممن منحن المصريين حالة من البهجة والسعادة.. أم كلثوم مثلا.. فاتن حمامة مثلا.. وفى هذه الحلقات ستقرأ عن أسماء تعرفها برؤية جديدة ومن زوايا مختلفة.. ليلى رستم.. صفية المهندس.. توحيدة عبدالرحمن أول طبيبة مصرية مثلا.. إننا فى هذه الحلقات نقدم تحية خاصة لصاحبات العصمة فى قلوب المصريين.

إياك أن تفعلها فى حضرة دراويش السيدة نفيسة، وتشكك ـ مجرد تشكيك ولو كان بحسن نية ـ فى مصريتها، لأنك عندها يمكنك أن تتعرض لما لا يخطر على بالك ولا يتصوره خيالك.. فالسيدة نفيسة عندهم "مصرية" تامة، لأنها "ميراثهم" الشرعى من جدها حضرة النبى.. (لا تتعجل التفاصيل). أما كونها "صاحبة العصمة"، فهذا أيضا ليس محل شك ولا جدل، بل هو لقب أقل كثيرا مما تستحق، ومما يليق بمكانتها.  ولذلك ليس مصادفة أن نبدأ هذه الحلقات بتلك الشخصية الباهرة من «صاحبات العصمة».

 (1)

إذا أردت أن تتعرف على علاقة المصريين بالسيدة نفيسة فيجب أن تتوجه فورا إلى "أم أحمد"، فعند هذه السيدة المصرية البسيطة ستتكشف لك الأسرار وتتوهج الأنوار وتتبدى الأخبار، وستأخذ بيدك إلى باب "أم المصريين" وحبيبتهم. و "أم أحمد" هى "خادمة" ستنا نفيسة كما تحب أن تقدم نفسها، سيدة بسيطة ولكنها تتمتع بمكانة خاصة بين المحبين الكبار للسيدة نفيسة، يذهب الجميع إلى "مصطبتها" على مرمى حجر من المقام، وفى خيمتها وعلى مائدتها يجلس الباشوات والمساكين يتناولون الطعام، لا فرق بين "لواء" و"خفير"، فالكل ضيوف السيدة نفيسة وأولادها، وفى حضرتها وفى "دائرتها" وعند مقامها عليك أن تنسى نفسك ومقامك.

تلزم "أم أحمد" عتبات السيدة نفيسة منذ ثلاثين سنة، وهبت نفسها طيلة هذه السنوات لخدمتها وخدمة زوارها، تخرج من بيتها فى "إمبابة" كل يوم متوجهة إلى "الخدمة"، تفتح أبوابها وتبسط مائدتها ولا ترد سائلا ولا جائعا حتى لو كان مليارديرا، فقد تعلمت أن لقمة فى بطن جائع يزيد ثوابها عن بناء جامع!

قبل ثلاثين سنة كانت "أم أحمد" تعيش حياة عادية، تعمل بالتجارة وتكسب الكثير، وفجأة داهمها مرض خطير حولها إلى "شبح" امرأة وأجمع الأطباء أن شفاءها يحتاج إلى معجزة، فنذرت فى تلك المحنة أن لو تحققت تلك المعجزة لعاشت بعدها خادمة على عتبات السيدة نفيسة، وتحققت المعجزة ووفت بنذرها، ومن حينها لم تغادر تلك الساحة، بل تعلقت روحها بالمكان وصاحبته حتى صار على حد وصفها "الهوا اللى بتنفسه".

ولا يمكنك أن تضبط "أم أحمد" أبدا ولو بزلة لسان  تتحدث عن السيدة نفيسة بصيغة الغائب، فهى عندها حاضرة وموجودة وتفيض بالكرامات والفضل، بل يمكنك أن تسمع منها ما يتجاوز العقل، تحكيه بيقين العارفين: "عمرى ما لجأت لها وخذلتنى، لازم أخرج من عندها مجبورة الخاطر، يعنى مرة فى مولدها وكنا فى أول أيام المولد دخل علىّ فى الخدمة زوار، قدمت لهم الموجود: عيش وجبنة قديمة، واحد من المساكين سألنى بعشم: فين "اللحمة" يا أم أحمد؟!، اتكسفت منه ورحت المقام وقلت لها: يا ست فيه إيه؟.. باعته لى حبايبك ومفيش أكل؟.. وبمجرد ما رجعت لقيت عربية فخمة واقفة قدام الخدمة ونزل منها ست شيك ومحترمة، سألتنى: خدمة مين دى؟، قلت لها: خدمة ستنا نفيسة، قالت طيب ابعتى معايا حد من عندك، بعت ولد من بتوع الخدمة، رجع شايل" شوال" مليان من خيرات ربنا: لحمة وخضار وعيش وفاكهة، ومن كافة شىء.. ومن كتر الخير اللى بيوصلنى على حسها سميت الخدمة (تكية السيدة نفيسة)".

وعند أم أحمد، وفى تكية السيدة نفيسة التى لا ينقطع خيرها طوال أيام السنة، يمكنك أن تجد مبدأ ثورة يوليو الصعب متحققا ومتجليا: تذويب الفوارق بين الطبقات، أكابر ودراويش، أغنياء وناس على باب الله، رجال يرتدون أحدث وأغلى الماركات وآخرون تسترهم أسمال بالية.. ولكن المكان يتسع للجميع، ويغمره الحب.. وتعلق صاحبة التكية: "المربع" ده كله عايش على حسها.. فيه ناس مقيمة فى المقابر هنا جنبها، لكن لو عرضت على واحد شقة فى مكان تانى يرفض فورا، ويقول لك بإخلاص: أنا لو طلعت من عند "أمى" أموت.

و "أمى" هو اللقب الشعبى الذى يتردد كثيرا على ألسنة محبى السيدة نفيسة، ربما بسبب "الحنان" الذى يغمر قلبك بمجرد أن تدخل المكان.. تلك الحالة من الوجد التى يعرفها "العشاق" ويعرفون موعد تجليها فى ساعات الليل الأخيرة ومع صلاة الفجر، وتصفها أم أحمد بهذا الوصف المذهل فى بلاغته وبساطته: "تحس إن ستنا تقابلك بنفسها فى صلاة الفجر.. المكان بيبقى فيه طاقة عجيبة.. فتلاقى المحبين خارجين "سكرانين".. مش دريانين بالدنيا.. ومنهم ناس تيجى "تمدد" على المصطبة عندنا لغاية لما يفوقوا من حالة الوجد"!


اعتادت أم أحمد أن تذهب بخدمتها إلى موالد الأولياء من آل البيت "سيدنا الحسين، السيدة زينب، سيدى على زين العابدين، سيدى أحمد البدوى".. تقدم خدمتها تحت راية السيدة نفيسة وبإذن منها.. لابد أن تحصل على الإذن، وحدث مرة أنها سافرت بالخدمة إلى مولد شيخ العرب فى طنطا ونسيت سهوا أن تدخل لمقام السيدة نفيسة قبل سفرها لتنال الإذن، فلما وصلت إلى طنطا فوجئت بأن الأمور غير مُيسرة كما اعتادت، فلم تجد مثلا المكان التى تعودت أن تنصب فيه خيمتها، وتعطل "وابور الغاز" الذى تطهو عليه الطعام فاضطرت لشراء واحد جديد، ثم تذكرت فجأة أنها نسيت "الإذن" فأسرعت إلى مقام شيخ العرب، وأنقل عنها ما جرى: "دخلت لسيدى أحمد وقلت له الحقنى يا مولانا.. أنا ست مسكينة وجاية أخدم.. أنتم أكابر فى بعض.. أنا ماليش دعوة.. وخرجت من عنده مجبورة.. عاد التيسير.. وحتى "الوابور" العطلان اللى "اللحام" قال لى مفيش منه فايدة.. اشتغل وبقى زى الفل".

    (2)

تعرفت على "أم أحمد" خادمة السيدة نفيسة بعد "واسطة" كبيرة، وما كان من الممكن أن تجلس وتتحدث إلى وتكشف لى كل هذه الأسرار إلا من خلالها، وأقصد بها زميلتنا المخرجة السينمائية الرائعة جيهان الأعصر، صاحبة التجارب المميزة فى سينما التصوف، لأنها فعلتها برؤية "من ذاق وعرف"، وبعين وقلب "أهل الطريق"، وما زال فيلمها "مكتوب عن الحب" يمثل تجربة فريدة فى سينما التصوف..

ولا تسألنى عن علاقة مخرجة سينمائية بتلك الدرويشة المذهلة، فعند السيدة نفيسة لا تسأل عن الأسباب المنطقية! 

وعلاقة جيهان الأعصر نفسها بالسيدة نفيسة رضى الله عنها يمكنها أن تدلك على علاقة المصريين بها، وبما تمثله لهم، وبمكانتها عندهم.

حكت لى جيهان الأعصر: "حدث ـ وأنا طفلة ـ أن أخذتنى أمى مع صديقتها طنط آمال وأولادها (ولد وبنت فى مثل عمرى) وذهبنا إلى مكان غريب، فجأة وجدتنى فى مسجد، وبداخل المسجد مقام، وداخل المقام عروسة جميلة، تعلقت بها من أول نظرة، وتعلقت بالمكان من اللحظة الأولى بعد أن شممت فيه نفس الرائحة الزكية التى كنت أشمها فى كنيسة المدرسة بجوار ستنا مريم، وعرفت من ماما أننا فى مقام السيدة نفيسة، وبهرنى المكان حتى أننى كنت بعدها أطلب من أمى أن تأخذنى إلى حيث "طنط العروسة"، فكانت ترسلنى مع "الدادة"، وارتبط المكان عندى برائحته وبستنا مريم، ومن المدهش أنه فى أغلب المرات التى زرت فيها ستنا نفيسة كان إمام المسجد ـ بمصادفات عجيبة ـ يقرأ فى صلواته سورة مريم..

لما كبرت شويه تعمقت علاقتى بستنا نفيسة، ولم أكن أعرف حتى ذلك الوقت أن صلة دم تربطنى بها، فعندما أنتقل والدى وعمرى 13 سنة عرفت بالصدفة أنه "مُنسب" ويمتد نسبه إلى سيدنا "الحسن" ابن علىّ سبط النبى، والذى هو جد سيدتنا نفيسة..

فى تلك السنوات لم يكن مقامها الشريف يُغلق فى أى ساعة من الليل والنهار حتى الساعات الممتدة بين العشاء والفجر، فكنت استمتع بأن أذهب لمقامها ليلا(بصحبة الدادة) وأظل أقرأ القرآن حتى مطلع الفجر، وفى كل مرة كنت أجد سيدة تجلس فى مكان محدد بجوار المقصورة تقرأ القرآن، شعرت تجاهها بمودة عجيبة فكنت أتعمد الجلوس بجوارها وأشعر بطاقة إيجابية غريبة تشع منها وتملأ المكان، وأحس فى جوارها بأمان وحنان، وكانت فى كل مرة تهدينى بهدية حلوة (شيكولاتة أو بنبونى أو قرصة بالعجوة) وأحيانا تمسح بحنان على شعرى، والمرة الوحيدة التى تكلمت معى فيها سألتنى: أنتى بتيجى كتير بالليل هنا ليه؟ فأجبتها ببراءة طفلة: علشان بحب ستنا نفيسة، فردت بابتسامة: وأنا كمان.. ولم تكن هذه المريدة العظيمة لستنا نفيسة سوى الفنانة الكبيرة تحية كاريوكا.. وأظن أن ربنا رزقها بحسن الخاتمة.

وأظن كذلك أن ستنا السيدة نفيسة كانت (أول شيخ) لى فى الطريق، فبجوارها وبمدد منها تعلمت "الأدب" مع الأولياء ومحبة آل البيت.. واكتشفت فيما بعد أنه قد حصل لى تربية صوفية و"تلقيح نورانى" على يديها.. وفى (الطريق) فإن الأرواح النورانية الكبيرة تقذف فى محبيها قبسا منها ينعكس فى السلوك والنفس بل وملامح الوجه..  ومن فرط ارتباطى بها طلبت عندما تزوجت أن يكون "كتب كتابى" فى رحابها".

وكان من علامات التيسير الكبيرة التى رأتها عندما شرعت فى تصوير فيلمها "مكتوب عن الحب" الذى ترصد فيه محبة المصريين المذهلة للنبى (ص) وآل بيته أنه أتيح لها التصوير فى مقام السيدة نفيسة.. تحكى:

 ومن علامات التيسير أثناء تصوير الفيلم أن تُفتح لى الحجرة الشريفة فى مقام مولانا الحسين وهى الحجرة الموجود بها "آثار" سيدنا النبى، وكان لى الشرف أن أكون صاحبة أول كاميرا تدخل إليها..

وكان لى الشرف كذلك أن أكون صاحبة أول كاميرا تدخل عند سيدى أبو الحسن الشاذلى فى "حُميثرة".. وأقسم أننى قبل سفرى رأيت سيدى أبو الحسن فى رؤيا صحبنى خلالها للفرجة على مسجده الذى كان حينها قيد البناء.. ولما سافرت رأيت المسجد كما شاهدته فى الرؤيا..

ثم كان الموقف الذى يستحيل نسيانه عند ستنا نفيسة، ففجأة وجدتنى مسئولة عن مسجدها الشريف يوم ذهبت للتصوير فيه، وجدت المسجد يتم إخلاؤه من أجلى، وأنا المسئولة عن دخول الناس والمعدات واختيار أماكن التصوير. المكان أصبح تحت قيادتى فعليا، فنظرت إلى مقامها الشريف وعجزت عن الكلام أو التعبير عن امتنانى بهذا الكرم، ولا أعرف حتى الآن كيف تماسكت وأكملت التصوير فى ذلك اليوم، فقد شعرت أن هذه السيدة العظيمة التى وقعت فى غرامها وأنا طفلة فى السابعة من عمرى  تبادلنى المحبة.. وحسيت بعظم المسئولية.

(3)

تشغلنى منذ فترة تلك العلاقة الخاصة بين نجمات الفن ومقام السيدة نفيسة، وهى علاقة طويلة وممتدة وعابرة للأجيال بل وللأديان، وكنت شاهدا على عدد منها، ولابد أن علامات للدهشة ستعلو ملامحك عندما تسمع أن الفنانة القبطية هالة صدقى من محبى السيدة نفيسة وتزورها طلبا للبركة.. وكانت الفنانة الراحلة هند رستم من أكابر عشاقها، وتزورها فى الفجر متخفية وتقضى عندها أسعد أوقاتها، وكانت وصيتها قبل رحيلها أن تخرج جنازتها من عندها، وقد كان، وخرج جثمان هند رستم من مسجد السيدة نفيسة إلى مثواه الأخير..

عن علاقة المصريين بالسيدة نفيسة ما زال لدينا الكثير.. فانتظرونا


 	أيمن الحكيم

أيمن الحكيم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

شرابات رجالية قطن: أهم المميزات وكيف تختار الجورب المناسب لك

في عالم أصبحت التفاصيل الصغيرة جزءًا أساسيًا من جودة الحياة اليومية، لم يعد اختيار الشرابات أمرًا ثانويًا أو قرارًا سريعًا...

قصة مصورة - سكة سفر

 وحدهم في الشارع الخالي فى الصباح الشتوى المبكر .. الدنيا غارقة، وسيول المطر أبقت الناس في بيوتهم، فلا وجود لشخص...

حكاية القط الخارق فى رواية السيد شحتة

«الأيام الأخيرة فى حياة فرويد».. رحلة فى عالم الذكاء الاصطناعى والتحولات الرقمية محاولة سردية لتقديم صورة غير وردية لعالم يتجرد...

الشريف السنوسى.. عدو الاستعمار الأوروبى فى قارة أفريقيا

شخصيات لها تاريخ «98» تربى فى الزاوية الأكثر أهمية فى تاريخ الحركة السنوسية بواحة الجغبوب وتولى قيادة الحركة بعد رحيل...