قلنا إن العرب حينما دخلوا مصر سنة (19 هـ ـ 640م)، كانوا فى مسيس الحاجة إلى خيراتها الوفيرة المعروفة عنها، حتى من قبل نزول الإسلام بآلاف السنين، فقد كانت مصر مركزاً من
قلنا إن العرب حينما دخلوا مصر سنة (19 هـ ـ 640م)، كانوا فى مسيس الحاجة إلى خيراتها الوفيرة المعروفة عنها، حتى من قبل نزول الإسلام بآلاف السنين، فقد كانت مصر مركزاً من مراكز العالم القديم، ومثلما طمع فيها العرب طمِع الروم من قبلهم، كما طمع الفرس، وقد كانت بلاد النيل قاعدة غذائية لأية امبراطورية تريد أن تُحكم سيطرتها على خريطة العالم القديم، وقد ورث العربُ الروم فى مصر، واعتبروها أكثر البلاد ثراء وأقلها حماية، لذلك كانت هدفاً سهلاً لهم، فى ظل الانقسام الذى كان يمزِّق العالم المسيحى، وتسبب فى حالة الضعف التى أصابت الرومان فى العامين الأخيرين من حياة هرقل "عظيم الروم"، الذى كان يسيطر ـ وياللمفارقة ـ على مصر، لحظة دخول العرب.
توقفنا فى الحلقة السابقة عند لحظة الخــلاف، الذى نشب بين الخلـــيفة عمر بن الخطاب والوالى عمـــــرو بن العاص، بسبب "خراج مصر"، وهو الخلاف الذى زاد بينهما ووصل إلى حد أن اتهم الخليفة واليه على مصر عمرو بن العاص بالثراء المالي "المفاجئ"، بسبب خيرات هذا البلد، وأرسل له من يقاسمه ماله وبعث معه بهذه الرسالة التى تضمنت السؤال: "من أين لك هذا؟" لأول مرة فى التاريخ!!
قلنا أيضاً إن استقرار الحكم للمسلمين فى مصر، لم يكن أمراً سهلاً فى كثير من حالاته، حيث واجه المسلمون مقاومة شرسة فى "حصن بابليون" الذى استمر حصاره زمناً طويلاً، حيث لم يكونوا جاهزين لهذا الحصار بالمعدات المطلوبة، وإن كانوا فى انتظار المدد، إلا أنهم استطاعوا أن يصمدوا بشدة بأسهم فى الحرب، إلى أن فتحوه وفر الرومان إلى الإسكندرية، وقد كانت آخر المدن التى دخلها العرب أول مرة صلحاً، والتى سرعان ما عادت وثارت عليهم باستدعاء جيوش الرومان، فيما عُرف بـ: "ثورة الإسكندرية بقيادة مانويل"، على حد تعبير المؤرخ الإنجليزى ألفريد ج. بتلر.
قبل أن نجيب عن السؤال الأهم فى هذه الحلقة وهو، هل فُتحت مصر صلحاً أم أنها فتحت عنوة؟، نُحب أن نلفت إلى أن المؤرخ الانجليزى ألفريد بتلر، صاحب "فتح العرب لمصر" يحمِّل "قيرس" مسئولية ضياع مصر من أيدى الامبراطورية البيزنطية، وقد كان "قيرس" هو ممثل الامبراطورية فى مصر، وكان يحظى بكراهية معتبرة من القبط، الذين تعرضوا للاضطهاد الدينى الأسوأ فى تاريخهم على يديه، إذ يتهمه بتلر بأنه السبب فى ضياع مصر، حيث كان يتباطأ فى اتخاذ كل قرار يمكن أن يعضّد موقف الروم فى مواجهة العرب، وأنه خذل مصر وأضعفها عن لقاء أعدائها، مهما كان فى قلبه من عوامل الحنق على القبط، فقد أدى عسفه إلى شىء يظن من يراه توحيداً لمذاهب الدين المسيحى، وما هو كذلك فى حقيقة الأمر، يقول بتلر:
"استطاع قيرس بعسفه قطع أسباب المودة بين الرعية قطعاً، فما كان له أن يتوقع من القبط خيراً، بل كان خير ما يقع منهم له أن يعتزلوا جاهمين فينظروا إلى نضالٍ بين طائفتين كلاهما غريب عنهم كريه في أعينهم، لقد كان أمر الروم يضعف وقوة جيوشهم تخور، وأملهم فى النصر وتخليص مصر يخبو شيئا فشيئا.. أكان هذا ما قصده قيرس وسعى إليه؟".
ظلم قيرس
بينما كان المسلمون يحاصرون حصن بابليون، أرسل "قيرس" رسلاً إلى عمرو بن العاص، بغية الوصول إلى صيغة تجنب الطرفين الحرب، فاستقبل ابن العاص جماعة منهم أسقف (بابليون) وأكرمهم، فقالوا:
"إنكم قوم ولَجْتم فى بلادنا وألححتم على قتالنا وطال مُقامكم فى أرضنا، وإنما أنتم عصبة يسيرة وقد أظلتكم الروم وجهزوا إليكم، ومعهم من العدة والسلاح، وقد أحاط بكم هذا النيل، وإنما أنتم أسارى فى أيدينا".
تقول الحكاية، إن ابن العاص لم يبعث جواب ما أتوا به، وحبس الرسل عنده يومين حتى يروا حال المسلمين وبساطة عيشهم، إذ سمح لهم أن يسيروا فى المعسكر وأن يروا ما فيه ليعرف الرومان استبسال العرب واستماتتهم فى القتال، ثم بعث عمرو برده مع الرسل: ليس بينى وبينكم إلا إحدى ثلاث خصال: إما أن دخلتم فى الإسلام فكنتم إخواننا وكان لكم ما لنا، وإن أبيتم فأعطيتم الجزية عن يدٍ وأنتم صاغرون، وإما أن جاهدناكم بالصبر والقتال حتى يحكم الله بيننا وهو أحكم الحاكمين".
كنا ألمحنا سابقاً إلى أن الخلافات التى تسبَّب فيها "الخراج" القادم من مصر، بين الخليفة عمر بن الخطاب وواليه على مصر قد زادت، كلما استقر الأمر للعرب فى مصر، والتى كان منبعها الاضطرابات السياسية فى منشأ الدولة الإسلامية، حيث كان الخليفة يشكك دائما ـ كما ورد فى خطابه الذى توقفنا عنده فى الحلقة الماضية ـ فى سلوك ابن العاص المالى، وقد قال ذلك صراحة فى الخطاب: "ولم أقدمك إلى مصر أجعلها لك طُعْمة ولا لقومك ولكنى وجهتك لما رجوت من توفيرك الخراج وحسن سياستك"، الأمر الذى رفضه ابن العاص وقد كانت له حُجة وجيهة أوردها بتلر فى "فتح العرب لمصر" نقلاً عن المقريزى:
"طلب عمرو أن ينتظر به على الناس حتى تُدرك غلتهُم، وقال لعمر إنه لا يستطيع أن يزيد الخراج على الناس بغير أن يؤذيهم، وأن الرفق بهم خير من التشديد فى أمرهم وإكراههم على أن يبيعوا ما هم فى حاجة إليه فى أمور معيشتهم، لكى يؤدوا ما يُطلب منهم".
الحق أنه يجب أن ندرك أن عمرو بن العاص كان من أكثر الولاة المسلمين رأفة بالقبط بشهادة بتلر، بسبب قراراته التى كانت دائماً تراعى الأقباط من دون التفريط فى جمع الخراج، وتحصيل الضرائب، والذى يمكن فهمه من هذا الخلاف أن ابن العاص كان يريد أن يطبق النصيحة التى تلقاها من بطريرك الأقباط بنيامين، عن مصر التى تقول: "تأتى عمارتها وخرابها من وجوه خمسة، أن يُستخرج خراجها فى إبان واحد، عند فراغ أهلها من زروعهم، ويرفع خراجها فى إبان واحد عند فراغ أهلها من عَصْر كرومِهم" إلى آخر النصيحة، وبالتالى نستطيع أن نتفهم الأسباب التى دفعته للرفض.
..و أكلتم الحرام
لكن هل تفهَّم عمر بن الخطاب هذه الأسباب؟
الحقيقة أن الخليفة لم يتفهم ذلك، من ابن العاص، فقد أرسل له مرة أخرى فى رسالة ـ أوردها القلقشندى فى "صبح الأعشى" ـ رسالة غاضبة معايرة تعكس درجة الاحتقان بينهما، يقول ابن الخطاب: "بلغنى أنك فشتَ فاشيةً من خيلٍ وإبل، فاكتب إلىّ من أين لك هذا؟"، وبسبب الصرامة التى تحملها لغة الخطاب، رد ابن العاص: "أتانى كتاب أمير المؤمنين يذكر فيه فاشية مال فشا لى وأنه يعرفنى قبل ذلك، ولا مال لى، وإنى أعلم أمير المؤمنين أنى ببلد السعر فيه رخيص وأنى أعالج من الزراعة ما يعالجه الناس، وفى رزق أمير المؤمنين سعة".
وعلى الرغم من هذه الصراحة لم يطمئن خليفة المسلمين إلى كلام ابن العاص، وبعث إليه بمحمد بن مسلمة، يقاسمه أمواله، ومعه رسالة من ابن الخطاب تقول:
"إنكم معاشر العمال قعدتم على عيون الأموال فجبيتم الحرام وأكلتم الحرام وأورثتم الحرام"، وهنا اشتعل غضب عمرو بن العاص ورد رداً عنيفاً: "قبح الله يوماً صرت فيه لعمر بن الخطاب والياً، فلقد رأيت العاص بن وائل يلبس الديباج المزرر بالذهب، والخطاب بن نفيل ليحمل الحطب على حمار بمكة، فقال له محمد بن مسلمة أبوك وأبوه فى النار".
لقد أشار بتلر إلى العيوب الجسيمة التى سقطت فيها رواية المؤرخين العرب لوقائع الفتح، والتى يعتقد أنهم سقطوا جميعاً فى الأخطاء التاريخية، بسبب تدوينها متأخرة عن الحدث الواقعى بعدة قرون، ومنها أنهم كانوا لا يميزون بين القبط والروم، فيذكرون "جيوش المصريين" و"قواد المصريين" هكذا على وجه الإجمال، فكثرت لذلك أخطاؤهم.
ومن بين أخطر هذه الأخطاء التى شوهت تاريخ مصر فى وعينا إلى زمن قريب، أن انقسم المؤرخون العرب القدامى على حقيقة فتح مصر: هل فُتِحت عنوة أم فُتِحت صلحاً؟.. وتخبَّطوا بين الحكايات وتعاركوا فى الآراء وخلطوا فى الحوادث، بحيث لم يميزوا القبط من الرومان على مستوى ثقافة البشر، مثلما لم يميزوا بين دخول جيوش عمرو بن العاص الإسكندرية أول مرة، صُلحاً بعد واقعة "حصن بابليون"، وبين دخولهم الإسكندرية عنوةً بعد الثورة التى قادها "مانويل"، فيما بعد، لكن المؤرخ البريطانى يورد نسخاً من شروط هذا الصلح الأول بين العرب والمصريين، لافتاً ـ وهو البريطانى ـ إلى أن العرب كانوا ملتزمين إلى حد كبير بعدم زيادة الجزية على المصريين، خصوصاً فى السنوات الأولى للهيمنة العربية على مصر، مؤكداً أن العرب حافظوا على عهودهم دائماً، وكانوا إذا أعطوا كلمة لا يغيرونها أبداً، مورداً شروط الصلح الستة التى جعلها القبط فى عقدهم للصلح مع العرب:
"ألا يخرجوا من ديارهم، ألا يُفرق بينهم وبين أزواجهم، ألا يُطردوا من قراهم، ألا تنزع منهم أرضهم، ألا تزاد عليهم الجزية، أن يحموا من عدوهم".
لكن هل هذه الشروط استمرت فى العلاقة بين العرب والقبط فيما بعد.. وهل بقيت أم شهدت تغييرات جوهرية بعد ذلك؟
إلى اللقاء فى الحلقة القادمة..
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
في كثير من المنازل السعودية تتكرر شكوى شائعة بين المستخدمين، وهي أن بعض الأجهزة المنزلية تتعطل مرة أخرى بعد فترة...
في عالم الاشتراكات الرقمية، لا يبحث العميل عن المنتج فقط. هو يبحث عن تجربة كاملة تبدأ من لحظة دخوله إلى...
فى ذكرى ميلاده الخامس والتسعين أحدث نقلة فى المسرح الشعرى العربى.. وحرر المسرحية الشعرية من القصيدة الغنائية كان سابقا فى...
الرواية التاريخية مغرية لأى كاتب لا يوجد قالب جاهز أو كتالوج يلتزم به الكاتب اعتبر نفسى كاتبة نسوية