تزوجت سيد حجاب فى الشهر العقارى

بعد شهر واحد من لقاء سيد حجاب وميرفت الجسرى طلب منها ببساطة وبكامل إرادته أن تُعّرفه بأسرتها، أو على حد تعبيرها المرح: " قرر أن يسلم نفسه"، وفى البداية استغربت الأسرة

بعد شهر واحد من لقاء سيد حجاب وميرفت الجسرى طلب منها ببساطة وبكامل إرادته أن تُعّرفه بأسرتها، أو على حد تعبيرها المرح: " قرر أن يسلم نفسه"، وفى البداية استغربت الأسرة من هذا الشاعر الذى جاء ليشاركهم فى سهراتهم، وكان استغرابهم أكبر من ابنتهم الشابة الجميلة الحاصلة على أعلى الدرجات العلمية التى وقعت فى هوى شاعر يكبرها بـ 24 سنة، لكن الغرابة وصلت إلى منتهاها عندما فوجئت ميرفت أن أسرتها سرعان ما أصبحت تنافسها فى حب حبيبها، بل إن شقيقها أرسل إليها مرة وهو على سفر يعترف لها: "سيد" وحشنى أكتر منك!

نحن إذن أمام قصة غرام غريبة واستثنائية ومدهشة وغير طبيعية، ويمكنك أن تقرر ببساطة أن كل أطرافها من (المجانين) حتى لو بدوا فى غاية الاتزان والتوازن والتعقل والشاعرية، فما حكته ميرفت الجسرى عن قصة حبها وزواجها من شاعرنا الكبير سيد حجاب يدير العقل ويخاصم المنطق، ويؤكد أننا أمام حكاية حب من تلك التى نقرأ عنها فى كتب الأساطير!

سأترك (الجنية) تكمل حكايتها مع (الصياد)، وأرجو أن تحافظ قدر الإمكان على هدوء أعصابك وأنت تسمع منها بقية التفاصيل:

 (1)

قبل زواجنا الرسمى عشت مع "سيد" حوالى عامين فى قصة حب غريبة أدخلنى فيها عوالمه المسحورة، ويمكننى الاعتراف بأنه أذهلنى بثقافته الرفيعة فى الفن التشكيلى، وطفت معه على معارضه وفعالياته أتفرج وأتعلم وأستمتع، ولا أنسى أن هداياه الأولى لى كانت مرتبطة بالفن التشكيلى، يعنى مرة اشترى لى "حلق فضة" من إبداع الفنانة زينب خليفة لما رحت معه نزور معرضها، ومرة أهدانى "بروش فضة" من تصميم سوزان المصرى، ومرة لوحة لصديقه الحميم الفنان جميل شفيق.

وجميل شفيق كان متداخلا معنا فى مشاهد عديدة فى قصتنا، فهو الذى رافقنا عندما ذهبت أنا وسيد إلى الشهر العقارى علشان "نكتب الكتاب"، كان لازم نوثق الزواج بهذه الطريقة بحكم أننى لبنانية ولم أكن قد حصلت بعد على الجنسية المصرية.

لا أريد أن أصدمك عندما أقول إننى تزوجت من "سيد" بدون شبكة ولا مهر ولا شقة ولا فستان أبيض ولا فكرت فى هذه التفاصيل عندما وافقت على الارتباط الرسمى به (للإنصاف كان هناك دبلة زواج ذهب عادية.. اشتريتها على حسابه واخترتها أنا لأنه كان مشغولا يومها).

ولا أريد أن أضاعف صدمتك عندما أذكر أنه لم يكن هناك شهر عسل، مجرد أيام فى الإسكندرية حيث كان يقيم سيد وقتها فى ضيافة جميل شفيق،  وعاد بعدها لشغله وارتباطاته وكنت أنا الأخرى  قد انتظمت فى عمل جديد، وكنا نلتقى فى (الويك إند) إلى أن جهزنا شقة الزوجية بعد عامين من الزواج!

ورغم أن شكلى يبدو هادئا ووديعا لكن فى داخلى بركان من التمرد على كل ما هو تقليدى. أكره النمطية والقيود والحاجات العادية، ولم أحلم يوما بما تحلم به البنات فى مسألة الزواج: هيصة وزفة وفرح وتصوير وعريس لابس بدلة سوداء أنيقة، وأذكر أن صديقاتى أصبن بحالة من الصدمة لما عرفن أننى لن أعمل حفلة زواج، وحاولن إغوائى: ح تندمى.. إزاى ما يكونش عندك صور وذكريات عن يوم زى ده وتحتفظين بها لما تكبرى! ورغم ذلك تزوجت بدون "زفة".. ما كان يهمنى فى الموضوع كله هو ارتباطى برجل استثنائى.. وبزواج غير تقليدى!

وفى أول عامين من الزواج عشنا بين القاهرة والإسكندرية وليس لنا شقة زوجية، ولما كنت أذهب إليه فى الإسكندرية كان جميل شفيق يحتفل بنا بأكلات معتبرة من وجهة نظره، خاصة (الكوارع والفتة) فكنت أحتج: عايزة حاجة أعرف أكلها!

وعندما جهزنا شقتنا (فى المعادى) أصبح سيد حجاب هذا المنطلق كالعصفور- كائنا بيتوتيا، لا إسكندرية ولا أوتيلات، وحتى أصحابه صار يعزمهم عندنا فى البيت، وكنت أتفنن فى إعداد أصناف الطعام وخاصة اللبنانية التى كان يعشقها، وكثيرا ما كان يداعبنى: الست دى اتجوزتنى وستتتنى!

وخلال 21 عاما ـ هى عمر زواجناـ لا أذكر أننا تخاصمنا ولا تشاجرنا ولا حصلت مشكلة ترك فيها أحدنا البيت، ربما كان السبب يرجع إلى أن كل واحد فينا حافظ على خصوصية الآخر ولم يسع للسيطرة عليه وامتلاكه، أو كما كان يصفه هو بتعبيره الساخر: إحنا عشنا زى اتنين متصاحبين مش متجوزين!

كنا شبه بعض فى حاجات كثيرة وغريبة، وعندنا توافق روحى مذهل، كان ساعات يقول لى: أنا قلقان منك لأنك بتعرفى اللى فى دماغى من قبل ما أقوله!.. عمرنا ما حسينا بملل حتى فى أوقات الصمت، كنا ممكن نقعد فى أوضة واحدة بالساعات بدون ما نتكلم كلمة، نتقاسم الصمت وإحنا فى منتهى السعادة، عارف لما تكون قاعد مع نفسك ومبسوط ومستغنى عن الدنيا؟! 


(2)

حكى لى سيد كل تاريخه بصراحة مدهشة وبأدق تفاصيله، حتى قصص حبه السابقة صارحنى بها، ولذلك أصبحت مرجعا له وذاكرة إضافية وكثيرا ما كان يسألنى عن وقائع وأمور تخص حياته لأذكره ببعض تفاصيلها.. وفوجئت أنه اخترع تقويما خاصا لحياته، وأصبح هذا الاختراع بمثابة (سيم) أو شفرة خاصة بيننا!

يعنى يسألنى مثلا: فاكرة الموضوع ده كان (ق.م) ولا (ب.م)؟.. وكثيرا ما كان الأصدقاء يستغربون من سؤاله ولا يفهمونه، إلى أن كشف لهم السر، (ق.م) هى اختصار لمرحلة (قبل ميرفت) و(ب.م) يعنى مرحلة ما بعد دخولى حياته!

ولمعرفتى الكاملة بتاريخه العاطفى فقد توقفت أمام كلمات أغنيته (مكتوبالى) خاصة الكوبليه الذى يقول فيه: كنت ماشى أمزمز فى حزنى/ من حلم ضايع وحمل مضنى/ ضحكت لى قلت لهواها خدنى/ نفسى أضم الوجود فى حضنى/ وأسكن معاها نجم العلالى.

كانت الكلمات تحمل إشارة خفية إلى أزمة عاطفية سابقة حكى لى تفاصيلها وسببت له حزنا حقيقيا، وإشارة أخرى شعرت أنه يقصدنى بها، فلما قرأ لى الكلمات سألته وأنا أتصنع الدهاء: أنت كاتب لى الأغنية دى؟.. وببساطة أجاب وعلى وجهه ابتسامته الطفولية الوديعة:  آه!

المؤكد بالنسبة لى أن "مكتوبالى" أغنية سيد حجاب المكتوبة لى، ويحكى فيها قصة حبنا، قبلها فى أول علاقتنا كان قد انتهى من كلمات أغنية " طلعتيلى منين" ولم تكن قد لُحنت ولا غناها على الحجار، فكان يغازلنى بها: إنتى طلعتيلى منين/ ودخلتى حياتى إزاى/ فى عنيكى حنان وحنين/ وفى صوتك بحة ناى/ طيبتك خلتنى صالحت الزمن الكداب النساى/ وفتحت بيبان للفرحة الجاية فى العمر الجاى/ وبحبك بحبك.

واعترف لى مرة أننى كنت ملهمته فى أغنية (تعالالى لالى): وتعالى يا ليالى/ ولالى لالى/ شايفك يا دنيا شيلالى فرحة/ ما كانت على بالى.. وكان أحيانا يغنيها لى بعد أن يعدل كلماتها لتصبح: شايفك يا مرمر!

وبالمناسبة "سيد" كان يمتلك صوتا جميلا ويتسلل إلى القلب لما يغنى، وكان يفعلها أحيانا فى سهرات الأصدقاء المقربين، وكنت أشاركه الغناء أحيانا وخاصة عندما يلح علىّ، فنغنى معا دويتو: على قد الليل ما يطول.. ولذلك أستغرب من الذين ظنوا أنه (تزوجنى وقعدنى فى البيت)، أبدا والله، فقد ظل فخورا بموهبتى فى الغناء، وفى كل مناسبة وسهرة كان لا يمل من الإعلان عنها: ميرفت بتغنى كويس جدا وبتعزف قانون كمان!

أشهد أن سيد حجاب كان رجلا متفتحا ومستنيرا ولا يحمل تلك العقد الذكورية الشرقية المريضة تجاه المرأة، وبعد زواجنا هو الذى شجعنى على استكمال رسالتى للدكتوراه  وحصلت عليها فى (البيئة)، وقعدت اشتغل بشكل منتظم 14 سنة، إلى أن قررت من تلقاء نفسى أن أترك عملى وأتفرغ لرعايته.. ولم يحاول طيلة سنوات زواجنا أن يقلص مساحة حريتى الشخصية أو يفرض علىّ قيودا (غبية).

فعلا كنا أصدقاء أو(متصاحبين) كما كان يحب أن يوصف علاقتنا، لدرجة أنه كانت له صديقات، وببساطة كان يقول لى: أنا عندى موعد مع فلانة، ولم تكن عندى مشكلة، بالعكس كنت أفرح لما ألاقى الناس تحبه وتقدر إنسانيته وروحه الحلوة وتتعلق به، وبعدين هو كان (مطمنى) وعندى ثقة كاملة فيه، وغالبا كان يشركنى فى صداقاته النسائية، وكانت الفنانة شريهان من أقرب وأعز صديقاته، وفى مرات عديدة زارتنا فى البيت وبادلناها الزيارة، وكان سيد يحبها ويتعاطف مع ظروفها، ويقدرها إنسانيا بعد أن جمعهما أكثر من عمل اقترب خلالها منها (مثلا فوازير "حاجات ومحتاجات" ومسرحية "علشان خاطر عيونك").. وكان قد كتب لها قبل رحيله فوازير جديدة بعنوان "ست البنات" لكن الظروف لم تسمح بخروجها للنور وما زالت فى أدراج مكتبه.


(3)

الفكرة السائدة عن الشعراء والمبدعين هى أنهم أشخاص فوضويون وضد النظام وإلى الحياة البوهيمية أقرب.. عايزة أقول إن سيد حجاب كان استثناء عجيبا، وكان منظما بشكل يغيظ أحيانا، وكل حاجة على مكتبه مضبوطة بالمسطرة!

أنا فاكرة لما كانت البنت التى تساعدنى فى شغل البيت تدخل مكتبه لتنظفه، فإنه كان يقضى ساعات بعدها فى إعادة ترتيب الورق بطريقة خاصة به ويضبطه بالمازورة!

وكان يحرص على أن يأخذ ملابسه من الغسيل ويطبقها بطريقة (منمنمة) عجزت عن تقليده فيها ثم (يرصها) فى دولابه بأسلوب هندسى مدهش.. وكنت أظن أن ذلك بسبب تأثره بسنوات دراسته فى كلية الهندسة، ثم اكتشفت أن التأثير الأكبر فى تلك الدقة راجع إلى والدته ومنها ورث تلك العادة.

لكن هذا الرجل المنظم جدا، الذى يبدو من ملامح وجهه أنه شخص جاد جدا، كانت دمعته قريبة جدا وسريع الانفعال جدا كطفل.. أكثر موقف ممكن يفجر دموعه لما يلاقى واحد مظلوم.. أنا فاكرة فى سنواته الأخيرة لما كنت أسمعه أى حاجة لبليغ حمدى فى (اليوتيوب) كان يبكى ويقول لى: الراجل ده اتظلم قوى!

وفاكرة مرة كلمته شاعرة من الإسكندرية كان يحبها ويتعاطف معها لأنها (قعيدة) وراحت تشتكى له أنهم عزموها على ندوة بالقاهرة  ورفضوا أن يرسلوا لها سيارة تنقلها رحمة بظروفها وكلمها المسئول عن الفعالية بفظاظة وبلا رحمة.. يومها كان سيد عنده ندوة وقام واحد من الحضور وسأله سؤالا عن أنه لم يأخذ ما يستحق من مكانة، وفوجئ الحضور بسيد حجاب ينفجر فى البكاء.. ولم يكن أحد يدرى السر.. فقد حكى لى عندما عاد أنه ساعتها تذكر الظلم الذى وقع على شاعرة الإسكندرية!

وفى مرة رحت معه نتفرج على مسرحية " 1980 وأنت طالع" وبعد العرض فوجئت أنه يبكى.. كانت دموع فرح أن المسرح المصرى ما زال بخير، وكان سيد عاشقا للمسرح وكان من أحلام حياته أن يستعيد المسرح الغنائى المصرى أيام عزه، وفى سفرياتنا العديدة لأوروبا وخاصة إلى لندن كانت الفرجة على العروض المسرحية على رأس أجندتنا!

لقد رُزقت حب هذا الرجل الاستثناء.. الذى كان قادرا دوما على إثارة الدهشة حتى فى مشهد الرحيل.


 	أيمن الحكيم

أيمن الحكيم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

لماذا تتكرر أعطال الأجهزة المنزلية رغم الصيانة؟ متخصصون يوضحون الأسباب

في كثير من المنازل السعودية تتكرر شكوى شائعة بين المستخدمين، وهي أن بعض الأجهزة المنزلية تتعطل مرة أخرى بعد فترة...

السعودي شو وتجربة شراء اشتراك نتفلكس بطريقة أكثر اطمئنانًا

في عالم الاشتراكات الرقمية، لا يبحث العميل عن المنتج فقط. هو يبحث عن تجربة كاملة تبدأ من لحظة دخوله إلى...

صلاح عبد الصبور.. الفارس النبيل الذى انكسرت أحلامه سريعا

فى ذكرى ميلاده الخامس والتسعين أحدث نقلة فى المسرح الشعرى العربى.. وحرر المسرحية الشعرية من القصيدة الغنائية كان سابقا فى...

نوران خالد: رواياتى ترصد سعى الإنسان نحو الحرية

الرواية التاريخية مغرية لأى كاتب لا يوجد قالب جاهز أو كتالوج يلتزم به الكاتب اعتبر نفسى كاتبة نسوية