تقول الأسطورة الشعبية إن هناك وقتاً غامضاً فى أحد أيام السنة، فى ذلك الوقت ينام البحر الكبير (النيل) ومن يشرب من مياهه فى تلك الساعة فإنه يصاب بـ «عِرق الصبا»، وعِرق
تقول الأسطورة الشعبية إن هناك وقتاً غامضاً فى أحد أيام السنة، فى ذلك الوقت ينام البحر الكبير (النيل) ومن يشرب من مياهه فى تلك الساعة فإنه يصاب بـ «عِرق الصبا»، وعِرق الصبا هو عبارة عن قوة غريبة تتمدد فى جسم سعيد الحظ الذى تهيأت له الظروف واختارته، فيصبح إنساناً فوق قوة الناس الطبيعية؛ يأكل طعام عشرة رجال فى «طقة واحدة» ويحمل حمولات لا يقدر عليها سوى جمع من الأقوياء بالمشاركة، هذه الحكاية الشعبية المرتبطة بـ «عِرق الصبا» سمعتُ عنها هنا فى الشمال فى الدلتا تحديداً حيث أعيش، سمعتها من أحد الرجال الطاعنين فى السن وسمعتها عن والدى أيضاً وسمعتها من صديق يقطن شط النيل مباشرة، والرابط بين ما سمعتُ أن تلك الحكاية الشعبية مرتبطة بحكايات واقعية عن شخصيات من لحم ودم أصابهم ما أصابهم من «عِرق الصبا»،
فى تلاقح سحرى بين عالم الخيال والتأصيل السحرى وبين الواقع المادى المعيش، بالطبع هذا المزج هو سؤال كبير فى فروع البحث من خلال الشقين الاجتماعى والثقافى بشكل عام، هذه المرة ومن الجنوب تحديداً والجنوب هنا إشارة حقيقية للمنابع، منابع الحكاية وأصولها والامتداد الطبيعى لمسار النيل «شريان الحياة والمكون الرئيسي»؛ حيث يختار الكاتب خالد إسماعيل هذه الحكاية الخرافية ليؤسس عليها خطاً كبيراً ممتداً لأحداث مهمة على صعيد حياة الناس «ناس الصعيد» على هيئة رسم ورصد لمجموعة من التحولات الكبرى منذ «على بك الكبير» مروراً بتحولات الحقب المتلاحقة حتى عهد السبعينات الذى شهد الطفولة المشحونة لبطل الرواية، فى دفقة حكائية شعبية تمثل طبيعة وسمات الحكى الشعبى الشفاهى تبدأ الرواية هكذا:
(اسمع ياولدى، أنا الحكاية دى حكاها ليه «المقدس ميخاييل» النصرانى الصراف بتاع «طهطا» كلها، قال لى «البحرالكبير» ليه ساعة ينام فيها فى السنة مرة، واللى يشرب منه فى الساعة دى، على طول يلاقى روحه عنده «عرق الصبا»، ياكل كتير وينام ساعة ولّا ساعتين فى «الجمعة»، وتبقى عنده قوة وشدة أكترمن عشر رجالة..، «بركات المغربى» جات له رؤيا فى المنام، جاله هاتف من «فرعون» بتاع «البرالمصرى» كله، عطاه أمر أنه يركب ركوبته ويطلع من «فاس ومكناس» على «مصر» وإيجى يقعد فى «النزلة» دى..، النزلة دى «كفرية»، يعنى إيه «كفرية»؟..يعنى من أيام «الأروام» و«سيدنا موسى»، وكانت الناس لقدام تسمع كركبة طول الليل، خيل وعسكروحروبات وصراخ، ويصحوا فى الصبح مايلاقوش ولاحاجة، وكمان فى « النزلة» دى، «لقية» على أشكال وأنواع، فيه «عجل بقر» يطلع فى الليل قدام «جامع الشحايته»، ينعر ويبرطع، لو إنت من الموعودين وضربته بطوبه تتفتح لك كنوز الدنيا، أنا نسمع من وأنا عيّل، أن «بركات» طلع له «عجل الجامع»، بس ماقدرش يميل ع الأرض ويمسك طوبة، عشان دراعه اتشل.. فى دقيقة، كان دراعه وقف، وراح العجل نزل فى «البير» بتاعة الساقية، وفيه «لقية» فى بيت جدى ـ اللى إحنا قاعدين فيه ده ـ ديك أحمريطلع مع الفجر، وزيه زى «عجل الجامع»..ولحد النهارده قاعدة اللقية فى بطن الأرض، عشان الموعود بيها، الدنيا دى ياولدى للموعودين مش للحسابين، أرزاق موعودة بيها ناس من الأزل، مش تقعد تحسب بالورقة والقلم وتعمل روحك مفتح.. قالوها زمان «الرزق للموعودين والهم للحسابين»).
الرواية فى مجملها متحف حى وشجرة وارفة عن المكون الاجتماعى لعائلات الصعيد والقبائل وصراعات السلطة والقوة، عن الفروق المحتدمة بين سكان غرب النيل وشرقه وكذلك غرب السكة الحديد وشرقها؛ حيث تجد أن من يقطن غرب السكة الحديد يفضل بطولة أبو زيد الهلالى أما من يقطن شرقها فينحاز لبطولة زناتة وخليفة الزناتى، عن العمدة «تغيان» ووريثه فى السلطة ولده عبدالجبار تغيان، فالرواية بجانب تشريحها الاجتماعى تقدم بعداً معرفياً يتمثل فى التأصيل لعلاقات شتى، كالعلاقة بين أسماء القبائل والمهن المرتبطة بها، فنجد «آل الصنهاجي» العائلة المنتمية إلى مدينة صنهاجة بالمغرب والتى تحترف حرفتين أساسيتين، هما صنع مقاطف الخوص والأدوات التى تستخدم فى أغراض حفظ الخبز والدقيق وبذر البذور، وكذلك حرفة صيد السمك من الترع والنيل، وتسرد الرواية للمهن الرئيسية التى عمل بها الأقباط فى نزلة بركات كالحلاقة ودفن الموتى وفصل التبن عن الغلة فى مواسم الحصاد، وتذكر الرواية أن هذه المهن كانت محتقرة عند «العُربان».
تمتلئ الرواية بمفاتيح ثقافية لدراسة مجتمعات الصعيد على أكثر من جهة؛ وقد جاءت الجملة المفتاحية (المعركة بدنات والدم بيوت) للإشارة للثقافة السائدة عن طبيعة القرابة، فهناك قريب عصب وآخر فوقانى، والقانون الذى تحكمه الجملة المفتاحية أن حق الثأر لا يسرى على القريب الفوقانى أى القريب غير المباشر، اللغة فى الرواية ثرية إلى حد هائل والإيقاع ليس غريباً عن زمن ومكان الأحداث فالناس فى نزلة بركات يقسمون فصول السنة إلى (فيض ــ إشته ــ دميره ــ فتيح الورد).
تمتلئ «عرق الصبا» الصادرة عن دار العين بمصائر متعددة كمصائر أهل السلطة والمتمسحين بها، كذلك مصائر المهمشين العبثية كموت «الولى الأخرس» صاحب الكرامات بلدغة عقرب وأيضاً موت «صدفة النوري» صاحب السمع الثقيل والذى عاجلته طلقة مجهولة وهو يقضى حاجته داخل غيط قصب بسبب أحد الصراعات المحتدمة والمتجددة بين الهوارة والعرب، كما أن «عرق الصبا» يمد الإنسان بقوة هائلة بمجرد شربه لجرعة ماء بسيطة فى وقت محدد، كذلك فالأحداث التى عايشها البطل ودارت حولها الرواية هى «عرق صبا» من نوع آخر، قوة دافعة للبطل من خلال استحضار طفولته بكل ما تحمله من مخزون حكائى وأيضاً تجميع ومعايشة متناقضات ومصائر متنوعة.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...
الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى
ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية
أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد