قصة اللقاء الأول بين حلمى رفله وعبدالحليم حافظ

فى ذكرى رحيل العندليب الأسمر (1)

علاقة المخرج والمنتج السينمائى حلمى رفله وعبد الحليم حافظ مثيرة وحميمية، بدأت بلقاء جمع بينهما عام 1953، في مكتب رشيد النحال المحامى سجل رفله تفاصيله بين أوراقه. علاقة شهدت توتراً، وتنوعت بين المحبة والصداقة، والخلافات والمشكلات. حكاية كان نتاجها أربعة أفلام أنتجها كلها رفله، وأخرج منها ثلاثة: «ليالي الحب»، و«فتى أحلامي»، و«معبودة الجماهير»، وأسند إخراج الرابع «شارع الحب» إلى عز الدين ذو الفقار. حين التقى رفله مع عبد الحليم آمن بموهبته وتعاقد معه فوراً. تأخر تنفيذ التعاقد لخوفه من المغامرة، ولكن إيمانه بموهبة عبد الحليم بدا قوياً بعد أن استمع إلى صوته. وهذا طبيعى، نظراً لخبرة رفله في الفيلم الغنائي لكونه أحد صناعه الكبار.

كتب رفله في أوراقه عن هذا اللقاء:

«إذا لم تخنّى الذاكرة، فإن قصة لقائى الأول بالمطرب عبد الحليم حافظ تمر أمامي كشريط سينمائي وكأني أعيش أحداثه اليوم أو الأمس فقط على أكثر تقدير.. ففي يوم من الأيام حدثني صديقى الأستاذ رشيد النحال المحامى أن هناك وجها جديدا يمتلك صوتا ذهبيا ولم يكتشفه أحد بعد للسينما ودعاني للاستماع إليه، واللقاء به في منزله، وفى الموعد المحدد ذهبت إلى شقة الأستاذ رشيد، وكان يقيم بعمارة الإيموبيليا بشارع شريف، وهناك لم يدهشنى لحظة دخولى لشقة رشيد التواضع الكبير للأثاث الذي تحتويه شقته، فهو أمر اعتدت عليه مع تعدد زياراتي له، وإنما الجديد في هذا اللقاء والذي شد انتباهی هو ذلك التواضع الذي لمسته في ذلك الشاب الرقيق الذي قدمنى له الأستاذ رشيد.

وبعد أن تمت عملية التعارف بيننا بدأت عینای تتفحصان قسمات هذا الوجه الجديد، وملامحه البسيطة الريفية، ثم تجرى سريعة لتستقر فوق وجه الأستاذ رشيد النحال، ومن خلال نظراتی الفاحصة لهما استطعت أن أربط بين اسم صدیقی «النحال وبين نحالة عبد الحليم حافظ، والذي التقيت به لأول مرة عام ١٩٥٣.

ومع مرور الوقت بطيئا شعرت أن هذا الشاب الرقيق لا يمكن أن يصبحفي ذلك الوقت - نجما سينمائيا بأى صورة من الصور. بعد أن انتهينا من تناول الشاي بدأ عبد الحليم حافظ يدندن وأخذ صوته ينساب في عذوبة ورقة مردداً بعضا من أغانيه الجديدة.

وعلى الرغم من أننى لا أدعى لنفسى الخبرة في فهم الأصوات والحكم على صلاحيتها الفنية، وأن معلوماتي عن الموسيقى والغناء لا تتعدى المبادئ الأولية فيها، إلا أن صوت عبد الحليم حافظ شد انتباهی واستحوذ على مشاعري حينئذ لدرجة أني أخذت أتخيله بطلا لمشاهد القصة الجديدة التي كنت أستعد وقتها لتقديمها للشاشة.

وبعد أن انتهى عبد الحليم من دندنته لم أضع وقتا كثيراً، وعلى الفور طلبت من الأستاذ رشيد النحال القيام بكتابة وإعداد العقد بيننا، وذلك بعد أن تم الاتفاق على الأجر الذي حدده عبد الحليم بنفسه وكانت قيمته ۳۰۰ جنيه دفعت له منها خمسين جنيها كعربون. ثم ودعتهما على أمل أن التقى عبد الحليم قريبا حين أنتهى من إعداد سيناريو الفيلم الأول الذي أقدمه فيه، وفى ذلك الحين كنت متعاقداً مع الموسيقار محمد عبد الوهاب على إخراج فيلم لحسابه يقوم ببطولته ابن شقيقه المطرب سعد عبد الوهاب، إلا أنني من خلال معرفتي بعبد الوهاب وقربى منه كنت أشعر أنه غير متحمس لمواصلة إنتاج الفيلم السعد، ومع إحساسي هذا أسرعت بالتحدث مع الأستاذ عبد الوهاب عن ذلك الشاب الرقيق الذى استمتعت بصوته في منزل رشيد النحال وأبديت له إعجابي الشديد بحلاوة صوته، وأننى أتنبأ له بمستقبل كبير، وأمام حماسي هذا فوجئت بالأستاذ محمد عبد الوهاب يوجه لي العديد من الأسئلة الفنية التي تدور حول طبيعة صوت عبد الحليم حافظ وكيف أمكنني تقدير صوته التقدير السليم؟ وعلى أي أساس بنيت حكمى عليه؟ كل هذا وهو يعلم في قرارة

نفسه أن الوسط السينمائي وقتئذ كان قد أحاطني بإشاعة قوية، وهي أنه على الرغم من أني لا أميل كثيرا للاستماع إلى الغناء ولا استسيغة، وبالرغم من أن معلوماتي عن المزيكا والأصوات

قليلة إلا أنني قدمت الكثير من الأفلام الاستعراضية والغنائية الناجحة. وقد فسروا هذا الاتجاه عندي بأنه تنفيس عن عقدة الغناء التي تلازمني؟ وكانت هذه المعادلة الصعبة التي أشاعوها على مادة دسمة للتندر حينئذ

وكانت أسئلة الأستاذ عبد الوهاب محرجة للغاية، إلا أنني استطعت أن أجيب عنها كلها، وببساطة شديدة وهي أنني كنت لا أستطيع تقدير مدى أهمية صوت عبد الحليم حافظ فنياً إلا أن الشيء الوحيد الذي استطيع أن أؤكده هو أني كنت سعيدا وأنا أستمع إليه.

وعلى هذا الأساس فلم يكن يهمني أن أكون خبيراً في الأصوات لأحكم على صوته بأذن الخبير وأنا يكفيني أني واحد من أفراد الشعب الذين يسعدهم أن يستمعوا إلى صوته.

وأمام حماسي هذا الصوت عبد الحليم حافظ اهتم الأستاذ عبد الوهاب بالموضوع، وتم اللقاء بينهما، وهنا يجب أن أقرر أن تقدير عبد الوهاب لصوت عبد الحليم يختلف تماماً عن تقديري، وهو الأمر الذي لا جدال فيه لأن هناك فرقا كبيرا بين تقدير صانع غشيم و تقدير جواهرجي عالمی مثل عبد الوهاب، وبعد أن تم الاتفاق بينهما جاءني الأستاذ محمد عبد الوهاب يزف إلى البشرى ويخبرني أنه تعاقد مع ذلك الشاب الذي استمعت إلى صوته في منزل رشيد التحال، وإن كان هذا الخبر قد اثلج صدري واسعدني كثيراً، إلا أنه في نفس الوقت أثبت بعد نظری و حسن تقدیري، وكان الخير هو الرد الحاسم على الإهانة التي وجهها إلى الحاقدون والتي تتعلق بعدم فهمي وسوء تقديري للأصوات الغنائية، بدليل أن موسيقار الجيل الأستاذ عبد الوهاب بعد أن استمع إلى الشخص الذي اختركه أنا ورشحته له، سارع بالتعاقد معه، وهنا فقط شعرت أن عبد الوهاب قد شارك بالفعل على جواد رابح كنت أنا السابق في قطع تذكرة اللعب عليه.

ولم تجر الأمور بعد ذلك مجراها الطبيعي ولم يتحقق لقائي الفني الأول بعبد الحليم حافظ بالسرعة التي كنت أتوقعها، فمن ناحية، المعروف أن الأستاذ عبد الوهاب له مكانته وفضله الفني والأدبي، وليس من السهل عليه أن يتخذ قرارا أو يخطو خطوة واحدة لا تكون على غير رغبته أو هواه، فيعد أن تم الاتفاق بينه وبين عبد الحليم حافظ بدأت بعض الإشكالات في تنفيذ هذا الاتفاق، وأخذت أنا وعبد الوهاب نتبادل وجهات النظر بشأنها للوصول إلى قرار نهائي فيها، فأحيانا كنت أجد عبد الوهاب يعرض على أن أكون شريكا له في الفيلمين اللذين قرر إنتاجهما العبد الحليم حافظ، ثم بعدها يقترح أن أقوم أنا بإنتاج التجربة الفنية الأولى معه، وأن أتحمل مخاطرها المادية وحدي، وفي مرة ثالثة يعرض على أن يبدأ هو حتى يجنى ثمار هذه التجربة... وكان عبد الحليم حافظ الضحية الحالة عدم الاستقرار القائمة بيني وبين عبد الوهاب، ولذلك فإنه وجد نفسه محمداً فنياً ولم يبدأ بعد خطوته الأولى في السينما، ولما كان العمل السينمائي بيحتاج إلى شوية تمويل مادي حتى يخرج إلى حيز التنفيذ ويرى النور فقد قمت بالاتصال بأحد مكاتب التوزيع الكبرى حينئذ وعرضت على أصحابه تمويل فيلم عبد الحليم حافظ والمعروف أن مكتب بهنا فيلم كان يديره أجانب ليس لديهم العام كاف بالحركة السينمائية وتوقعاتها، وكان لا يهمهم فيها سوى مظهرها التجاري السطحي، وكان يعمل معهم وقتئذ موظف مصرى يدعى محمد أفندي أما باقي اسمه فلا أعرفه، وكان محمد أفندى هذا صاحب القول الفيصل والأخير في جميع المشاريع الفنية التي تعرض على مكتب بهنا فيلم، وبالفعل قام الخواجة جورج بهنا باستدعائه تم سأله رأيه في مشروع فيلم غنائي يعرضه الأستاذ حلمى رفله بطولة واحد اسمه عبد الحليم حافظ

وهنا سأل محمد أفندي في جمود ولا مبالاة وكأنه يسأل عن شيء مجهول

عبد الحليم حافظ اللي بيغني؟

فأجيبه : نعم هو.

فيرد على الفور: «يا عالم ما تسيبوا من الجماعة اللي بيغنوا على طول.

وكان رد محمد أفندي هو بمثابة حكم نهائي برفض المشروع المعروض منى على مكتب بهنا فيلم وبعدها قمت بالاتصال بشركة الشرق للأفلام وهي من الشركات السينمائية التي كان لها شأن في ذلك الحين، في محاولة أخرى على التنفيذ الفيلم عن طريقهم، إلا أن أصحاب الشركة عرضوا على منحى سلفة وأن أقوم أنا بإنتاجه، ولكن أمام ضالة المبلغ الذي عرضوه لم أجد بدا من الرضوخ للأمر الواقع، وأن أترك الأستاذ محمد عبد الوهاب يقوم بإنتاج فيلمه الأول مع عبد الحليم، وتمر الأيام سريعا ولم يتم تنفيذ اتفاقي مع عبد الحليم. وأيضا أمام تردد عبد الوهاب في تنفيذ عقده معه هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أمام الرغبة الجامحة لعبد الحليم حافظ في أن يعمل في السينما، فوجئنا به إحنا الاثنين بأنه يبدأ العمل مع منتج أخر ومن جانبي حاولت إيقاف تنفيذ هذا المشروع، إلا أنني وجدت عبد الحليم ينهض إلى مكتبي ويقول لي: أنت وعبد الوهاب كفرتوني، وأنكم لو شنقتموني فلن تستطيعا أن تمنعاني من العمل.

في نفس الوقت أكد لي عبد الحليم حافظ أنه يقبل تنفيذ عقده معى حين يتم استعدادي لتنفيذه، وأنه لن يتقاضى منى ولا مليما زيادة عن الأجر الذي تم الاتفاق عليه، وهو ثلاثمائة جنيه، وذلك مهما ارتفع أجره في السينما ومهما زادت شهرته فيها. تم وجدت الأستاذ كمال الطون يتصل بي ويطلب منى أن أترك عبد الحليم يعمل لأن هذا في مصلحتي، لأنه إذا وفق ونجح فأنا المستفيد من وراء ذلك. وإذا - لا قدر الله - أخفق فإن ربنا يكون قد أنقذني من مشروع قد يبدأ بالفشل. وبالفعل تركت الأمور تسير بطبيعتها. وللحديث بقية.

 

 	جرجس شكري

جرجس شكري

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

فايزة
سعاد
الزهر

المزيد من فن

نور النبوى يصور «كان يا ما كان» فى الأقصر

يصور الفنان نور النبوى المشاهد الأخيرة من فيلمه الجديد «كان يا ما كان » فى مدينة الأقصر خلال الأسبوع الحالى.

جيهان الشماشرجى تعطل «البحث عن فضيحة»

تسببت الفنانة جيهان الشماشرجى فى توقف تحضيرات فيلم «البحث عن فضيحة», بسبب أزمتها فى إحددى القضايا.

خالد سليم يصور أغنية جديدة فى كاليفورنيا

استقر الفنان خالد سليم على تصوير أغنية جديدة خلال جولته الفنية فى الولايات المتحدة الأمريكية.

مؤلف «على كلاى» يدخل عالم الإخراج

يخوض المؤلف والفنان محمود حمدان تجربة الإخراج لأول مرة بمسلسل جديد يُعرض خارج السباق الرمضانى.