احتفاء فنى وصدام سياسى غزة تخطف الأضواء فى «برلين»

شهد مهرجان برلين السينمائي الدولى (برليناله) مساء السبت 21 فبراير 2026 أمسية ختامية حملت أبعادا سياسية واضحة، بعدما منحت لجنة التحكيم جائزتها الكبرى لأعمال انشغلت بقضايا الحرية والحصار والحرب، فيما سجل الحضور العربي حضورًا لافتا بحصد جائزتين مهمتين.

وتوج فيلم «رسائل صفراء» للمخرج الألماني التركي إيلكر تشاتاك بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم.. العمل الذي يحمل عنوان Yellow Letters بالإنجليزية و Gelbe Briefe بالألمانية، يتناول قصة مخرج مسرحى تركى تتصدع علاقته بزوجته الممثلة بعدما يمنعان من العمل في تركيا بسبب مواقفهما السياسية. وقد صور الفيلم في ألمانيا ويقدم معالجة درامية لعلاقة الفن بالسلطة، وللثمن الشخصي الذي يدفعه الفنانون حين تتحول آراؤهم إلى سبب للإقصاء والمنع.

في المقابل، حقق الفيلم السوري الفلسطيني يوميات من الحصار للمخرج عبد الله الخطيب إنجازا بارزا بفوزه بجائزة أفضل فيلم روائي أول. ويرصد العمل تفاصيل الحياة اليومية لسكان يعيشون تحت وطأة الاحتلال مركزا على محاولاتهم المستمرة للبقاء وسط ظروف إنسانية قاسية في سردية تمزج بين التوثيق والبعد الإنساني العميق.

كما نالت المخرجة اللبنانية مارى روز أوسطا جائزة أفضل فيلم قصير عن عملها يوما ما ولد»، الذي يروى حكاية طفل يمتلك قدرات استثنائية في قرية يخيم عليها هدير الطائرات الحربية. ويقارب الفيلم مفارقة براءة الطفولة في مواجهة العنف مستندا إلى لغة بصرية شاعرية تختزل التوتر بين الحلم والواقع.

وجاءت نتائج الدورة لتعكس التوجه المتنامي في برلیناله نحو تكريم الأعمال ذات الحس السياسي والاجتماعي، حيث لم تكتف الأفلام الفائزة بسرد الحكايات بل طرحت أسئلة حادة حول حرية التعبير والمنفى وأثر الصراعات على الحياة اليومية للأفراد.. هكذا بدا ختام المهرجان هذا العام احتفاء بسينما تشتبك مع الواقع، وتمنح الصوت لمن يقفون في قلب العاصفة.

ولم تقتصر الجوائز على الدب الذهبي، إذ حملت الأمسية الختامية رسائل سياسية واضحة في كلمات الفائزين ومضامين الأعمال المتوجة.

حرية التعبير

في خطاب تسلمه الجائزة شدد إيلكر تشاتاك على أن "التهديد الحقيقى ليس بيننا، بل هناك في الخارج"، في إشارة إلى صعود التيارات السلطوية واليمينية، معتبرا أن الفن يواجه اليوم محاولات متزايدة لتقويض حرية التعبير وتدمير أنماط الحياة الديمقراطية. وجاءت كلمته امتداداً للروحالسياسية التي يطرحها فيلمه، حيث يتتبع مصير زوجين يفقدان عملهما في تركيا بسبب مواقفهما النقدية، قبل أن يدفعا إلى مغادرة حياة الاستقرار.

الفيلم الناطق بالتركية والمصور في ألمانيا، قام ببطولته أوزجو نامال وتانسو بيتشار مجسدين زوجين ينهار استقرارهما المهنى والشخصي بعدما تستهدف السلطات الزوج بسبب انتقاداته المنشورة على الإنترنت في معالجة درامية تمزج الخاص بالعام، والعاطفي بالسياسي.

وعلى صعيد جوائز التمثيل، فازت الممثلة الألمانية ساندرا هولر بجائزة الدب الفضى لأفضل أداء تمثيلي في دور رئيسي عن دورها في فيلم «روزه» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر وقدمت هولر أداء مكتفاً لشخصية امرأة تعيش في ريف ألمانيا في القرن السابع عشر، تلجأ إلى التنكر في هيئة رجل هربا من سطوة النظام الذكوري في فيلم صور بالأبيض والأسود واعتمد لغة بصرية صارمة تعكس قسوة البيئة الاجتماعية التي تتحرك فيها البطلة.

أما جائزة لجنة التحكيم الكبرى الدب الفضى) فذهبت إلى فيلم «سالفيشن» للمخرج التركي أمين أثير، الذي استثمر لحظة التتويج للتعبير عن تضامنه مع معارضين بارزين مسجونين في تركيا، من بينهم رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو، كما أعلن تضامنه مع الشعب الإيراني والفلسطينيين في غزة في كلمة عكست تداخل الفن بالسياسة، وهي سمة طبعت مجمل هذه الدورة.

وحصد فيلم ملكة في البحر» للمخرج الأمريكي لانس هامر جائزتين من بينهما جائزة لجنة التحكيم، في عمل درامى يتناول تجربة الخرف وما تفرضه من تحولات قاسية على العلاقات الإنسانية. كما نال بطلا الفيلم الممثلة البريطانية أنا كالدر مارشال والممثل البريطاني توم كورتيناي جائزة الدب الفضى لأفضل أداء تمثيلي في دور مساعد عن تجسيدهما علاقة زوجين يواجهان المرض وتداعياته النفسية والعاطفية.

وفي فئة الإخراج، فاز البريطاني جرانت جی بجائزة أفضل مخرج عن فيلمه الجميع يحب بيل إيفانز»، الذي يستعيد سيرة عازف الجاز الأمريكي في معالجة تمزج بين الوثائقى والبورتريه الفني. كما منحت الكندية جينيفيف دولود دي سيل جائزة الدب الفضى لأفضل سيناريو عن فيلم نينا روزا» فيما ذهبت جائزة الإنجاز الفنى المتميز إلى فيلم الحب طائر متمرد للمخرجين الأمريكيين أنا فيتش وبانكر وايت.

ويأتي ذلك بعد أن كان فيلم «أحلام» للمخرج النرويجي داج پوهان ها و جيرود قد فاز بالدب الذهبي في دورة عام 2025، في تأكيد لاستمرار توجه برليناله نحو تكريم أعمال ذات حس إنساني وسیاسی واضح

الحرب في غزة

الأمسية لم تخل من الجدل؛ إذ استغل المخرج السوري الفلسطيني عبد الله الخطيب كلمة الشكر عقب فوز فیلمه يوميات من الحصار للحديث عن الحرب في غزة موجها انتقادات حادة للحكومة الألمانية ومتهما إياها بالمشاركة فيما وصفه بـ «حرب إبادة جماعية. وقد قوبلت كلمته بمزيج من التصفيق وهتافات المقاطعة داخل القاعة، فيما غادر وزير البيئة الألمانى كارستن شنايدر الحفل بحسب ما أعلن متحدث باسم وزارته معتبرا التصريحات غير مقبولة».

وسبق ذلك أن وجهت المخرجة اللبنانية مارى روز أوسطا انتقادات للعمليات العسكرية الإسرائيلية خلال كلمتها، قبل أن تعقب مقدمة الحفل ديزيري نوسبوش بالتأكيد على التضامن مع جميع المدنيين المتضررين من الحروب والإرهاب.

وفي سياق الجدل الذي طبع الأمسية برز موقف المخرجة التونسية كوثر بن هنية التي أعلنت رفضها تسلم الجائزة التي منحت لعملها، في خطوة احتجاجية فسرتها بأنها تعبير عن موقف أخلاقي إزاء ما يجرى من أحداث إنسانية وسياسية في المنطقة. وأكدت بن هنية في بيان مقتضب أن تقديرها للمهرجان لا يتعارض مع حقها في اتخاذ موقف يتسق مع قناعاتها، مشددة على أن السينما بالنسبة إليها ليست مجرد صناعة فنية، بل مساحة للمساءلة والالتزام.

وأوضحت كوثر بن هنية أن قرارها جاء اعتراضا على منح جائزة لفيلم يتناول قصة إنقاذ عائلة إسرائيلية خلال أحداث السابع من أكتوبر، المعروفة إسرائيليا باسم طوفان الأقصى»، معتبرة أن تكريم هذا العمل فى الظرف الراهن يتجاهل - بحسب تعبيرها - السياق الإنساني الأوسع وما يتعرض له المدنيون الفلسطينيون في غزة. وأكدت أن موقفها لا يستهدف حرية التعبير أو حق أي صانع أفلام في تقدیم روايته بل يندرج ضمن حقها الشخصي في عدم الظهور على منصة واحدة مع عمل ترى أنه يقدم سردية أحادية للصراع، في ليلة طغت عليها المواقف السياسية بقدر ما احتفت بالإنجازات السينمائية.

وفي ختام الأمسية، أعلنت لجان التحكيم الرسمية نتائجها في الدورة السادسة والسبعين من مهرجان برلين السينمائى الدولي بعد كلمة القتها مديرة المهرجان تریشیا تاتل استحضرت فيها أجواء الأيام العشرة الماضية وما رافقها من نقاشات وتوترات وقالت تاتل إن المهرجان أقيم هذا العام في عالم يبدو قاسياً ومتصدعا»، مشيرة إلى أن كثيرين حضروا وهم يحملون مشاعر الحزن والغضب والإلحاح إزاء ما يجرى خارج قاعات العرض. واعتبرت أن هذه المشاعر حقيقية وتنتمى إلى مجتمعنا»، مؤكدة أن إدارة المهرجان تستمع إليها.

وأقرت مديرة برليناله بأن الدورة واجهت تحديات علنية، ووصفت ذلك بأنه نتيجة طبيعية لكون المهرجان مؤسسة ثقافية بارزة في لحظة عالمية تتسم بالاستقطاب وأضافت أن النقد والاختلاف جزء من الديمقراطية، وأن المهرجان يحترم الأصوات التي تتحدث بصراحة، حتى في حال عدم الاتفاق مع جميع الطروحات.

وأكدت أن ما تفخر به هو حفاظ المهرجان على روحه الأصلية مساحة عامة يجتمع فيها الناس على اختلافهم للجلوس معا في الظلام والنظر إلى العالم من خلال عيون الآخرين ولفتت إلى أن برنامج هذا العام ضم 278 فيلما من 80 دولة أنجزها مخرجون خاطروا بالكثير لسرد قصصهم». وتناولت موضوعات العنف والظلم والذاكرة والبقاء إلى جانب الفن والحب والصداقة.

وشددت تاتل على أن حرية التعبير في برليناله لیست صوتا واحداً، بل أصوات عديدة»، قد تكون هادئة أو غاضبة أو حتى متناقضة، لكنها تجد في السينما وسيلتها للتعبير. ورأت أن المهرجان لا يدعى حل صراعات العالم لكنه يوفر مساحة للتعقيد والاستماع وإضفاء الطابع الإنساني على التجارب المختلفة.

واعتبرت أن هذا التنوع في وجهات النظر سينعكس في الأفلام التي تمنح جوائزها، مؤكدة أن ليلة الختام هي مساحتهم وفرصة لنا للاستماع». وختمت بالقول إن صخب الدورة ومشاعرها المكثفة ليسا فشلا للسينما، بل دليل على أنها تؤدى وظيفتها متوجهة بالشكر إلى صانعي الأفلام والجمهور وفريق المهرجان.

 	أميمة فتح الباب

أميمة فتح الباب

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

مارتن سکورسیزی

المزيد من فن

مايان السيد مرشحة لفيلم على ربيع الجديد

رشح الفنان على ربيع الفنانة مايان السيد لتكون ضمن فريق فيلمه الجديد «ولاد العسل» المقرر بدء تصويره فى الفترة المقبلة.

تأجيل تحضيرات فيلم أحمد بحر الجديد

توقفت تحضيرات فيلم الفنان أحمد بحر، الشهير بـ«كزبرة»، بعد عرض مسلسله «بيبو» فى الموسم الرمضانى.

نانسى عجرم تتعاون مع عزيز الشافعى فى «نانسى 12»

بدأت الفنانة اللبنانية نانسى عجرم العمل على ألبومها الجديد، والمقرر أن يحمل اسم «نانسى 12»، واستقرت على أغنية جديدة باللهجة...

بداية ونهاية.. أمينة رزق رسمت شخصية الأرملة الحائرة باقتدارٍ وصدق

فى هذه الأيام تعيش العائلة المصرية احتفالها السنوى بالأم، والربيع بالطبع، ولعل الربط بين الأمومة والربيع قام على المعنى المشترك...