رحل وترك لنا إرثاً فنياً كبيراً أحمد عبدالله.. صانع سينما الشباب

صاحب موهبة ومدرسة مختلفة تماماً قدم جيل كامل من النجوم الانطلاقة كانت مع هنيدى ورفاقه فى مسرحية «ألابندا» ثم بدأت خطواته نحو السينما

لم يكن السيناريست الراحل أحمد عبدالله «1 أبريل 1965 - 5 نوفمبر 2025» مجرد مؤلف درامى فقط لكنه وللحق واحد من أهم الكتاب ذوى الإنتاج الفنى الغزير الذين أجادوا تقديم طبقات المجتمع المصرى فى أعمالهم الفنية خلال الـ30 سنة الأخيرة، ولو أنه ركز خلال أعماله على الطبقة الشعبية تحديداً وأعطى لها مساحة شاسعة فى أفلامه ومسلسلاته واستطاع تقديمها ببراعة يُحسد عليها.

أحمد عبدالله هو صاحب العدد الأكبر من التجارب الفنية التى قدمها مع عدد كبير من النجوم الذين بدأوا بطولاتهم ونجومتيهم فى نهاية التسعينات على يديه، فبمنتهى الأريحية نستطيع القول إن السيناريست الراحل هو قائد وصانع سينما الشباب التى انطلقت قبل مطلع الألفية بقليل.

سواء تتفق أو تختلف مع ما قدمه المبدع الراحل، فهو مثل أى شخص له ما له وعليه ما عليه، أجاد فى أعمال كثيرة، وأخفق فى أعمال أخرى، لكنه فى النهاية صاحب موهبة ومدرسة مختلفة تماماً استطاع تقديم جيل كامل من الفنانين والنجوم كان هو صاحب العمل الأول وضربة البداية لهم وهم الآن ملء السمع والبصر، مثل أحمد حلمى ومحمد سعد وحمادة هلال، والراحل علاء ولى الدين وغيرهم من النجوم الآخرين.

البداية الحقيقية لأحمد عبدالله كانت مع هنيدى ورفاقه فى مسرحية «ألابندا» عام 1998 التى حققت نجاحاً كبيراً آنذاك، ثم بدأت خطواته نحو السينما وصناعة النجوم من خلال أعماله المبتكرة آنذاك والتى كانت بمثابة مدرسة مختلفة عما كان يقدم حينها، أعمال حديثة ذات لمسة شبابية تغازل جيلاً جديداً أحجم عن دخول قاعات العرض السينمائى اعتراضاً على عدم وجود أعمال تخاطبه أو تعبر عنه.

انطلق السيناريست الراحل بصحبة علاء ولى الدين من خلال بطولته الأولى وهو فيلم «عبود على الحدود» عام 1999، ثم يقدم فى عام 2000 البطولة الثانية لعلاء له وهو فيلم «الناظر»، ثم التجربة الثالثة لولى الدين عبر فيلم «ابن عز» وهو العمل الذى لم يلق النجاح المتوقع.

فى عام 2001، جمع السيناريست الراحل الثنائى أحمد حلمى ومحمد سعد بعد تألقهما كدور ثانٍ فى فيلمى «عبود على الحدود والناظر» فى بطولة فيلم «55 إسعاف» من إخراج مجدى الهوارى ليقدم كل منهما فيما بعد البطولة المطلقة الأولى على يديه.

فمن رحم فيلم «الناظر» استخرج أحمد عبدالله شخصية اللمبى ورسم لها خطوطاً درامية مستقلة ومختلفة، ليكون هذا العمل هو البطولة الأولى للنجم محمد سعد، من خلال فيلم «اللمبى» عام 2002، لينتقل بعد ذلك لتقديم البطولة المطلقة الأولى لأحمد حلمى من خلال فيلم «ميدو مشاكل» للمخرج محمد النجار.

لم يكتف السيناريست الراحل بأن يكون «وش السعد» على كل هؤلاء الممثلين بل وصل إلى المطرب الشاب حمادة هلال ليقدم معه البطولة الأولى من خلال فيلم «عيال حبيبة» عام 2005، ليكون فاتحة خير عليه مثلما كان قدم السعد على النجوم الذين سبقوه.

لا يمكن أن نتحدث عن السيناريست الراحل أحمد عبدالله بمعزل عن عدة أعمال يمكن اعتبارها علامات فى مشواره الفنى، ورغم أن كل عمل من هذه الأعمال يحمل فى طياته شارة مميزة فى مشوار «عبدالله» إلا أننا من الناحية الأخرى لا نختصر تاريخ الراحل فى هذه الأعمال فقط لكنها بالنسبة لنا بمثابة نقاط مهمة نقتفى بها أثره ونسترشد بها نحو فهم أفكار المبدع الراحل.

فيلم «اللمبى» هو بداية تيار ما سُمى حينها بأفلام «العشوائيات»، أما الفيلم الثانى الذى يستحق الدراسة فهو فيلم «ساعة ونص» الذى جمع أغلب أبطال المستقبل حينها، وقدم وجبة فنية رائعة ومختلفة بعدد هائل من الفنانين ورغم الهجوم على العمل حينها بدعوى أن أغلب أبطال الفيلم كلهم من أبناء النجوم، إلا أن الفيلم نجح نجاحاً كبيراً وأصبح واحداً من أهم أعمال السينما المصرية.

لا يمكن أن نتكلم عن أحمد عبدالله ولا نذكر له عملين بارزين آخرين  فى تاريخ السينما المصرية خلال السنوات الأخيرة وهما فيلما «كباريه» و«الفرح»، فثنائية «كباريه» و«الفرح» واللذين بهما تشابه وبعض التكامل فى الخط الدرامى لذلك يتم اعتبارهما ثنائية فنية خاصة أن مخرجهما واحد هو الفنان الراحل منذ أسابيع المخرج سامح عبدالعزيز.

 «اللمبى»

عقب طرح فيلم «اللمبى» فى دور العرض صيف عام 2002، شهدت الأوساط النخبوية والإعلامية موجة استهجان عنيفة، فعوامل كثيرة وأسباب عديدة كانت منطقية فى الهجوم على «اللمبى» منها على سبيل المثال تشويه رائعة أم كلثوم «سيرة الحب» وهذه كانت هى السابقة الأولى التى يتم تقديم فيها أغنية من كلاسيكيات الطرب المصرى بهذه الطريقة المبتذلة فى عمل فنى مصرى سينمائى.

الغريب فى الأمر أن هذا الهجوم الشديد على الفيلم والصادر عن النخبة التى ثبت فيما بعد انفصالها عن الواقع تماماً فالفيلم المستهدَف بالاَنتقاد اكتسح دور العرض وحطّم الأرقام القياسية فى الإيرادات، متجاوزاً عشرين مليون جنيه مصرى وهو رقم ضخم وقياسى «حينذاك» لقد شكل هذا المبلغ صدمة اقتصادية ورقماً خرافياً فى تلك الحقبة، مؤكداً الفجوة العميقة بين الحكم النقدى والمزاج الجماهيرى.

تحت عنوان «لماذا لا يعتذر الناقد لـ«اللمبى» كتب الناقد الكبير هاشم النحاس فى كتابه «السينما الشابة الموجة الجديدة فى السينما المصرية»: «عندما وجد النقاد أن الجمهور لا يخضع لتوجيهاتهم رموه بالجهل والسطحية وفساد الذوق وهى اتهامات سهلة لا تختلف كثيراً عن اتهامات دعاة التكفير، ليحتفظوا بأنفسهم بالتميز مع نفى الآخر».

 «ساعة ونص»

وإذا كان أحمد عبدالله قد انجرف بالسينما المصرية ببعض الأعمال الرديئة والتى فتحت باباً لم يغلق حتى الآن إلا أنه على الناحية الأخرى أمتعنا بالعديد من الأعمال المهمة مثل فيلم «ساعة ونصف» 2012 وهذا الفيلم من الأعمال المتميزة ذات الدراما المكثفة لا سيما أن أحداثه تدور خلال عدة ساعات فقط وبمشاركة عشرات النجوم.

خصص أحمد عبدالله لكل نجم قصة إنسانية عميقة وهو مجهود شاق حيث تباينت شخصياتهم فى الرؤى، والخطط، والأهداف، والمشكلات ومع هذا التباين، ظل القاسم المشترك الذى جمع العديد منهم هو «الفقر والحاجة»، وتدور هذه القصص فى قطار مُكتظ بالمعاناة الإنسانية والمشكلات التى تتفاقم داخل عرباته، إذ يتجه الركاب جميعهم إلى محافظة بنى سويف فى صعيد مصر.

يحمل القطار داخله جملة من الآلام التى ربما تكون قد حسمت وانتهت بشكل نهائى عندما انقلب القطار بالركاب وفارقوا الحياة، ليجدوا بذلك خلاصهم الأبدى من معاناتهم.

ركّز الكاتب على شخصيات ركاب الدرجة الثالثة، وتعمَّد تجنب الاقتراب من شريحة الأثرياء بهذا الاختيار، ليكون قد أغفل أجزاء مهمة من الخريطة الاجتماعية، التى كان من الضرورى الالتفات إليها لتأكيد أن الخطر يتهدد المجتمع بكامله وهذه التفصيلة بالتحديد كانت مثار انتقاد رغم أنه وفى أغلب أعماله يهتم بشريحة الكادحين مع الاستعانة ببعض الشخصيات الأرستقراطية التى يكون وجودها هامشى غير مؤثر لكنه لجأ لها فى عدة أعمال لإلقاء اللوم عليها.

اتخذ فيلم «ساعة ونص» منحى ميلودرامى واضح، غلبت عليه الشخصيات المأساوية، والعواطف الجياشة، والدموع الغزيرة، ومع ذلك، لم يغفل العمل عن تقديم خط كوميدى خفيف موازى لتقليل المآسى، نشأ بشكل طبيعى من سياق المكان والزمان.

 ثنائية «كباريه» و«الفرح»

الملهى الليل بكل تفاصيله هو بؤرة الصراع الدرامى وملتقى الشخصيات والأحداث فى فيلم «كباريه»، والذى تم استبداله فى الفيلم الثانى بـ«الفرح» ليؤدى الوظيفة ذاتها والعملين تم تحديدهما بإطار زمنى 24 ساعة، مما يضفى كثافة وغزارة على الأحداث فى حين أن عشوائية وضجيج وفضائحية «الكباريه» تم استبدالها بما يحدث فى «الفرح» الذى رأينا فيه كل الموبقات والممنوعات.

يحمل فيلم «الفرح» تنوع عميق للشخصيات، تم إقحامهم فى ظرف زمنى ومكانى واحد، الفيلم يكشف القدرة التشريحية الفذة للمجتمع الشعبى المتشابك وكشف العمل أيضاً عن قدرة استثنائية للكاتب أحمد عبدالله فى تقديم المنطقة الشعبية، وذلك من خلال تشريح دقيق لتفاصيلها وتقاليدها بعين حرفية عالية مما يمنح العمل عمقاً اجتماعياً وصلة قوية بالواقع المعاش.

فى «الفرح» والذى يتأسس على فكرة محورية عميقة تدور حول القرار اللحظى الذى قد يتخذه الفرد، وتأثيره على مسارات حياة الكثيرين، ولكن العبقرية الفنية فى هذا العمل والذى يحسب للمؤلف والمخرج تكمن فى خروجه على المألوف بتقديم نهايتين للفيلم، وهى تقنية غير معهودة فى الساحتين السينمائية المصرية أو العالمية.

أما فى «الكباريه» فالبطل الحقيقى فى الفيلم هو الملهى الليلى، وهو ما قصده المؤلف بوضوح أن تكون الفكرة هى البطل بعيداً عن أسماء أبطال الفيلم حيث تدور الأحداث بأكملها داخل هذا المكان، فى مساحة ضيقة لا تتجاوز 200 متر مربع من أجل أن يكون هذا التقييد المكانى يخدم أهدافه الدرامية.

الفتاة «الريكلام» الهاربة من أهلها الفقراء دنيا سمير غانم فى «كباريه» والتى يراودها عن نفسها عدد من الزبائن الأثرياء بالإضافة إلى بلطجية الشارع، هى نفسها الفتاة الكادحة بائعة البيرة فى «الفرح» التى يراودها عن نفسها البطلجى الذى قدم دوره «باسم سمرة»، وكذلك أموال النقوط التى يتم إلقائها فى الكباريه تحت أقدام المطربين والراقصات، هى نفسها أموال النقوط التى يجمعها المعلم زينهم خالد الصاوى فى الفرح لشراء الميكروباص.

المهارة والموهبة وحدهما هما اللتين جعلا الفيلمين ثنائية ناجحة لا يستطيع أحد القول أن المؤلف أعاد تقديم نفس العمل أو نفس الفكرة، لكنه أبدع فى صٌنع خطوط درامية مختلفة لكل عمل على حدة، ليقول لنا أن ما يحدث فى الكباريه المكتظ بالأثرياء والأجانب وأصحاب المناصب هو نفسه ما يدور فى أفراح الحارات الشعبية المليئة بالمساكين والغلابة.

القيمة الجوهرية للفيلمين تتجلى فى واقعيتهما الشديدة، ونجاحهما فى تقديم شخصيات إنسانية مُحكمة البناء ومن لحم ودم، كما استطاع السيناريست الراحل فى الفيلمين تحويل مجموعة من «أنصاف النجوم» آنذاك إلى نجوم حقيقيين بفعل أدوارهم المؤثرة.

قدم أحمد عبدالله أكثر من 40 عمل فنى والحديث عنه لا ينتهى خاصة أنه ترك بصمة لا تخطئها عين، رحم الله السيناريست الراحل وأدخله فسيح جناته.

أمين خير الله

أمين خير الله

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

احتفاء فنى وصدام سياسى غزة تخطف الأضواء فى «برلين»

شهد مهرجان برلين السينمائي الدولى (برليناله) مساء السبت 21 فبراير 2026 أمسية ختامية حملت أبعادا سياسية واضحة، بعدما منحت لجنة...

شهر رمضان.. مناسبة دينية ذات طابع قومى

مشاهد مسرحية وأغان مصرية

القاهرة الكبرى تستعيد رموز الثقافة المصرية فى ليالى رمضان

الإذاعى الكبير - محمد عبد العزيز - رئيس إذاعة القاهرة الكبرى، جعل هذه الإذاعة هي الكبرى بين الشبكات والمحطات الإذاعية...

عندما اكتشفت وردة أنها بوسطجى الغرام بين الأبنودى ونهال كمال

أوراق الوردة (18) لماذا قاطعها عمار الشريعى 7 سنوات وحلمى بكر 12 سنة؟ وردة بعد بليغ: كشف حساب للنجاحات والإخفاقات...


مقالات

سواقي مجرى العيون
  • الأحد، 08 مارس 2026 09:00 ص
كيف تستثمر رمضان من أجل صحة أفضل؟
  • السبت، 07 مارس 2026 01:00 م
أثر النبي
  • السبت، 07 مارس 2026 09:00 ص
فتح القدس وبناء المسجد الأقصى
  • الجمعة، 06 مارس 2026 01:02 م
الصيام وتأثيره العميق على الدماغ
  • الجمعة، 06 مارس 2026 01:00 م