سر القرار المصيرى الذى اتخذه سيد حجاب بعد لقائه بصلاح جاهين

حكايات السحر والجنيات والصيادين فى المطرية التى ألهمت «الشيخ سيد» قصة تتر مسلسل «العائلة» الذى كتبه فى أحد المطاعم حين قال محمد قنديل لـ«حجاب» :ما حدش كتب كده يا أستاذ سيد

كثيرا ما سئل سيد حجاب رحمه الله عن زوجته ميرفت الجسرى.

وفي كل مرة كان يجيب: "هي بالنسبة لى مكافأة نهاية الخدمة". لكنه قبل رحيله بشهر واحد.. وفي عز أزمته المرضية غير هذه الجملة المعبرة واستبدلها بجملة أخرى... ففى إحدى جولات العلاج من المرض القاسي، وبينما كان سيد حجاب يستند إلى كتف ميرفت الجسري نظر إليها بامتنان شديد وقال لها "على فكرة أنا كنت غلطان.. انت مش مكافأة نهاية الخدمة... أنت قبلة الحياة". وإلى هذا الحد وصلت قصة الحب بين الشاعر الكبير ومعجبته التي أصبحت زوجته الحبيبة وكل حياته وعالمه، فصارا لا يفترقان... وصار حجاب وإبداعه هما محور حياة "الجسري"... عن صياد الكلمة وفيلسوف الغلاية سيد حجاب وفي ذكرى ميلاده الحادي والثمانين حيث ولد الراحل الكبير في الثالث والعشرين من سبتمبر عام 1940 بالمطرية دقهلية شرفت بحوار فيه الكثير من الحب والإنسانية والصدق مع

أرملته التي تعيش على ذكراه...

تبدأ ميرفت الجسرى حديثها للإذاعة والتليفزيون بالكلام عن قصة الحب الملهمة بينها وبين الشاعر الكبير فتقول: قصة حبى لسيد حجاب تستحق أن تروى كثيرا.. وكأن القدر كان يدفعني إلى أن أصل إليه وأعرفه وأحبه.. كنت أقوم بالتحضير للدكتوراه في ألمانيا وكان شغفى بالموسيقى والغناء كبيرا وشغفى بالشعر أكبر.. وأذكر أنه وأنا في الرابعة عشرة والخامسة عشرة من عمرى كان أبو الطيب المتنبي) هو فتى أحلامي.. لازمني هذا الشغف بالشعر والموسيقى في غربتي في مدينة فرايبورج في جنوب ألمانيا.. وكان سيد حجاب هو مؤنسى في تلك الفترة.. أحببت شعره كثيرا واكتشفت أن معظم الأغاني التي عشقتها كانت من تأليفه... وحلمت أن أصبح مطربة وأن أغنى من أشعاره.. وفي يوم قررت أن أزور صديقة لي في مدينة أخرى.. وفي محطة القطار وجدت مجلة صباح الخير فاشتريتها وحين قلبت في صفحاتها وجدت حوارا مع "حجاب" أجرته الكاتبة الصحفية الأستاذة ماجدة الغيطاني، وشعرت وكان في الأمر علامة ما.. ولما قرأت الحوار زاد إعجابي بشخصيته.. وقررت أنه حين أعود إلى مصر فإن أول شيء سأفعله هو أن أقابل سيد حجاب.. وحين عدت نفذت قراری وسعيت للقائه... وقابلته.. وغنيت أمامه وأعجب بصوتي وقدمنى العمار الشريعي الذي طلب منى بعض التمرينات الخاصة بالصوت.. لكن الأسباب خاصة بملابسات اللحظة التي كانت تعيشها الساحة الغنائية آنذاك وأننى كنت أنشد المثالية دفعتني الحياة إلى طرق أخرى وأكملت الدكتوراه وعملت بالاستشعار عن بعد وتحديد الخرائط الرقمية.. والمهم أنه بعد شهر فقط من تعرفى على سيد حجاب قال لى لما تحسى انك عايزة تتجوزيني قوليلي واستغربت كثيرا.. ومن الواضحأنني أحببته فقد كنا نلتقى طوال الوقت في ندواته.. وكذلك في معارض الفن التشكيلي التي كان يزورها.. لأنه كان عاشقا للفنون التشكيلية.. ثم كان الزواج.. وكانت الحياة.

حكايات المطرية

وأسال ميرفت الجسرى عن تلك البدايات البعيدة في حياة سيد حجاب في بلدته المطرية بالدقهلية، وعما حدثها بشأنها لتجيب: نعم عاش سيد حجاب فى طفولته بالمطرية حياة تبدو وكأنها عالم سحرى.. المطرية تقع على بحيرة المنزلة التي كانت أيامها عبارة عن مليون فدان (مية حلوة).. حكى لى سيد حجاب عن مراكب الصيادين. وعن أن هؤلاء الصيادين حين كانوا يعودون من رحلات صيدهم كانوا ينشرون) شباكهم بين البيوت، فيما يبدو منظر هذه الشباك غاية في السحر والجمال. وأنه في الشتاء يسقط المطر كثيرا، وبعده يجمع الأهالي الأصداف والقواقع ويقومون بطحنها ويسمونها (جماص) ويرمونها على الأرض فتتلالاً ويصبحمنظرها ساحرا خلابا وكأنهم يعيشون عالما خياليا بديعا فتشعر وكانه تلخيص محسوس للواقعية السحرية. وظهرت هذه الواقعية السحرية كثيرا في ديوان حجاب الأول (صياد وجنيه).. ورأيي أننا لم نستورد الواقعية السحرية ولم نتعرف عليها من الأدب اللاتيني.. فهى موجودة عندنا في تراثنا الشعبي.

في القصص والسير الشعبية وقصص الجنيات.. وكثيرا ما حدثني سيد عن تلك العوالم السحرية التي عاشها في طفولته.. وقال لى مثلا إن لمبة الجاز التي كان يحملها ليلا وهو طفل صغير يصحو من نومه عطشانا يريد أن يشرب الماء.. لمبة الجاز هذه كانت ظلالها تصنع أشكالا يتخيلها جنيات تلهب خياله بعالم سحری عجیب

وحكى لي أيضا عن مقامات أولياء الله الصالحين بالمطرية مثل مقام ابن سلام ومقام أبو الوفا - بكسر الواو - وعن أنه في محيط هذه المقامات أشكال وألوان من (المراكب) التي صنعها الأهالي بأيديهم...

كما قال إن المطرية كانت بلدا ومكانا رائع الجمال آنذاك وأن والديه وإخوته وأهله كانوا ينادونه وهو طفل بـ " الشيخ سيد".

تواصل ميرفت الجسري نشأ سيد حجاب في أسرة كبيرة.. قوامها أب وأم وتسعة أبناء، والده رجل طيب جدا يتمتع بعقل راجح متنور متفتح سابق لعصره. يستشيره من حوله في كل أمورهم لحكمته ورجاحة عقله.. وكان هذا الوالد المتنور صاحب تأثير كبير في حياة ابنه سيد.. فحين (فتنت) شقيقاته البنات عليه لدى أبيهن بأن سيد يكتب الشعر.. فرح جدا وسمع منه كثيرا ثم قال له: انت شاعر بالسليقة يا شيخ سيد لكن لا بد لموهبتك الشعرية أن تصقل بالعلم والدراسة.. ولأنه كان متبحرا في اللغة العربية فقد علم ابنه العروض.. ودفعه إلى الاستزادة والتعمق في علم العروض وبذلك فإن والد سيد حجاب هو أستاذه الأول في حقيقة الأمر.. هذا الوالد كان يملك مكتبة كبيرة قرأ فيها سيد عددا هائلا من الكتب.. وفى طفولته انتشرت الكوليرا في بلدتهم فظل في بيتهم لا يبرحه، واتاحت له فترة الحجز الجبري تلك أن يقرأ كثيرا فقرأ أمهات الكتب وقرأ كتبا فوق مستوى عمره الصغير آنذاك. أما والدته فتمتعت بقوة الشخصية والانضباط وهو أمر ضروري الأسرة كبيرة وحتى لا يفلت منها الزمام.. وهو بشكل عام كما قال - من أسرة مستورة وليست ميسورة كأبناء عمومته آنذاك.. وبيت أسرته كان مرتبا وجميلا، وحكى أصدقاء له في طفولته أن بيت سيد حجاب كان به مظاهر البيت الحديث في تلك الفترة مثل الستائر والكروشيه ودولاب الفضيات والمكتبة وغيرها.

مع صلاح جاهين

وينتقل الحوار إلى محطة التحقق والانطلاق تم الشهرة والنجومية.. تلك المحطة والنقلة التي بدأت من لقاء سيد حجاب بصلاح جاهين وحصوله على صك التفرد والموهبة الأصيلة من جاهين لتجيب ميرفت الجسري حكاية اللقاء الأول بين صلاح جاهين وسيد حجاب معروفة جدا خصوصا في أيامنا الحالية مع وجود الفيس بوك والسوشيال ميديا لأن الحكاية انتشرت وذاعت على وسائل التواصل الاجتماعي ينشرها الكثيرون التدليل على عظمة أولئك الكبار وتبلهم وكنوع من النوستالجيا لزمن كان المبدع الكبير فيه يحتفى بالتجارب الواعدة ويتبناها.. وكلما ذكر حجاب او جاهين أو فؤاد قاعود يتذكر الناس قصة اصطحاب قاعود لسيد حجاب إلى صلاح جاهين لكي يسمع شعره.. وحين بلقی سید پنست جاهين وتبدو ملامحه أقرب للتجهم منها للفرح وهو يستزيده... ويقول له قول تاني، حتى تجيء لحظة يقف فيها جاهين ويقفز بطفولة جميلة وهو يحتضن فؤاد قاعود سعيدا مهللا قائلا بقينا كثير يا فؤاد. هذه اللحظة لم ينسها سيد حجاب أبدا. وظلت علاقة الحب والود بينه وبين جاهين ممتدة... وطبعا كان حجاب يعتبر جاهين استاذه أو أحد أهم أساتذته.. وحين توطدت العلاقة بين هذين الكبيرين، كان سيد حجاب يقرأ الصلاح جاهين بريده ويشير له إلى القصائد والأشعار التي تستحق أن يبدي رأيه فيها.. وفي إحدى المرات قرأ سيد حجاب قصيدة مرسلة من قنا... وأشار الجاهين إليها، وكانت مرسلة من شاعر مبدع اسمه عبد الرحمن الأبنودي... وقراها جاهين وقال الحجاب بإعجاب با سلام شاعر وجودي في الصعيد ... بعدها صار حجاب والأبنودي صديقين جدا وتعاونا كثيرا، إلى أن انقطعت الصلة الأسباب لا داعي لذكرها الآن.

وأعود إلى جاهین - تواصل میرفت الجسري لأقول إنه أنشأ دار نشر لينشر دواوين شعراء العامية من الموجة الثانية مثل سيد حجاب والأبنودي وفؤاد قاعود وغيرهم.

وبا المناسبة، حينما التقى سيد حجاب يصلاح جاهين وحدثت كيمياء الإبداع بينهما حسم حجاب قضية كانت تؤرقه كثيرا.. ففي بداية مشواره وطريقه كان يكتب الفصحى إلى جانب العامية. وتنازعته القصيدتان إما قصيدة الفصحى وإما العامية.. وحين التقى جاهين حسم امره تماما، واستقر على أن يكتب الشعر العامي، وأن يتركا كتابة القصيدة الفصحى باستثناء وحيد هو في حالة لو طلب منه أن يكتب أغاني بالفصحى في مسلسلات وأعمال درامية.. وقد كان حجاب يمتلك لغة فصحى جميلة .. وقد كان في أحيان كثيرة يستخدم جملا وتعايير كثيرة بالفصحى، سواء في البيت أو في سياق ندوات يتحدث فيها أما الكتابة الإبداعية فقد حسم أمره تماما لصالح الشعر العامي حسن التقى بصلاح جاهين.

أغاني النترات

وأسال ميرفت الجسري عن تجربة شديدة الأهمية في إبداع زوجها الراحل الكبير سيد حجاب، وهي تجربة كتابة أغاني التندر لعدد غير قليل من أهم المسلسلات في تاريخ الدراما التليفزيونية، مثل الشهد والدموع وليالي الحلمية والأصدقاء والعائلة

وغيرها التجيب:

هي فعلا تجربة شديدة الأهمية والتميز وما زلنا جميعا تذكر أغانيه التي كتبها في تترات مسلسلات وأعمال درامية كثيرة مثل تتر ليالي الحلمية الشهير الذي غناء محمد الحلو

ولفين ياخدنا الأنين.. اليالي ملهاش عينين

ولفين ياخدنا الحنين... لواحة الحيراتين

ما تسرسبيش يا سنيننا من بين ايدينا

ولا تنتهيش داحنا يا دوب ابتدينا

وتضيف ميرفت الجسري: كان سيد حجاب يقرأ العمل كله ثم يكتب أغنية النشر والنهاية.. وإن كان هناك أغان في السياق الدرامي.. يقرر موضع الأغاني لتكون جزءا من الدراما أو عوضا عنها بالاتفاق مع مخرج العمل، وقد يتفقان على حذف مشهد أو أكثر ويضعان أغنية مكان ما قررا حذفه سواء كانت أغنية كاملة أو مقاطع صغيرة، مثلما حدث في مسلسل "الأيام"، غير أن سيد حجاب لم يكن يكتب مثل هذه الأغاني سواء في النترات أو داخل الدراما، إلا عندما يأتيه الإلهام كانه يبدع أغنية من تلقاء نفسه دون إملاء أو صنعة.. صحيحأن الصنعة لا بد وأنها تكون موجودة في الخلفية، لكن الرجل لم يكتب هذه الأغاني بالصنعة، لكنه كتبها بالإلهام.... وأذكر أن أحد مديري الإنتاج في مسلسل رمضاني كان يستعجله، واستمر يلحعليه، فقلت له: لماذا لا تكتب طالما أنه يلح عليك بشكل كبير، فأجابني إجابة ما زلت اتذكرها.. ساعتها قال لي: استطيع أن أنقذ لهم ما يريدون في ليلة واحدة. لكن الأغاني ستكون مصنوعة لا إلهام ولا روح فيها.. ولن أكون راضيا عما كتبته كفن وكإبداع.. لكن حين يتعلق الأمر بتعديل ما من أجل اللحن مثلا فقد كان يقوم به من أجل تنفيذ العمل وكي لا يتعطل.. وأذكر في بداية علاقتي به أننا كنا في أحد المطاعم واتصل به عمار الشريعي الذي وضع الألحان لنتر مسلسل العائلة، وكان الوقت قبل رمضان بيوم واحد، وقال له إنه حدثت مشكلة في النشر، وأنه لا بد أن يكتب ويغير في كلام النتر، لأن هناك مشكلة في اللحن.... فكتب حجاب في المطعم وغير في الكلمات ولحن عمار من جديد، وذهبت أنغام التي غنت النتر إلى الاستديق وتم تنفيذ الأغنية مرة أخرى في يوم واحد، وعرض المسلسل بالتتر الجديد دون أن يشعر أحد بالأزمة.

و تواصل میرفت الجسري أغاني تترات سيد حجاب غناها مطربون مبدعون مثل محمد الحلو وعلى الحجار ومدحت صالح، وقبلهم المطرب الكبير محمد قنديل الذي غنى له أغنيتي تتر المقدمة والنهاية لمسلسل "الأصدقاء" من الحان ياسر عبد الرحمن.. وأذكر أن قنديل أثناء تنفيذ الأغنيتين قال السيد حجاب ما حدث كتب كدة يا أستاذ سيد وكررها عدة مرات.. غير أن سيد حجاب كان يحب كثيرا أن يستمع إلى الممثلين الذين غنوا كلماته داخل الدراما ويحب أداءهم في الغناء مثل عبدالمنعم مدبولي ونجاح الموجي... وبالطبع حققت الأغاني التي كتبها سيد حجاب نجاحا لافتاء سواء أغاني النيترات أو الأغاني العادية بأصوات كثيرة مثل شادية ونجاة ومحمد قنديل وسعاد محمد ومحمد منير وعفاف راضي وسمير الإسكندراني، غير أن أقرب أصدقاء سيد حجاب هم ممثلون وليسوا مطربين، وجمعته صداقة وطيدة بعدد من الممثلين الكيان، مثل فاروق الفيشاوي وصلاح السعدني وصفاء الطوخي ونبيل الحلفاوي، كما جمعتنا علاقات أسرية بيحيى الفخراني وأسرته وأحمد عبد العزيز وزوجته، كما كانت

الكاتبة فتحية العسال صديقة مقربة له.

الاهل كان لسيد حجاب طقوس خاصة في الكتابة ؟

تجيب ميرفت الجسري: لم يكن السيد حجاب طقوس معينة في الكتابة ... ودائما ما كان يقول: أنا أشتغل عند نفسي ٢٤ ساعة في اليوم.. وعندما يأتيني الإلهام استقبله واختزنه في عقلي ولما أحس أن الأبيات تستاهل تتكتب أكتبها)... وتضيف الجسري اتذكر أنه أحيانا كان يستضيف أصدقاء مقربين في بيته... وفجأة ينسل من بينهم إلى مكتبه يخرج ورقة فلوسكاب يقسمها نصفين بالطول ثم يكتب ما راوده من أبيات شعر الحت عليه، ثم يعود لأصدقائه مرة أخرى... وقد يصحو من نومه فجأة ليفعل نفس الشيء، بدون ما جاء في ذهنه من أبيات أو حتى أفكار معينة، ثم عندما تختمر القصيدة في عقله تماما ياتي باوراقه وأقلامه، ويجلس إلى مكتبه ليكتب الكتابة النهائية بخط منعق جميل.. وأذكر مثلا أنه حين كتب ديوانه (قبل الطوفان الجاي) عام ۲۰۰۹، وكان ديوانا مختلفا عن بقية دواوينه، لأنه عبارة عن قصيدة واحدة طويلة، جلس على مكتبه لا يفعل شيئا سوى أن يكتب.. وحسبما اتذكر فقد جلس نحو يوم كامل ونصف اليوم ليكتب هذا الديوان أو القصيدة الطويلة التي قال هو عنها بعد ذلك إنه تنبأ فيها بسقوط مشروع أمريكا في الشرق الأوسط الجديد، وقال أيضاً أن الشعر انواع وأن هذه القصيدة نوع من الشعر وجد لديه رغبة في أن يكتبه فكيه

وتواصل ميرفت الجسري الكل يتفق على أن هناك سحرا خاصا في شعر سيد حجاب، وأنا أرجعه إلى طفولته التي كانت ترية وزاخمة بالخيال والحكايات والحواديت، وإلى صدقه مع نفسه ومع الناس، فلم يكن يكتب إلا ما يراه صادقا وحقيقيا.. وأضيف إلى طفولته وصدقه قراءته الموسوعية، فقد كان حجاب قارلا موسوعيا مثقفا، وكنت الاحظ مثلا أنه يقرأ كتبا كثيرة في مجالات متعددة... يعكف على الكتاب فيقرأه في يوم واحد أو يومين، لم يقدم نقدا ورؤية واضحة في الكتاب الذي قراءه

ضد الإخوان

وينتقل الحوار إلى صعيد الهم العام وقضايا الوطن، وأسال میرفت الجسري عن دور سيد حجاب الوطني وقيامه بكتابة ديباجة دستور ٢٠١٤ النجيب كان سيد حجاب مبدعا ومثقفا مهموما بوطنه وقضاياه.. تجلی اهتمامه بالقضايا العامة والأحداث الوطنية في مشاركته الفاعلة في تورتي 10 يناير و ۲۰ يونيو ثم في اعتصام المثقفين عام ٢٠١٣ ضد وزير الثقافة الإخواني الأسبق علاء عبد العزيز تم صياغته لديباجة دستور ٢٠١٤.. واذكر أنه في فترة مشاركته في لجنة الخمسين لدستور ٢٠١٤ كان سعيدا ويشعر بفرح غير طبيعي رغم أنه كان مرهقا من الناحية الصحية. الدرجة أن طبيبه قال له: لولا أنتي أعلم أهمية ما تقوم به اطلبت منك أن تستريح بشكل كامل في بيتك.. ولو طلب منه ما استجاب بكل تأكيد فقد كان يقضي معظم وقته خارج البيت مفعما بالحيوية وهو يشارك في كتابة الدستور. وهو يشعر أنه يقدم شيئا للوطن، وها أقول إن سيد حجاب طوال عمره لم يشغل وظيفة عامة اللهم إلا فترة قصيرة عمل خلالها باحثا بمركز المسرح أجرى خلالها مجموعة أبحاث وحوارات كان أهمها وفي مقدمتها حوار أجراه مع بديع خيري كان يعتز به كثيرا ويحكى عنه وهي لم تكن وظيفة كاملة ولم يستمر فيها طويلا.. وفي فترة اشتراكه في لجنة كتابة الدستور تفرغ للمهمة تماما وبدا وكأنه موظف يستيقظ مبكرا ويذهب إلى مقر اللجنة ويعود ليلا. يقرأ ويكتب ويكلفني بإرسال ما يكتب عبر الإيميل للأستاذ محمد سلماوي المتحدث الإعلامي باسم لجنة الخمسين .. وفي تلك الفترة تعرض سيد حجاب الهجوم الإخوان ولجانهم وأطلقوا شائعات سخيفة لا صحة لها تحاول النيل منه، لكنه لم يهتم ولم يخف بل كان يهاجعهم كثيرا ويكتب رباعيات شعرية ينشرها على الفيس بوك تفضح فاشيتهم المقيتة.. أعتقد أنها كانت تجربة عبر فيها سيد حجاب عن حيه لوطنه بشكل رائع.

وأسال ميرفت الجسري عن الجانب الإنساني في حياة سيد حجاب.. زواجه قبلها وعلاقته بابنته ريم لتقول: قبل زواجه منى تزوج سيد حجاب مرتين. الأولى من سيدة سويسرية والثانية من سيدة مصرية في أم ابنته ريم... وكان يتكلم عن التجربتين بمنتهى الود. والاحترام.

أما عن علاقته بابنته ريم فهي مثل علاقته بكل العالم والدنيا... علاقة حرة..... فقد رياها على أفضل ما تكون التربية وكما يقال خير ما ربي).. ترك لها حرية أن تختار وتقرر وأن تكون دائما مواطن أو شخص صحيح) تستطيع أن تميز بين الصواب والخطأ.. ولم يحاول أن يكلم لها أحدا في الفن) وكان يقول دائما الفن مفيهوش واسطة .. وكنت موجودة ورأيت أن في رأيه هذا بعض القسوة...

وماذا عن علاقة سيد حجاب بك بعد الزواج؟

تقول ميرفت الجسري أستطيع أن الخص علاقتي بسيد حجاب بعد زواجنا في جملتين مهمتين لا ثالث لهما على لسانه... أولاهما قالها - في حوارات كثيرة أجريت معه حين كانوا يسألونه عن ميرفت الجسري وهي: ميرفت بالنسبة لي هي مكافأة نهاية الخدمة.. أما الجملة الثانية الأكثر رومانسية وتعبيرا السانيا. فقد قالها سيد لي قبل نحو شهر من رحيله في إحدى جولاته العلاجية، وقد كنت مسئولة عن كل شيء يخصه في تلك الفترة الصحية مثل التغذية ومواعيد الأدوية والأطباء، وبينما كان يستند إلى كتفي نظر لي طويلا نظرة ذات معنى وقال لي بالحرف الواحد على فكرة أنا كنت غلطان.. انت مش مكافأة نهاية الخدمة... أنت قبلة الحياة.

وبحزن واضح تحدثت ميرفت الجسري عن مرض سيد حجاب وأيامه الأخيرة فقالت: رغم إصابته بالمرض اللعين إلا أنه كان مريضا مثاليا وملتزما بتعليمات الأطباء مؤمنا بالعلم والطب وإيمانه أكبر بقضاء الله .. لم ينفعل ولم ييأس وتعامل مع المرض بمنتهى الهدوء والسكينة...

وفي تلك الفترة تفرغت تماما للإشراف والمتابعة كافة أمور علاجه.. كنت معه في كل مراحل مرضه ولازمته بشكل تام وسافرت معه إلى فرنسا، وهناك تلقى سيد مكالمة هاتفية من الأستاذ حامي النمنم وزير الثقافة وقتها أبدى فيها استعداد الوزارة لكل شيء يخص علاجه، و شكره سيد حجاب وقال له: أنا قادر أصرف على نفسي.. على الخدمة دي الناس غير قادرين هم أولى بها....

والحمد لله أن سيد لم يدخل في مراحل العرض القاسية - أحيانا كان يغيب عن الوعى ثم يقيق لكنه لم يدخل في غيبوبة، ودخل المستشفى لبضعة أيام لم رحل في سلام... رحمه الله.

 	محمود مطر

محمود مطر

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

الشاعر الكبير «الأبنودى» مازال حيّاً يا كارهى ثقـــافة الفلاحين!
شكوكو

المزيد من فن

رسائل تنشر لأول مـــرة بين عبد الحليم حافظ وحلمى رفلة

فى ذكرى رحيل العندليب الأسمر 3-3

الأبنودى الشاعر الكبير.. رحل الجسد وبقى الإبداع فــى قلوب الناس

رحل عن الدنيا فى يوم 21 أبريل 2015، وحزن عليه الناس الذين أحبوه، لكن هناك فئة أخرى حقدت عليه وحسدته...

«Me & Roboco».. فيلم الفانتازيا والكوميديا

حول عالم تمتلك فيه معظم العائلات روبوتات خادمات لطيفة، يتمنى بوندو، وهو طفل عادى فى المرحلة الابتدائية، أن يحصل على...

الفنان محمد إبراهيم يسرى: والدى دخل المستشفى على قدميه وخرج محمولاً

11 سنة مرت على وفاة الفنان إبراهيم يسرى، الذى كتب له القدر أن يرحل فى يوم ميلاده ذاته (20 أبريل)،...