ثورة 23 يوليو.. انتصرت لثقافة الفلاحين ودعمت الفنـون الشعبية

كنا نشاهد المطرب لمدة خمس دقائق ضمن فيلم سينمائى من إنتاج أواخر أربعينيات القرن العشرين، كما فعلها نجيب الريحانى فى فيلم «سى عمر» على سبيل الفكاهة،

 وكان الطرب تركى اللون والرائحة، وكنا نشاهد «الرقص البلدى» الفاضح فى أفلام الحِقبة ذاتها، وكانت الراقصة هى الأداة التى تباع بها «التذاكر» فى دور العرض السينمائى، وبعد قيام ثورة 23 يوليو 1952 اختلف المشهد السينمائى، بل إن السينما حاولت ـ بغير اقتناع ـ أن تنافق الثورة وتنافق الفلاحين عقب صدور قانون الإصلاح الزراعى الأول، فقدمت أفلاماً تمجد الفلاحين وتسبح بحمد الأرض الطيبة، وتقول إن الفلاحين أحسن ناس فى مصر، لكن التغيير الاجتماعى الذى أحدثته الثورة، عبر عنه جيل من السينمائيين لم يكن سعيداً أو متحققاً فى ظل الملكية والإقطاع، من رموز هذا الجيل «صلاح أبو سيف» و»يوسف شاهين» و«بركات» ولكن الدولة منحت الفلاحين الأرض والبرلمان، فجعلت للفلاحين نسبة خمسين بالمائة ـ مع العمال ـ من مقاعد البرلمان، واهتمت بثقافة الفلاحين التى أبدعوها على مدى آلاف السنين، فكونت أول فرقة فنون شعبية، أشرف على تكوينها المبدع الكبير «زكريا الحجاوى» بإشراف الكاتب الرائد «يحيى حقى» وكانت الجهة الحكومية التى ترعى هذا العمل هى «مصلحة الفنون» فى خمسينيات القرن الماضى، قبل تأسيس وزارة الثقافة، وقد كانت وزارة الثقافة والإرشاد القومى ابتكاراً ثورياً ظهر فى العام 1957، وكان أول وزير لهذه الوزارة هو «فتحى رضوان» ومن بعده فُصِلت الثقافة عن الإرشاد، فأصبح «ثروت عكاشة» ـ وهو من الضباط الأحرار ـ أول وزير للثقافة، وفى عهده ظهرت المجلات وزادت طباعة الكتب وزاد الاهتمام بالفنون الشعبية، وأُنشئت قصور الثقافة ـ أربعة عشر قصراً فى محافظات الجنوب والشمال ـ وقامت وزارة الإرشاد «الإعلام» بتخصيص مساحات للفنون الشعبية على خريطة الإذاعة، وعرف الفلاحون لأول مرة أنهم مواطنون لهم حقوق ثقافية واجتماعية، وفى مرحلة تالية أنشئت أكاديمية الفنون ومن ضمن معاهدها «معهد الفنون الشعبية» وظلت مساحة الفنون الشعبية ظاهرة فى التليفزيون والإذاعة، وهذا جعل الناس يعرفون ملامح الإبداع الوطنى الذى أبدعه الأجداد وحافظوا عليه، ومن المدهش أن يترحم البعض على أيام الملكية التى لم تشهد اهتماماً رسمياً بفنون الشعب ولم تكن حكومات جلالة الملك  تتضمن وزارة للثقافة.

زكريا الحِجّاوى.. صاحب برنامج السامر على موجــة الإذاعة 

الإذاعة المصرية هى الرباط الثقافى الجامع لكل مناطق الوطن العزيز، تحمل رؤى الدولة المصرية للشعب وتنقل صوت الشعب للحكومة، وتحفظ الثقافة القومية، وكانت فى زمن الخمسينيات تعيش أزهى عصورها، قبل أن يظهر التليفزيون، كانت هى المصدر الوحيد للمتعة والمعرفة، وكان زكريا الحجاوى من نجومها الكبار، كان له برنامج يسمى «السامر» ينتظره المواطنون يوم «الجمعة» من كل أسبوع ليستمتعوا بأصوات المطربين: خضرة محمد خضر، شوقى القناوى، أبو دراع، فاطمة سرحان، محمد طه، وهؤلاء اكتشفهم ـ الحجاوى ـ أيام كان مشغولاً بالتجهيز لأوبريت «ياليل ياعين» وهو أول أوبريت شعبى يظهر على «الأوبرا» التى كانت قبل الثورة تسمى «الأوبرا الملكية»، لكن زكريا الحجاوى هو من جعل هؤلاء الفلاحين المطربين يصعدون على مسرح الأوبرا، ويقدمون إبداع الشعب، الذى لم يكن يعرف أن فى «القاهرة» أوبرا، وكانت غالبيته تعانى مشكلة الجوع والحفاء، قبل ثورة 23 يوليو1952، ومن مسيرة «الحجاوى» نعرف أنه كان صحفياً ضمن فريق جريدة «المصرى» وهى جريدة كبرى وفدية، تعبر عن سياسات حزب الوفد، وكان يملكها آل أبوالفتح، بعد أن باع محمد التابعى وكريم ثابت حصتيهما فيها واشترى «الوفد» حصة منها، وفى النهاية آلت إلى «آل أبو الفتح» ولكن زكريا الحجاوى، واصل مسيرته الصحفية فى جريدة «الجمهورية» التى صدر ترخيصها باسم «جمال عبد الناصر» فى العام 1953، وكانت صوت الثورة، وكان الحجاوى من رجال الثورة المخلصين العاملين فى مجال الثقافة، ومن أعماله الإبداعية الإذاعية «أيوب المصرى» و»سعد اليتيم» و«أدهم الشرقاوى» وكانت «خضرة محمد خضر» حاضرة بصوتها الرائع فى هذه الأعمال، لكن «موال أدهم الشرقاوى» صاغه «محمود إسماعيل جاد»، وهو غير الفيلم الذى صاغ قصته ـ زكريا الحجاوى ـ وغنى أغنياته «عبد الحليم حافظ» لكن «موال أدهم الشرقاوى» غناه «محمد رشدى» وحقق نجاحاً كبيرا أيضاً، ولكن الحجاوى اختلف مع «السادات»، صديقه القديم، ووجد نفسه مضطراً للسفر إلى «الدوحة» عاصمة «دولة قطر» وهناك أسس مركز التراث الشعبى وعمل فى وظيفة مستشار لوزارة الإعلام، ومات هناك فى «7 ديسمبر1975» وهو من مواليد «المطرية ـ دقهلية» فى «4 يونيو1915» وينتمى إلى قبيلة «الحجاوية» العربية المعروفة ومقرها الأصلى سيناء.

ليلى مراد تغنى «نشيد التحرير» من أجل الحركة المباركة

هى «ليليان زكى إبراهيم مردخاى» يهودية مصرية، اختارت أن تعتنق الدين الإسلامى لتصبح «ليلى مراد» وكانت زوجةً للفنان «أنور وجدى» لما هداها قلبها وقررت أن تنتقل من «اليهودية» إلى «الإسلام»، وقيل إنها كانت تكره صوت أذان الفجر، لأنه يعكر صفوها ويسرق من عينيها النوم، وفى ليلة استمعت الأذان واستقر فى وجدانها اعتناق الإسلام والذهاب إلى الأزهر لإشهار إسلامها بصورة رسمية، وعاشت مخلصة للوطن المصرى، رغم اتهاماها بالميل إلى «الصهيونية» وهذا لم يكن صحيحاً، بل هى صاحبة أغنية تمجد «الحركة المباركة» والحركة المباركة هو اسم «ثورة يوليو 1952» قبل اعتماد كلمة «ثورة» المنسوبة إلى دكتور طه حسين ـ ولكن «الحركة المباركة» كان اسماً أطلقته الصحافة على ما قام به «الضباط الأحرار» من تحرك استهدف تغيير المشهد السياسى فى ظل الاحتلال البريطانى والفوضى السياسية التى أشاعها «فاروق الأول» ورجال الطبقة السياسية التى كانت تسهل له العبث بالدستور، والعبث بمقدرات الوطن، وكانت أغنية «نشيد التحرير» من تأليف الصحفى «جليل البندارى» وتلحين «منير مراد» وفيها تعبير عن شعار الحركة المباركة وهو «الاتحاد والنظام والعمل» ويقول مطلع النشيد:

ـ على الإله القوى الاعتماد

بالنظام والعمل والاتحاد

فانهضى يا مصر يا خير البلاد

واصعدى للمجد وامضِ للرشاد

بالاتحاد والنظام والعمل

ومن المصادفات الجميلة فى حياة الفنانة الراحلة «ليلى مراد» أنها غنت أمام ميكروفون الإذاعة لأول مرة فى «6 يوليو 1934» أى بعد افتتاح الإذاعة الحكومية بعدة أسابيع قليلة، وكانت أغنيتها من التراث القديم «ياغزالاً زان عينيه الكُحل» وبلغ عدد أغنياتها فى مشوارها الفنى ألفأ ومائتى أغنية، وقدمت للسينما سبعة وعشرين فيلماً، كان أولها فيلم «يحيا الحب» ـ مع محمد عبد الوهاب ـ وآخرها «الحبيب المجهول» واعتزلت السينما فى العام 1955 واكتفت بالغناء فى استديوهات الإذاعة وظلت ملتزمة بقرارها حتى رحلت عن الدنيا فى «21 نوفمبر1995» بعد حياة مليئة بالدموع والضحكات والسهرات والأغنيات والحب والهجر والشبع والجوع، لكنها مازالت فى قلوب الناس بأغنياتها الرائعة وأفلامها الرومانسية الغنائية.

 	خالد إسماعيل

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

أديب

المزيد من فن

احتفاء فنى وصدام سياسى غزة تخطف الأضواء فى «برلين»

شهد مهرجان برلين السينمائي الدولى (برليناله) مساء السبت 21 فبراير 2026 أمسية ختامية حملت أبعادا سياسية واضحة، بعدما منحت لجنة...

شهر رمضان.. مناسبة دينية ذات طابع قومى

مشاهد مسرحية وأغان مصرية

القاهرة الكبرى تستعيد رموز الثقافة المصرية فى ليالى رمضان

الإذاعى الكبير - محمد عبد العزيز - رئيس إذاعة القاهرة الكبرى، جعل هذه الإذاعة هي الكبرى بين الشبكات والمحطات الإذاعية...

عندما اكتشفت وردة أنها بوسطجى الغرام بين الأبنودى ونهال كمال

أوراق الوردة (18) لماذا قاطعها عمار الشريعى 7 سنوات وحلمى بكر 12 سنة؟ وردة بعد بليغ: كشف حساب للنجاحات والإخفاقات...


مقالات

سواقي مجرى العيون
  • الأحد، 08 مارس 2026 09:00 ص
كيف تستثمر رمضان من أجل صحة أفضل؟
  • السبت، 07 مارس 2026 01:00 م
أثر النبي
  • السبت، 07 مارس 2026 09:00 ص
فتح القدس وبناء المسجد الأقصى
  • الجمعة، 06 مارس 2026 01:02 م
الصيام وتأثيره العميق على الدماغ
  • الجمعة، 06 مارس 2026 01:00 م