منذ أسابيع قليلة انشغل المجتمع المصرى بهذا السؤال: لماذا ضاعت الدراما التليفزيونية المصرية ولماذا انهار مستواها الفكرى؟، وهنا أحاول طرح إجابة، ربما يكون فى هذا الطرح ما يفيد القائمين على قضية الدراما فى مصر..
بداية سوف يرى القارئ أن عنوان هذه الفقرة يحتوى أسماء الكبار الثلاثة فى تاريخ دراما «الفيديو» أو «التليفزيون» وهم «أسامة أنور عكاشة ووحيد حامد ومحمد جلال عبد القوى»، وكان من المفترض أن أضيف اسم «يسرى الجندى» و»سعد القليعى» وهما من المبدعين الذين شاركوا فى بناء الصرح الدرامى المصرى، المرئى والمسموع، وإن كان سعد القليعى له أثر كبير فى دراما الإذاعة إلى جانب دراما التليفزيون.
نعود إلى «عكاشة وحامد وعبد القوى» لنتأمل قصص حيواتهم، فنجد أنهم درسوا «علم الاجتماع» و»علم التاريخ»، وبدأوا بكتابة القصة والرواية، وكانوا مهمومين بالمجتمع الفلاحى، لأنهم عاشوا وتشكلوا فى قرى الوجه البحرى، وهى قرى فيها الفلاح والأفندى والباشا والموظف، ولها اتصال بالقاهرة والإسكندرية، وبقية الأقاليم الأخرى، فهى التى تزرع وتطعم غالبية المصريين، بحكم خصوبة أرضها وعراقة تاريخها النضالى فى مقاومة المحتلين، والأهم من هذا كله أن هؤلاء الثلاثة كانوا يؤمنون بالدور الاجتماعى للفنان والكاتب والمخرج والسيناريست، ويؤمنون بأن «النقد الاجتماعى» مهمة رئيسة للدراما التليفزيونية، فهى سلاح خطير فى أيدى من يحترفون إنتاج وإبداع هذا اللون الذى يقبل عليه الناس، وهو البديل للكتب فى مجتمعنا الريفى الذى ترتفع فيه نسبة الأمية الأبجدية «لم نقض على الأمية الأبجدية حتى يومنا هذا» والأهم من هذا كله أن جهة الإنتاج وهى «قطاع الإنتاج، التليفزيون، صوت القاهرة» كانت تدرك خطورة وأهمية فن الدراما فى تشكيل الوعى لدى الجماهير، فكانت تحرص على اختيار هؤلاء الكبار ليكتبوا المسلسلات التى تراعى وتحفظ ثوابت الثقافة المصرية وتدرك أهداف الدولة المصرية، فكانت مواهب هؤلاء الكبار موظفة فى خدمة أهداف الدولة والمجتمع، دون الإخلال بقواعد فن الكتابة والتمثيل والإخراج وجميع الفنون الأخرى التى ترسم المشهد الدرامى بحرفية عالية تجعله ممتعاً ومبهجاً للمشاهد.
..ولست فى حاجة إلى استعراض الأعمال الدرامية الاجتماعية والتاريخية التى أبدعها هؤلاء الكبار، لكن ما قصدته هو التأكيد على خطورة سلاح الدراما التليفزيونية، وهذه الخطورة تفرض على جهات الإنتاج أن تكون مهمومة بفكرة «التقدم والنهضة» للمجتمع كله، وليس البحث عن المال ونجاح خطة التسويق، ومن المهم القول إن المجتمع المصرى يحتاج فى الوقت الراهن إلى فريق من المبدعين لاستعادة مجتمع القرية والمدينة الصغيرة ومجتمع البدو ومجتمع الصعيد، بصورة صادقة وحقيقية بعيداً عن النمطية المضحكة التى نراها فى «العمامة الموحدة» التى غزت المسلسلات التى تزعم أنها «صعيدية» وهذا يخالف الواقع ويثير الضحك لدى المشاهد الصعيدى، نحن فى حاجة إلى دراما صادقة تقدم المجتمع المصرى الحقيقى بجميع أقاليمه وثقافاته فى الشمال والجنوب والشرق والغرب.
السيرة الهلالية.. الكنز الثقافى الذى أنقذه «الأبنودى» مـــــــــــــــن الضياع
السيرة الهلالية كتبها المؤلف المصرى المجهول فى زمن هزيمة الثورة العرابية، ليكون أبطالها «العلاج الجماعى» للشعب الذى فقد حريته وسقط فى قبضة المحتل البريطانى، وحتى يدرك القارئ أهمية السيرة الهلالية أدعوه لقراءة «الخطط التوفيقية» للكاتب والرائد والمعلم «على مبارك» فسوف يجد فيها تفاصيل الحروب القبلية فى قرى الصعيد فى القرن التاسع عشر، والسبب فى هذه الحروب، هى أحداث السيرة الهلالية، البعض من عربان بنى هلال إنحاز إلى «أبو زيد» والبعض من قبيلة «هوارة» والقبائل التى تحالفت معها، إنحاز إلى «خليفة الزناتى» وحتى يعرف القارئ أهمية هذه السيرة وقوة تأثيرها فى وجدان «عرب الصعيد» وعرب الأقاليم الصحراوية، وعرب غرب الدلتا وشرقها عليه أن يراجع الأسماء التى تتسمى بها الجدات وسوف يجدها «دوابة، خضرة، ريا، شمّه، جازية» وكذلك الأجداد «أبو زيد، غانم، حسن، يونس، مرعى، عامر، سرحان» وكل هذه الأسماء موجودة فى سيرة بنى هلال، وأظنك ـ يا عزيزى القارئ ـ تريد أن تعرف الدور الذى قام به الأبنودى لإنقاذ هذه السيرة من الضياع، وهذا الدور ينقسم إلى مراحل، المرحلة الأولى هى القراءة والاستماع والفهم، وهذه أنجزها فى طفولته وشبابه، والمرحلة الثانية وهى مرحلة الإدراك العلمى والتاريخى والاجتماعى، وهذه كانت مقدمة لمرحلة السفر والبحث فى كل قرى ومدن الصعيد والوجه البحرى، والسفر إلى تونس الخضراء، التى استقبلت «بنى هلال» فى التغريبة التى حدثت فى عهد الخليفة «المستنصر» الفاطمى، وكان الحاكم على تونس هو «المعز بن باديس» وكانت المرحلة الثالثة وهى مرحلة التوثيق والشرح والإذاعة، فنشر الأبنودى مجموعة كتب تحتوى الفصول المهمة من السيرة وفيها القصائد الشعرية التى تحتوى الحوادث والمعارك، وكانت الإذاعة المصرية حاضرة، فقام الأبنودى ومعه الشاعر «جابر أبو حسين» بتسجيل السيرة لصالح إذاعة الشعب، وأخرجها أحمدعلام، واختفت إذاعة الشعب وحلت محلها شبكة الإذاعات الإقليمية، وكان الشكل الأخير لتوثيق السيرة طباعتها فى مجلدات صدرت عن الهيئة العامة للكتاب ضمن مشروع مكتبة الأسرة، ولم يسلم الأبنودى من أحقاد الحاقدين والعجزة من الأكاديميين المتخصصين فى الأدب الشعبى، لكن منجزه بقى رغم كل هذه الأحقاد، رحم الله الأبنودى الذى وُلِد فى أبريل 1938، ومات فى أبريل 2015 لكنه مازال حياً فى قلوب عشاق فنه وعارفى فضله ودوره فى خدمة الثقافة المصرية.
ريا وسكينة.. لماذا أحبها الناس رغم عيوبها الفنية؟
جرائم عصابة «ريا وسكينة» امتلكت الملامح الدرامية التى خلدتها، فهى وقعت فى العام 1919 وظلت تفاصيل المحاكمات شاغلة الحكومة والناس لمدة عامين أو ثلاثة أعوام، وبعدها انتقلت إلى «الوجدان الجمعى» فتحولت إلى أداة ترهيب للطفل المتمرد، والطفلة التى لا تلتزم بما تقرره أمها، وتحولت إلى حكايات دالة على «القسمة والنصيب» و«الوعد» و«الوعد والمكتوب» والوعد يختلف عن الوعد والمكتوب، الوعد هنا فى ثقافة القرن الماضى مقصود به «احتراف الدعارة» وكانت الواحدة من هؤلاء تسمى «الموعودة» أما الوعد والمكتوب فهو المقدر والمكتوب للعباد ولا يملكون الفكاك منه أو الهروب منه، وكانت المصادفة التاريخية أوقعت ملف قضية «ريا وسكينة» فى أيدى الصحفى والباحث الكبير الراحل «صلاح عيسى» فكتبها من جديد، معتمداً على الأوراق الرسمية وتحقيقات النيابة العامة، فخلصها من الأوهام التى ظهرت فى الفيلم الذى أخرجه «صلاح أبو سيف» معتمداً على ما نشرته الصحف أثناء المحاكمة، وهذا ليس كافياً لتقديم قراءة موضوعية لتاريخ هذه العصابة التى روّعت الشعب المصرى، وكان إنتاج مسلسل «ريا وسكينة» خطوة جيدة، لقيت إعجاب المشاهدين، والسر فى هذا الإعجاب فريق الممثلين وفى مقدمته «عبلة كامل» التى جسدت شخصية «ريا» و«سامى العدل» الذى جسد شخصية «حسب الله» وصلاح عبد الله وأحمد ماهر ورجاء حسين، ولكن وجود «سمية الخشاب» فى هذا المسلسل ليس له مبرر، فهى لا تعرف أبعاد شخصية «سكينة» ولم تحاول أن تعرفها، وتحولت إلى مصدر إزعاج للمشاهدين، لولا وجود «عبلة كامل» معها، الأمر الذى خفف من ثقل «سمية» سامحها الله وعفا عنها، والعيب الخطير فى السيناريو والحوار الذى كتبه «مصطفى محرم» ظاهر فى شخصية «عبد العال» فالحوار المكتوب للفنان «رياض الخولى» لا يناسب وعى شخصية «محمد عبد العال» الشاب الصعيدى الأمى، كما أن «رياض الخولى» ليس له علاقة بشخصية محمد عبد العال المكتوبة فى كتاب «رجال ريا وسكينة» الذى اعتمد عليه «مصطفى محرم»، المدهش أن هذه العيوب الفنية الواضحة لم تقلل من نسبة مشاهدة هذا المسلسل، والسبب فى اعتقادى هو «الحكايات» الموجودة فى الحوادث وفى تفاصيل حيوات الضحايا «اللى اتكتب عليهم الوعد» والشهرة التى حظيت بها العصابة، التى جعلت الفنان الشعبى «حفنى أحمد حسن» يخوض مغامرة تأليف موال قصصى عن جرائمها وجعلت صلاح أبو سيف يغامر بإخراج فيلم عنها فى خمسينيات القرن الماضى.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
شهد مهرجان برلين السينمائي الدولى (برليناله) مساء السبت 21 فبراير 2026 أمسية ختامية حملت أبعادا سياسية واضحة، بعدما منحت لجنة...
مشاهد مسرحية وأغان مصرية
الإذاعى الكبير - محمد عبد العزيز - رئيس إذاعة القاهرة الكبرى، جعل هذه الإذاعة هي الكبرى بين الشبكات والمحطات الإذاعية...
أوراق الوردة (18) لماذا قاطعها عمار الشريعى 7 سنوات وحلمى بكر 12 سنة؟ وردة بعد بليغ: كشف حساب للنجاحات والإخفاقات...